الإمام علي عليه السلام... الحق والعدل في مواجهة الفتنة والسلطة

د. سلام قاسم

هو علي أبن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، تربى وعاش في كنف النبي صلى الله عليه وسلم فمنحه كل الحب. نشأ رجلاً مكين البنيان في الشباب والكهولة، اشتهر عنه أنه لم يصارع أحد إلا صرعه ولم يبارز أحد إلى قتله، وقد يزحزح الحجر الضخم، الذي لا يزحزحه إلا رجال كثر، يصيح الصيحة فتنخلع لها قلوب الشجعان.

يقول العقاد "من تورعه عن البغي مع قوته البالغة وشجاعته النادرة، أنه لم يبدأ أحد قط بقتال، وكان يقول لابنه الحسن "لاتدعون الى مبارزة فإن الداعي اليها باغ والباغي مصروع".

علم أن جنود الخوارج يفارقون عسكره ليحاربوه، وقيل له: إنهم خارجون عليك فبادرهم قبل أن يبادروك، فقال: لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسيفعلون. وكذلك فعل قبل وقعة الجمل وقبل وقعة صفين وقبل كل وقعة صغرت أو كبرت ووضح فيها عداء العدو أو غمض يدعوهم إلى السلم وينهي رجاله من المبادأة بالشر، فما رفع يده بالسيف قط إلا وقد بسطها قبل ذلك للسلام.

اتفق خصوم الإمام علي وأنصاره على بلاغته واتفقوا على علمه وفطنته. كان علي رجلا شجاع لأنه قوي، وزاهد ومستقيم وصادق ومثار للخلاف لأن الصدق لا يدور بصاحبه مع الرضا والسخط والقبول والنفور، واصدق الشهادات لهذا الرجل أن الناس قد أثبتوا له في حياته أجمل الصفات وبلغت به نخوة الفروسية غاياتها المثلى، وهو من سن سنن الفروسية والنخوة عندما أمر جنده، ألا يقتلوا مدبراً ولا يجهزوا على جريح ولا يكشفوا ستراً ولا يمدوا يداً إلى مال. كما أنه عرف بالتفقه والنزوع الى التصوف واستنباط حقائق الأشياء.

ولد علي داخل الكعبة وكرم الله وجهه عن السجود لأصنامها وتربى في البيت الذي خرجت منه النبوة فكان ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وربيبه الذي تربى في بيته وأخوه الذي آخاه في الإسلام أن عليا كان المسلم الخالص على سجيته المثلى، وإن الدين الإسلامي لم يعرف قط أصدق إسلاماً منه ولا أعمق نفاذاً فيه.

اجتمع مع علي في الحجاز والكوفة كل منافس على الخلافة متطلع إليها فمنهم من كان يقول له نبايعك على أنا شركاؤك، ومنهم من كان يتعلل بقلة المشاورة له، ومنهم من كان يحارب عثمان ثم أصبح يحارب عليا باسم عثمان.

وقد اختير علي أبن أبي طالب رضي الله عنه رابع الخلفاء الراشدين بطريقة الانتخاب في العلن، إذ رفض أن يتم انتخابه ومبايعته في السر بل فضل أن يتم مبايعته في المسجد وفي العلن على الرغم من تشعب الفتنة بعد استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

يقول أبن الأثير "أجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار وفيهم طلحة والزبير فأتوا علي بن أبي طالب فقالوا له لابد للناس من إمام قال لا حاجة لي في أمركم من اخترتم رضيت به قالوا ما نختار غيرك نحن لا نعلم أحداً أحق منك لا أقدم سابقة ولا اقرب قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عندما حضر الناس الى المسجد في اليوم الثاني صعد علي المنبر فقال "أن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم وأن تركتموني فإنما أنا أحدكم إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه من أمركم" وفي اليوم التالي أجتمع الناس في المسجد فصعد علي المنبر فقال "يا أيها الناس عن ملأ وإذن أن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على احد فقالوا نحن على ما فارقناك بالأمس".

