صورة من الخبر

أين تذهب أموال الشعب العراقي؟

بقلم: عباس النوري

أولا: وزارة النفط - المبيعات المحلية للمشتقات النفطية

كم تبلغ الأموال التي تجنيها الدولة العراقية من بيع المشتقات النفطية داخل البلاد، بعيدًا عن صادرات النفط؟

بحسب البيانات المنشورة عن عام 2024، بلغت كميات المبيعات المعلنة نحو 35.804 مليار لتر، توزعت على النحو الآتي:

البنزين: 11.382 مليار لتر.

النفط الأبيض: 1.768 مليار لتر.

زيت الغاز (الديزل): 11 مليار لتر.

زيت الوقود: 11.5 مليار لتر.

وقود الطائرات: 154 مليون لتر.

وبحسابات افتراضية أولية، قدّرت قيمة مبيعات البنزين بنحو 5.94 إلى 6.76 تريليون دينار، والنفط الأبيض بنحو 132.6 مليار دينار، وغاز السيارات السائل بنحو 65.4 مليار دينار.

وبذلك يبلغ المجموع الحسابي لهذه المنتجات الثلاثة نحو 6.14 إلى 6.96 تريليون دينار عراقي.

تنبيه مهم: هذه تقديرات حسابية وليست إيرادات فعلية مدققة، ولا تمثل إجمالي إيرادات وزارة النفط. نحتاج إلى بيانات تفصيلية عن الأسعار والكميات والتحصيل الفعلي لتحديد الرقم الصحيح.

هذه بداية سلسلة تبحث في إيرادات الوزارات والدوائر والشركات الحكومية، بالاعتماد على المصادر المتاحة، مع استبعاد صادرات النفط من الحسابات.

أموال الشعب تستحق الشفافية، ومعرفة موارد الدولة حق للمواطنين .


ثانيا: وزارة الكهرباء - كم تبلغ إيراداتها؟

كم تحقق منظومة الكهرباء العراقية من الإيرادات؟ وكم تحصل فعليًا من المواطنين والمؤسسات مقابل الطاقة المجهزة؟

بحسب تقرير مؤشرات الطاقة الكهربائية لعام 2024 الصادر عن هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية، بلغت إيرادات منظومة الكهرباء نحو 25 تريليونًا و985 مليار دينار عراقي خلال عام 2024، مقارنة بنحو 19 تريليونًا و364 مليار دينار في عام 2023، بزيادة قدرها 34.2%.

وفي المقابل، بلغت قيمة المستلزمات الكلية للمنظومة نحو 32 تريليونًا و107 مليارات دينار خلال عام 2024.

أما بيانات الجباية المنشورة، فتشير إلى أن قيمة الطاقة المبيعة بلغت نحو 3 تريليونات و3 مليارات دينار، بينما وصلت المبالغ المحصلة إلى نحو تريليونين و362 مليار دينار، مع ديون متراكمة على المستهلكين قُدّرت بنحو 9 تريليونات و945 مليار دينار.

هذه الأرقام واردة في مصادر مختلفة، وقد تختلف في نطاقها وتعريفاتها المحاسبية؛ لذلك لا يجوز جمعها أو اعتبارها مؤشرات متطابقة. كما أن الإيرادات المسجلة لا تعني بالضرورة أن جميع المبالغ دخلت الخزينة نقدًا.

السؤال الذي نطرحه: كيف تتوزع إيرادات الكهرباء وتكاليفها؟ وكم يُحصّل فعلًا من الفواتير؟ وما حجم الديون والطاقة المفقودة؟

نواصل البحث في إيرادات الوزارات والدوائر الحكومية، اعتمادًا على المصادر المتاحة، بهدف تعزيز الشفافية ومعرفة كيفية إدارة المال العام.

أموال الشعب تستحق الشفافية، ومعرفة موارد الدولة حق للمواطن.

 

صورة من الخبر
ثالثا: وزارة النقل وإيرادات الموانئ والنقل البحري

لا تقتصر موارد الدولة على ما تحصّله من رسوم وضرائب، بل تشمل أيضًا الإيرادات التي تحققها الشركات العامة من أنشطتها وخدماتها. ومن هنا تأتي أهمية البحث في أداء هذه الشركات، ليس بقصد توجيه الاتهامات، وإنما لفهم الأرقام المعلنة، ومعرفة ما تعنيه، وما الذي نحتاج إلى معرفته لاستكمال الصورة المالية.

وفي هذا المقال، نتوقف عند جانب من نشاط وزارة النقل، هو الموانئ والنقل البحري، بالاستناد إلى التقرير الإحصائي السنوي لنشاط النقل المائي في القطاع العام لعام 2024، الصادر عن هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية التابعة لوزارة التخطيط العراقية.

ماذا تقول الوثيقة الرسمية؟

يذكر التقرير أن إيرادات الشركة العامة لموانئ العراق بلغت 913.7 مليار دينار في عام 2024، مقابل 839.5 مليار دينار في عام 2023، بزيادة نسبتها 8.8 بالمئة.

أما الشركة العامة للنقل البحري، فقد بلغت إيراداتها 239 مليار دينار في عام 2024، مقابل 212 مليار دينار في العام السابق، بزيادة نسبتها 12.7 بالمئة.

