العراق بين الواقع والطموح: دعوة للنظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس
بقلم: سعد ابراهيم
في خضم الأزمات المتتالية التي يمر بها العراق، يبدو الحديث عن الأمل أحياناً وكأنه ترف فكري، أو رفاهية لا تليق بواقع منهك. لكن الحقيقة التي يجب ألا نغفل عنها، هي أن الأوطان لا تُبنى باليأس، ولا تنهض بالنقد وحده، وإنما بالعمل الجاد، والرؤية الواضحة، والإيمان بإمكانية التغيير.
العراق اليوم يمر بمرحلة مخاض عسير، طويلة الأمد، تحتاج من كل المخلصين أن يتجاوزوا خلافاتهم الفكرية والسياسية، وأن يصطفوا صفاً واحداً في مواجهة التحديات. فالمهمة الوطنية الكبرى التي تنتظر القوى الديمقراطية والعلمانية واليسارية ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. إن بناء دولة عادلة، قائمة على المواطنة، وبعيدة عن المحاصصة الطائفية والعرقية، هو هدف سامٍ يجب أن يُعلّى فوق كل اعتبار حزبي أو شخصي.
ما يُقلق في هذا المسار، أن بعض من يرفعون لواء اليسار أو يزعمون الانتماء إلى المشروع الديمقراطي، يفضلون الوقوف على الهامش، مكتفين بإطلاق الاتهامات وتوجيه النقد، دون مساهمة فعلية في تقديم البدائل أو دعم الجهود القائمة. هذا الموقف لا يخدم أحداً، بل يمنح القوى الفاسدة فرصة أطول للبقاء والتمدد، ويضعف من إمكانية تشكيل جبهة وطنية حقيقية قادرة على التغيير.
من يعمل قد يُخطئ، وهذه سُنّة العمل السياسي، خاصة في بيئة معقدة كالعراق. أما من لا يعمل، فلن يخطئ، لكنه أيضاً لن يغيّر شيئاً. النقد البنّاء مرحّب به دائماً، شريطة أن يكون مدفوعاً بالحرص على المصلحة العامة، لا بدوافع ذاتية أو انتقائية.
الميدان الوطني مفتوح أمام الجميع. لكل من يرى في نفسه الكفاءة والقدرة على الإسهام في بناء الدولة، أن يتقدم. بإمكانه تشكيل حزب، أو إطلاق مبادرة، أو الانخراط في عمل سياسي حقيقي، شرط أن يكون الهدف هو خدمة العراق، لا الذات أو الأجندات الجانبية.
كما يقول المثل الشعبي: "هذا الميدان يا حميدان". فمن أراد أن يُسهم في بناء الدولة، فليدخل الميدان، لا أن يكتفي بموقع المتفرج، أو الناقد من موقع الأمان.
العراق يحتاج إلى كل جهد صادق، وكل فكرة بناءة، وكل يد تمتد لإسناده. إن مشروع بناء دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية لن يتحقق إلا بتوحيد الصفوف، وتغليب الروح الوطنية على الحسابات الضيقة. فلننظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس، ولنعمل على ملء ما تبقى منه، فذلك هو طريق الخلاص الحقيقي.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.