كانت وصية أبو بكر الى عثمان رضي الله عنهم، أن يمسك كبار الصحابة بالحجاز وحذره منهم كما حذر أبو بكر عمر منهم أيضاً، لكن عندما استلم عثمان الحكم أهمل سياسة أبو بكر وعمر وشق عليه أن يطيل حبسهم بالحجاز والهيمنة عليهم بجواره، فانطلقوا حيث ذهبت بهم المذاهب، وكان كما حذر أبو بكر، إذ أصبح لكبار الصحابة من الأموال ما لا يعد إضافة الى الضياع والبيوت حتى أن زيد بن ثابت، خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الأموال والضياع، والأمر ينطبق على سعد وطلحة والزبير والمقداد وغيرهم، هؤلاء بعد مقتل عثمان واستلام علي الخلافة أصبحوا عنصراً من أكبر عناصر القلق والتبرم والنفور من دوام الأمر لحكومة علي الجديدة.

الذي يغلب على أصحاب الثروات في كل مجتمع أنهم أنصار الحالة القائمة وأعداء الثورة والاضطراب السياسي أو الاجتماعي على التخصيص ولكن هؤلاء الأغنياء خالفوا المعهود في مجتمع علي فأصبحوا قادة هذا السخط والشكوى وأعوان الثورة والتغيير ولو في سرائر القلوب لأنهم عرفوا علياً من قبل ومن بعد فعلموا أنه لن يقرهم على ما هم فيه ولن يلبث أن يحاسبهم على ما جمعوه من المال.

قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بحق علي : "علي مع الحق و الحق مع علي والحق يدور حيثما دار علي ". يعني ان الحق كان يتبع علي اينما ذهب و ليس ان علي فقط يتبع الحق بل ان الحق كان لعلي كالظل الذي يرافق الانسان، الحق هو مقياس التعامل عند الإمام علي في كل القضايا الشخصية والعائلية والاجتماعية، ومع الصديق والعدو، وفي السلطة وخارجها.

لما سمع عليا أن قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين قال لهم: "أني أكره أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب القول وأبلغ العذر وقلتم مكان سبكم إياهم اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به".

كان علي أبن أبي طالب شديد على نفسه، قيل له يا أمير المؤمنين "أن الله جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً، وأنت تفعل هذا بنفسك (أي خشونة العيش)، فقال، والله ما أرزءوكم شيئاً، وما هي إلى قطيفتي التي أخرجتها من المدينة".

وعند بيعته قال "ايها الناس إنما أنا رجل منكم لي مالكم وعلي ما عليكم وإني حاملكم على منهج نبيكم ومنفذ فيكم ما أمرت به، إلا أن قطيعة أقطعها عثمان وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق لا يبطله شيء ولو وجدته قد تزوج به النساء وملك الإيماء وفرق في البلدان لرددته فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه الحق فالجور عليه أضيق.

من وصاياه الى مالك الأشتر: "يا مالك وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكوننً عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان، إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتي على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ".

كان علي بطلا شجاعاً لا وجود لمفردة الفرار لديه لذا كان يحث قومه على عدم الفرار والثبات إذ قال: "عاودوا الكرً واستحيوا من الفرً فإنه عار باق في الأعقاب والأعناق ونار يوم الحساب وطيبوا عن أنفسكم أنفساً وامشوا إلى الموت مشياً سُجُحاً".

ولد علياً في الكعبة وضربه اللعين أبن ملجم في المسجد فأية بداية ونهاية اشبه بالحياة التي بينهما، عندما سال الدم الطاهر من جبهته الشريفة التي لم تسجد لغير الله قط، استبشر بالشهادة في محراب صلاته، فصاح بصوتا مدوياً فزت ورب الكعبة.

المصادر:

) العقاد عباس محمود. عبقرية الإمام. نهضة مصر للطباعة والنشر، ط8، 2006، صـ 10.

) المصدر السابق. ص 10.

) ابن الأثير. الكامل، 3/ 80.

) الطبري. تاريخ الأمم والملوك المجلد الثاني، ص 524 و 525.

) المصدر السابق نفسه. ص 35.

) المصدر السابق. ص 36.

) الخياط عبد العزيز عزت. مصدر سابق. ص 324.