وبجمع الرقمين، تصل الإيرادات المعلنة للشركتين إلى نحو تريليون و152.7 مليار دينار عراقي خلال عام 2024. وهذه حصيلة حسابية لإيرادات الشركتين المذكورتين، وليست إجمالي إيرادات وزارة النقل بجميع تشكيلاتها.

إن هذه الأرقام تستحق الاهتمام؛ لأنها تقدم مؤشرًا رسميًا عن حجم النشاط المالي في مؤسستين حكوميتين مهمتين. لكنها، في الوقت نفسه، لا تكفي وحدها للحكم على مستوى الأرباح أو كفاءة الأداء المالي.

الإيرادات ليست أرباحًا صافية

من الضروري التمييز بين الإيرادات التي تحققها الشركة وبين صافي ما يتبقى لها بعد احتساب النفقات والالتزامات. فارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة ارتفاع الأرباح بالنسبة نفسها، كما أن الإيرادات المسجلة لا تثبت وحدها مقدار الأموال التي حُوّلت إلى الخزينة العامة.

ويشير التقرير إلى أن أجور ومزايا العاملين في الشركة العامة لموانئ العراق بلغت 216.5 مليار دينار في عام 2024، فيما بلغت أجور ومزايا العاملين في الشركة العامة للنقل البحري 43 مليار دينار.

لكن هذه الأرقام تتعلق بالأجور والمزايا، ولا تمثل جميع تكاليف التشغيل والصيانة والاستثمار والالتزامات الأخرى. لذلك لا يصح طرحها وحدها من الإيرادات ثم اعتبار الناتج ربحًا صافيًا.

وهنا تظهر الحاجة إلى بيانات مالية أكثر تفصيلًا، تبيّن النفقات الكاملة لكل شركة، وصافي أرباحها أو خسائرها، والمبالغ التي تسددها للدولة، وما يُعاد استثماره في تطوير خدماتها.

ما الذي نحتاج إلى معرفته؟

إن نشر أرقام الإيرادات خطوة مهمة، لكن الشفافية المالية تكتمل عندما تكون هذه الأرقام قابلة للربط بالحسابات الختامية والبيانات المدققة. ومن المفيد أن تتوافر معلومات واضحة عن الإيرادات المحصّلة فعليًا، والنفقات التشغيلية والاستثمارية، والالتزامات المالية، وصافي النتائج السنوية، وحصة الخزينة العامة من أرباح الشركات الحكومية.

كما أن المقارنة بين عام وآخر ينبغي أن تراعي أسباب الزيادة أو الانخفاض، وطبيعة النشاط، والتغيرات في حجم الخدمات وكلفها. فالأرقام لا تتحدث عن نفسها دائمًا؛ بل تحتاج إلى تفسير يستند إلى الوثائق، لا إلى افتراضات مسبقة.

ولا يعني طلب هذه التفاصيل التشكيك في عمل الموانئ أو النقل البحري، ولا التقليل من جهود العاملين فيهما. بل إن وضوح الحسابات يساعد على إبراز الإنجازات، ويتيح تشخيص المشكلات إن وجدت، ويمنح المواطن صورة أكثر دقة عن إدارة المال العام.

حق المواطن في المعرفة

إن الغاية من سلسلة «أين تذهب أموال الشعب العراقي؟» ليست جمع أرقام كبيرة أو إطلاق أحكام على المؤسسات الحكومية، وإنما متابعة موارد الدولة على أساس المعلومات الموثقة، وتحديد ما تكشفه الوثائق وما لا يزال يحتاج إلى إيضاح.

فحين نعرف أن شركتين حكوميتين حققتا إيرادات تتجاوز تريليون دينار في عام واحد، فإن السؤال الموضوعي التالي ليس: أين اختفت هذه الأموال؟ بل: كيف توزعت الإيرادات والنفقات؟ وما صافي النتائج المالية؟ وكم حُوّل إلى الخزينة العامة؟ وما الذي أُعيد استثماره في تطوير الخدمات؟

هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون بالتخمين ولا بالاتهام، وإنما بنشر البيانات الرسمية المتكاملة وإتاحتها للباحثين والصحفيين والمواطنين.

سنواصل البحث في موارد المؤسسات الحكومية، مع الالتزام بذكر المصادر، والتمييز بين الأرقام الرسمية والتقديرات، وعدم تكرار احتساب الأموال ذاتها عند انتقالها بين مؤسسات الدولة.

إن الدولة التي تتيح معلوماتها المالية بوضوح تعزز ثقة المواطن بمؤسساتها، وتساعد على ترسيخ ثقافة المساءلة القائمة على الدليل. أما الصحافة، فمسؤوليتها أن تسأل وتتحقق وتعرض الوقائع بإنصاف، من دون تهويل أو مجاملة.

فأموال الدولة أمانة الشعب، ومعرفة مواردها وكيفية إدارتها حق للمواطن، والشفافية مسؤولية مشتركة تبدأ بالمعلومة الموثقة وتنتهي بمساءلة تستند إلى الحقيقة.

المصدر الرسمي: 

هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية، وزارة التخطيط العراقية، إحصاء نشاط النقل المائي في القطاع العام لسنة 2024.


صورة من الخبر