الفلسفة والقانون: هل بينهما علاقة؟
أبرز النقاط
- الفلسفة هي محبة الحكمة ومساءلة أسس المعرفة والوجود، وليست جمعاً للمعلومات فحسب.
- القانون مجموعة قواعد ملزمة تنظّم علاقات الأفراد والدولة، وتحدد المسموح والمحظور.
- نشأ القانون من ضرورة الاجتماع الإنساني والحاجة إلى الأمن والنظام.
- الإنسان ليس كائناً اجتماعياً فقط، بل «كائن نظامي» يحتاج إلى قواعد تضبط حياته المشتركة.
- فلسفة القانون تبحث في أصل القانون وشرعيته ومبررات إلزامه وغاياته.
- اهتم اليونانيون بماهية القانون وأصوله الفلسفية، بينما برع الرومان في جانبه العملي والتنظيمي.
- تحمل كل قاعدة قانونية افتراضات ضمنية بشأن العدل والحرية والحق وطبيعة الإنسان.
- يتغير معنى القانون تاريخياً وفق مصدره: العرف، أو الإرادة الإلهية، أو العقد الاجتماعي، أو المصالح الطبقية.
- القانون المنفصل عن الفلسفة يتحول إلى أداة تقنية، أما الفلسفة فتمكّنه من مراجعة أسسه ونقد شرعيته.
- الخلاصة: كل قانون اختيار إنساني قابل للمساءلة وإعادة التقييم وفق حاجات المجتمع وقيم العصر.
بقلم/ عزالدين محمد ابوبكر
قبل أن نسأل عن العلاقة بين الفلسفة والقانون، يجدر بنا أن نسأل أولاً ما الفلسفة أصلاً؟
لأن هذه الكلمة في أصلها اليوناني، تعني "محبة الحكمة"، وهي محبة لا تكتفي بجمع المعرفة بل تسعى إلى مساءلة أسسها ذاتها؛ فالفيلسوف اليوناني لم يكن يبحث عن إجابات جاهزة بقدر ما كان يبحث عن الأسئلة الصحيحة التي تكشف زيف اليقين المريح، أما مارتن هايدغر في القرن العشرين، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين اعتبر الفلسفة تساؤلاً عن "الوجود" ذاته، لا عن الموجودات المتفرقة التي نراها ونلمسها، فالفلسفة عنده ليست معرفة تُكتسب، بل انفتاح دائم على معنى أن نكون موجودين أصلاً في هذا العالم، وهذا الانفتاح هو ما يمنحها قدرتها على مساءلة كل بناء إنساني، بما في ذلك القانون نفسه.
أما القانون، فتعريفه أقرب إلى الحياة اليومية منه إلى التجريد الفلسفي، وإن كان لا ينفصل عنه كما سنرى، وذلك لأن القانون في أبسط تعريفاته، هو مجموعة القواعد الملزمة التي تنظم علاقات الأفراد داخل الجماعة أو المجتمع، وتُميّز بين ما هو مسموح وما هو محظور، وتُلحق جزاءً بمن يخالفها، وهو ينقسم عادة إلى قسمين كبيرين؛ وهما القانون العام الذي ينظم علاقة الدولة بالأفراد وعلاقة أجهزة الدولة ببعضها، والقانون الخاص الذي ينظم علاقات الأفراد فيما بينهم من عقود وملكية وأسرة، أما مصادره فتتوزع بين مصدر رسمي كالتشريع المكتوب الصادر عن سلطة مختصة، ومصدر تفسيري كالعرف الذي يتشكل عبر الممارسة المتكررة، إلى جانب مبادئ القانون الطبيعي والعدالة التي يُستأنس بها حين يغيب النص.
وهنا يبرز لنا سؤال جوهري وهو من أين نشأ القانون أصلاً؟
يجيب الباحثان مصطفى النشار ومحمد ممدوح عبد المجيد في كتابهما "فلسفة القانون وإشكالياتها" بأن "القوانين نشأت مع أول قدم خطت على الأرض"، مستحضرين مقولة ابن خلدون الشهيرة في أن الاجتماع ضروري للإنسان لاكتساب قوته وأمنه. فالإنسان، بحسب هذا التصور، لا يستطيع أن يعيش منفرداً، والاجتماع بدوره لا يستقيم دون قواعد تضبط حدود كل فرد إزاء الآخرين، ومن هنا "ولدت الضرورة إلى قيام نظام ينزل الأفراد على حكمه"؛ وهذا الربط بين ضرورة الاجتماع وضرورة القانون هو أول خيط يجمع الفلسفة بالقانون، فالسؤال عن أصل القانون هو، في جوهره، سؤال فلسفي عن طبيعة الإنسان ذاته.
ويصف المؤلفان الإنسان بعبارة لافتة حين يقولان إنه، إضافة إلى كونه "حيوان اجتماعي"، هو أيضاً "حيوان نظامي"، بمعنى أنه "يحب النظام في كل شيء" ويستشعر بغريزته الحاجة إلى قواعد منظمة، وهذه العبارة تكشف أن نشأة القانون لم تكن قراراً عقلانياً بحتاً اتخذته جماعة من الحكماء في لحظة تاريخية محددة، بل كانت استجابة شبه غريزية لضرورة العيش المشترك، التي سبقت حتى تدوين القواعد أو التفكير الواعي فيها، وهذا بالذات هو ما يجعل دراسة القانون بحاجة ماسة إلى الفلسفة؛ فما هو "غريزي" أو "بديهي" يستحق أن يُساءل فلسفياً، لا أن يُترك دون فحص، لأن البديهيات هي أخطر ما يمكن أن يُبنى عليه نظام اجتماعي كامل دون وعي بأسسه.
