الجامعات العراقية بين مطرقة التسييس وسندان رسالتها العلمية _ قراءة في أزمة التعليم العالي والبحث العلمي
عبدالكريم حنون السعيد
لم تُنشأ الجامعة بوصفها مؤسسة إدارية تُدار بعقل الوظيفة، ولا باعتبارها طريقًا مختصرًا إلى التعيين أو المنصب، بل وُجدت أساسًا بوصفها فضاءً لإنتاج المعرفة، ومنبرًا للإشعاع العلمي، وعقلًا ناقدًا يسهم في بناء وعي المجتمع وتقدّمه. غير أنّ التحوّلات التي أصابت الجامعات العراقية في العقود الأخيرة أفرغت هذا الدور من مضمونه، ودفعت بالمؤسسة الجامعية إلى موقعٍ إشكاليٍّ يتأرجح بين مطرقة التسييس وسندان رسالتها العلمية.
إنّ أخطر ما واجه التعليم العالي في العراق لا يكمن في نقص الكفاءات ولا في ضعف الطاقات البشرية، بل في اختلال نمط التفكير الذي بات يحكم المؤسسة الجامعية، سواء على مستوى الإدارة أو على مستوى الأستاذ والطالب. فقد جرى التعامل مع الجامعة، تدريجيًا، بوصفها دائرة لا تختلف في منطق إدارتها عن سائر مؤسسات الدولة، وغُيّبت عنها خصوصيتها المعرفية، فحلّ المنطق الوظيفي محل المنطق العلمي، وأصبحت الشهادة غاية بحد ذاتها لا ثمرة لمسار بحثي رصين.
ومع تغلغل التسييس في بنية القرار الأكاديمي، تحوّلت المناصب الجامعية العليا إلى مواقع محاصصة خارج المعايير العلمية، الأمر الذي انعكس مباشرة على هيبة المعرفة داخل الجامعة. فعندما يُدار التعليم العالي بمنطق الولاء أو التوازنات السياسية، لا بمنطق الرصانة والكفاءة، فإن التفاضل العلمي يفقد معناه، ويتحوّل البحث من فعل معرفي إلى إجراء شكلي، وتُصاب الثقة بين الطالب والجامعة في صميمها. عندئذٍ لا تعود الجامعة منتِجة للوعي، بل معملًا لتكديس الشهادات الخاوية من روحها.
ولا يمكن الحديث عن رصانة علمية حقيقية في ظل غياب معيار واضح وملزِم للتفاضل الأكاديمي. فالرصانة لا تُستدعى في الخطب، ولا تُفرض بالقرارات الشكلية، بل تُبنى عبر منظومة متكاملة تجعل البحث العلمي أساس الترقية، والإنجاز الأكاديمي شرطًا للمسؤولية، وتقطع الطريق أمام المجاملة والتسييس. غير أنّ هذه المنظومة تبقى ناقصة ما لم تُدعَم بإرادة دولة تعي أن البحث العلمي ليس جهدًا فرديًا معزولًا، بل استثمار وطني طويل الأمد.
ومن هنا تبرز إشكالية التمويل بوصفها عقدة مركزية في أزمة التعليم العالي. فلا يعقل أن تُطالب الدولة أستاذها الجامعي وطالب الدراسات العليا بنشر بحوث رصينة في مجلات عالمية محكّمة، ثم تتركهما يواجهان تكاليف البحث والتحكيم والنشر وحدهما. في هذه الحالة تتحوّل الرصانة العلمية إلى عبء، ويصبح البحث الجاد ترفًا لا يقدر عليه إلا القليل، بينما يُفتح الباب أمام بحوث ضعيفة أو مجلات هامشية لا تضيف قيمة حقيقية للمعرفة.
إنّ تحمّل الدولة نفقات البحث العلمي ونشره في المجلات المحكمة العالمية ليس منّة ولا دعمًا شكليًا، بل واجب سيادي، لأن المعرفة التي تُنتج باسم جامعاتها تمثّلها أمام العالم. ويكتمل هذا المسار حين تُحال البحوث إلى لجان علمية أكاديمية عالمية للتحكيم، ضمانًا للحياد، وتكريسًا للقيمة العلمية، وكسرًا لدائرة التقييم المحلي المثقل بالعلاقات والضغوط.
غير أنّ النشر، مهما بلغت رصانته، يفقد جزءًا كبيرًا من معناه إذا لم يسلك طريقه إلى التطبيق. فالمعرفة التي تبقى حبيسة الورق لا تسهم في حل مشكلات المجتمع، ولا تنعكس على التنمية والسياسات العامة. لذلك فإنّ التأكّد من جدوى البحث يجب أن يكون جزءًا من مساره، وأن يُفتح أمامه طريق التطبيق العملي. وفي هذا السياق، يغدو من المنطقي أن يكون الباحث نفسه مشرفًا على تطبيق بحثه، لأنه الأدرى بمنهجه وحدوده ومقاصده، على أن يُمنح هذا الإشراف مكافأة مالية واضحة بعقد رسمي يحفظ كرامته العلمية ويضمن جدية التنفيذ.
إنّ أزمة الجامعات العراقية ليست تقنية فحسب، بل هي أزمة رؤية وإرادة. فإصلاح التعليم العالي لا يتحقق بإجراءات إدارية معزولة، ولا بشعارات تُرفع عند الحاجة، بل بإعادة نظر شاملة في السياسة التعليمية للدولة، وبفصلٍ واضح بين الجامعة والوصاية السياسية، وبإعادة بناء الضمير الأكاديمي من الداخل، وبجعل المعرفة قيمة عليا لا أداة تزيين.
فالجامعة إمّا أن تكون عقل المجتمع ومنبر إشعاعه العلمي، أو تتحوّل إلى عبء عليه. ولا يمكن لدولة تطمح إلى الخروج من أزماتها المتراكمة أن تفعل ذلك من دون جامعة حرّة، رصينة، محمية من التسييس، ومدعومة بإرادة حقيقية تؤمن بأن الاستثمار في المعرفة هو الاستثمار الأعمق والأبقى.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.