الشعر بين الشكل والذاكرة: مقاربة في جوهر القصيدة
عبد الكريم حنون السعيد
ليس الجدل حول أشكال القصيدة – عمودية كانت أم حديثة – جدلاً شكلياً محضاً، بل هو في جوهره سؤال عن وظيفة الشعر وعلاقته بالإنسان والذاكرة والزمن. فالشكل، مهما بدا حاسماً، ليس سوى أحد بعدين، يجاوره بعدٌ آخر أكثر عمقاً يتمثل في البنية والأسلوب وطريقة صياغة اللغة وبناء المعنى.
تبدو القصيدة العمودية، بما تحمله من وزن وإيقاع وغنائية، أكثر قدرة على مخاطبة الوجدان الجمعي، لا سيما في أزمنة الأزمات والحروب والانفعالات الكبرى، حيث يكون الإنسان في حاجة إلى صوتٍ واضحٍ، مشترك، وقابل للترديد والإنشاد. في المقابل، تميل القصيدة الحديثة إلى التأمل، وإلى مخاطبة العقل والوعي الفردي، وتبرز في أزمنة الهدوء النسبي والرخاء، حين يتاح للإنسان أن يفكّر أكثر مما ينفعل.
غير أن هذا الاختلاف لا يعني تفاضلاً جوهرياً، بل اختلافاً في شدة الظهور. فلكل شكل جمهوره، ولكل قصيدة توقيتها، ولكل زمن حاجته. الصراع الحقيقي ليس بين الأشكال، بل في سوء فهم اختلاف الأذواق، وفي محاولات فرض شكلٍ واحد بوصفه الأجدر بالبقاء.
إن معاناة الشاعر داخل القالب العمودي أشدّ، لأنها تجمع بين الجهد التقني، والتوتر الذهني، والصراع مع اللغة والوزن والقافية، بينما تبدو معاناة الشاعر الحديث أخفّ من حيث القيود الشكلية، لكنها لا تقلّ عمقاً من حيث بناء المعنى والاشتغال على اللغة والصورة. ومع ذلك، فالمعاناة ليست معيار قيمة، بل شرط تكوين، وما يمنح القصيدة قدرتها على البقاء هو عمقها لا صعوبتها.
فالقصيدة التي تبقى هي تلك التي تبلغ حدّ الإشباع؛ حين لا يعود لديها ما تقوله دون افتعال. عند هذه النقطة، يصبح الصمت فعلاً شعرياً، وقد يكون الصمت أحياناً أصدق من القول. القصيدة الناضجة هي التي ترفض الزيادة، وتحمي نفسها من التكرار، وتترك أثراً عميقاً بطيئاً في الوجدان، لا صدمة عابرة.
تلعب الذاكرة الجماعية دوراً حاسماً في انتشار القصيدة وبقائها، لا بوصفها ذاكرة عادلة، بل بوصفها ذاكرة قائمة على الاقتران الشرطي بين الحدث والقصيدة والشاعر. كثير من القصائد تترسّخ لأنها اقترنت بلحظة تاريخية أو ألمٍ جمعيٍّ، وتخفت حين يضعف أثر الحدث، ثم تعود إلى الظهور عند تكرار ظروف مشابهة. هكذا يصبح الشعر أحد أشكال الذاكرة الجمعية، لا سجلاً محايداً، بل خزّاناً وجدانياً يُستعاد عند الحاجة.
في هذا السياق، لا تنفصل القصيدة عن اسم شاعرها في وعي الجمهور؛ فالاسم والتاريخ يمنحان النص شرعية إضافية، وقد يحسمان التلقّي لصالح القصيدة الموقَّعة على حساب نصوص جميلة مجهولة. ولذلك لم تكن الذاكرة الشعرية عادلة يوماً، وغالباً ما يُكافأ الشعر بما هو أشهر لا بما هو أجمل.
أمام هذا الواقع، لا يملك الشاعر الحقيقي سوى موقفٍ واحد: أن يكتب للشعر نفسه، لا للشهرة، وأن يراهن على الزمن لا على الاعتراف الفوري. فالقصيدة – مثل القمر – قد تولد هلالاً، ولا يكتمل نورها إلا بعد سنوات، وربما لا يدرك الشاعر نفسه اكتمالها إلا متأخراً إن كان حيّاً.
إن الشاعر الحقيقي ليس من يطارد الأضواء، ولا من يراهن على سلطة الاسم، بل هو الذي يكتب قصيدته بحسّ ذوق الفنان وقيمة الإنسان؛ شاعر يدرك مسؤوليته الأخلاقية، ويعرف حدود طاقته، ولا يكتب إلا حين تنضج القصيدة في داخله. لذلك، تبقى الوصيّة الأصدق لكل من يبدأ الطريق:
اكتب للشعر نفسه، لا تستعجل الشهرة، واستفد واجلس لتستمع لمن سبقوك.
فهكذا وحده، يمكن للشعر أن يظلّ شعراً، لا نظماً،
وأن يظلّ إنسانياً، لا سلعة.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.