من هنا تتضح الحاجة إلى ما يُعرف بـ"فلسفة القانون"، وهو الحقل الذي لا يكتفي بوصف القواعد القانونية كما هي، بل يسأل عن شرعيتها وأصلها ومبرر إلزامها للأفراد، ويشير سليمان مرقس، في كتابه "فلسفة القانون: دراسة مقارنة"، إلى أن هذا التساؤل الفلسفي حول القانون بدأ فعلياً عند اليونانيين قبل الرومان، فيقول بوضوح: "لم يشتهروا بقوانينهم مثلما اشتهروا بفلسفتهم"، فبينما اهتم الرومان بالجانب العملي لتنظيم علاقات الناس، انشغل اليونانيون بمساءلة "أصول القانون وماهيته". ويؤكد مرقس أن هذا التنوع الفلسفي اليوناني كان خصباً إلى درجة أننا "نجد فيها أصول جميع المذاهب والنظريات الفلسفية القانونية الحديثة"، وهذا يعني أن فلسفة القانون، بمعناها العميق، وُلدت يونانية قبل أن تُصاغ قواعده الإجرائية رومانياً.
وهذا التمييز بين الفكر الروماني العملي والفكر اليوناني التأصيلي يكشف لنا طبيعة العلاقة بين الفلسفة والقانون؛ حيث أن القانون حين يُصاغ بمعزل عن أي مساءلة فلسفية، يظل مجرد أداة تقنية لتنظيم السلوك، أما حين يُسأل عن أصله ومبرره وغايته، فإنه يتحول إلى موضوع فلسفي بامتياز، والحقيقة أن كل قاعدة قانونية، مهما بدت جافة، فإنها تحمل خلفها افتراضات فلسفية ضمنية وهي؛ ما هو العدل؟ ما هي طبيعة الإنسان؟ هل الحرية أصل والقيد استثناء، أم العكس؟ وهذه الأسئلة لا يجيب عنها القانون بذاته، بل تسبقه وتحدد شكله، وهذا هو بالضبط المجال الذي تشتغل فيه الفلسفة حين تلتقي بالقانون.
ويمكننا هنا أن نستعير فكرة فلسفية من فيلسوف قد يبدو بعيداً زمنياً عن هذا النقاش لكنه قريب منه منهجياً، وهو لودفيغ فيتغنشتاين. فقد علّمنا فيتغنشتاين - في تحقيقاته الفلسفية - أن معنى الكلمة لا يكمن في تعريف مجرد ثابت، بل في "استعمالها" داخل سياق حياة معين، أو بما سمّاه "لعبة اللغة"، وحين نطبّق هذا المنهج على كلمة "قانون"، نكتشف أن معناها ليس واحداً ثابتاً عبر التاريخ، بل يتغير بحسب "لعبة" الحياة الاجتماعية التي يُستعمل فيها؛ فالقانون عند من يرى القوة الطبيعية أصل كل حق يختلف تماماً عن القانون عند من يرى الاتفاق الاجتماعي أصله، وكلاهما يختلف عن القانون عند من يرده إلى إرادة إلهية متعالية، كما يشير النشار وعبد المجيد حين يصفان القوانين القديمة بأنها "ترد كل تلك القوانين إلى إرادة الله".
وهذا التعدد في "ألعاب" معنى القانون ليس فوضى تستدعي القلق، بل هو بالضبط ما يمنح فلسفة القانون سبب وجودها، فلو كان معنى القانون واحداً بديهياً واضحاً لا يحتمل التأويل، لما احتجنا إلى فلسفة تسائله، ولاكتفينا بعلم قانوني تقني بحت يصف القواعد ويطبّقها دون سؤال عن مبرراتها، لكن حقيقة أن القانون يمكن أن يُفهم كتعبير عن العرف، أو عن إرادة إلهية، أو عن عقد اجتماعي، أو عن مصلحة طبقية كما ترى بعض المدارس النقدية الحديثة، تكشف أن القانون ليس معطى جاهزاً ينتظر من يكتشفه، بل بناء إنساني متعدد الأوجه يحتاج دائماً إلى من يسائل أي وجه من هذه الأوجه يحكمنا في كل لحظة تاريخية.
ويمكن القول بأن العلاقة بين الفلسفة والقانون ليست علاقة خارجية بين حقلين منفصلين يلتقيان أحياناً، بل علاقة تأسيسية عميقة؛ حيث القانون منذ نشأته الأولى مع "أول قدم خطت على الأرض"، لم يكن يوماً مجرد قواعد معزولة عن التفكير في طبيعة الإنسان والعدالة والحرية، وفلسفة القانون منذ عصر فلاسفة اليونان وحتى اليوم، هي التي تُذكّرنا بأن كل قاعدة نخضع لها، مهما بدت طبيعية أو أزلية، هي في الحقيقة اختيار إنساني يستحق أن يُساءل من جديد في كل عصر.
مصادر تم الرجوع إليها:
- (صـ ٢٨) النشار، مصطفى، ومحمد ممدوح عبد المجيد. فلسفة القانون وإشكالياتها. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2018.
- (صـ ٣١) مرقس، سليمان. فلسفة القانون (دراسة مقارنة). بيروت: المنشورات الحقوقية صادر،


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.