بغداد تستعيد ذكرى تشرين السابعة وسط انتشار أمني ومطالب بمحاسبة قتلة المتظاهرين
خاص - مدار الناس بغداد - الأحد 25 تشرين الأول 2026
شهدت العاصمة العراقية بغداد، صباح اليوم الأحد، تجمعاً احتجاجياً في محيط ساحة التحرير، بالتزامن مع إحياء الذكرى السابعة لانتفاضة تشرين عام 2019، التي شكّلت إحدى أبرز المحطات الاحتجاجية في تاريخ العراق الحديث، ورفعت مطالب مكافحة الفساد، وتوفير فرص العمل، وإنهاء المحاصصة السياسية، ومحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين.
وبحسب مراسل مدار الناس، احتشد متظاهرون في حديقة الأمة خلف نصب الحرية، حاملين الأعلام العراقية، وسط انتشار مكثف لقوات مكافحة الشغب والأجهزة الأمنية في محيط ساحة التحرير والشوارع المؤدية إليها.
وجاءت هذه التحركات في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية، فيما أعادت الذكرى السابعة إلى الواجهة تساؤلات بشأن مصير مطالب انتفاضة تشرين، وما تحقق منها طوال السنوات الماضية.
إجراءات أمنية مشددة في محيط ساحة التحرير
شهدت الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير انتشاراً أمنياً منذ مساء السبت، في إطار إجراءات أعلنتها قيادة عمليات بغداد لتأمين التجمعات الاحتجاجية وتنظيم حركة المرور.
وشملت الإجراءات، وفق المعلومات المتداولة، فرض قيود على حركة الدراجات النارية ومركبات "التوك توك" في بعض الطرق المؤدية إلى منطقة التظاهر.
ورغم أن المتظاهرين تجمعوا بصورة سلمية، فإن الحضور الأمني الكثيف أعاد إلى الأذهان مشاهد الاحتجاجات السابقة، عندما تحولت ساحة التحرير والمناطق المحيطة بها إلى مركز رئيسي للحراك الشعبي المطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي.
ولم تتضمن المعلومات الأولية المتاحة حصيلة موثقة لأعداد المشاركين، كما لم ترد فيها تفاصيل مؤكدة عن وقوع مواجهات أو اعتقالات خلال تجمعات اليوم.
مطالب تشرين تعود إلى الواجهة
لم تقتصر تظاهرات اليوم على إحياء ذكرى الضحايا، بل أعادت طرح مطالب سياسية واقتصادية بقيت حاضرة منذ عام 2019.
واكد مراسل مدار الناس، أن المشاركين طالبوا بالكشف عن مصير قتلة المتظاهرين، ومحاسبة المسؤولين عن نهب المال العام، وضمان الحياة الكريمة والحريات العامة، ورفض احتكار السلطة وتوريثها.
كما ردد متظاهرون شعارات من بينها "الشعب يريد إسقاط النظام" و"نريد وطن"، في إشارة إلى استمرار الاعتراض على المحاصصة والفساد والتدخلات الخارجية.
الحكومة تعلن 120 ألف درجة وظيفية قبل التظاهرات
وقبيل انطلاق الاحتجاجات، أعلن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي توجيهات بتثبيت أصحاب العقود والأجراء على الملاك الدائم، واستحداث 120 ألف درجة وظيفية ضمن مشروع الموازنة الاتحادية لعام 2027.
ويأتي هذا الإعلان في وقت تمثل فيه البطالة وضعف الفرص الاقتصادية أحد أبرز أسباب الاحتقان الاجتماعي. غير أن الإعلان أثار تساؤلات بشأن القدرة المالية للدولة على تمويل التعيينات الجديدة، ومدى انسجامها مع التوجهات السابقة للحكومة التي حذرت من تضخم الجهاز الوظيفي وارتفاع النفقات التشغيلية.
كما أن إدراج الدرجات الوظيفية في مشروع الموازنة لا يعني تنفيذ التعيينات فعلياً، إذ يتطلب الأمر إقرار التخصيصات والإجراءات القانونية اللازمة.
وفد حكومي يتسلم مطالب المحتجين
وشهدت تظاهرات اليوم تطوراً تمثل بوصول وفد حكومي إلى ساحة التحرير، برئاسة رئيس خلية الإعلام الأمني سعد معن، لتسلّم مطالب المشاركين.
وتضمنت المطالب محاسبة الفاسدين، وحصر السلاح بيد الدولة، وتقديم المسؤولين عن قتل المتظاهرين إلى العدالة. وقد منح المحتجون الحكومة مهلة شهر واحد للاستجابة لمطالبهم. وفي المقابل، أكد رئيس الوزراء تسلمه المطالب، وتعهد بالنظر فيها، مشيداً بسلمية التظاهرات وتعاون المشاركين مع القوات الأمنية.
سبع سنوات على انتفاضة تشرين
اندلعت احتجاجات تشرين في الأول من أكتوبر 2019، ثم تجددت بقوة في الخامس والعشرين من الشهر نفسه، وامتدت إلى بغداد ومحافظات وسط العراق وجنوبه.
ورفع المشاركون آنذاك مطالب تتجاوز تحسين الخدمات وتوفير فرص العمل، لتشمل تغيير منظومة الحكم القائمة على المحاصصة، ومكافحة الفساد، وضمان استقلال القرار الوطني.
وأسفرت المواجهات وأعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات عن سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى، وفق حصائل متداولة اختلفت باختلاف الجهات والفترات التي شملها التوثيق.
وأدت الانتفاضة إلى استقالة حكومة عادل عبد المهدي، ثم إجراء انتخابات برلمانية مبكرة عام 2021، لكنها لم تنه الأزمة العميقة بين قطاعات من المجتمع العراقي والمؤسسات السياسية.
وبعد سبع سنوات، لا تزال قضية محاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين واحدة من أبرز الملفات التي يطالب ناشطو تشرين بحسمها.
قراءة سياسية: هل يستعيد الشارع العراقي زمام المبادرة}؟
لا يمكن التعامل مع تظاهرات اليوم بوصفها عودة كاملة إلى الزخم الجماهيري الذي شهدته البلاد عام 2019.
فالشارع العراقي يواجه أزمة ثقة تراكمت عبر سنوات من الوعود السياسية، وتراجع الخدمات، والبطالة، واستمرار النزاع على السلطة والموارد. كما أن تجارب القمع السابقة قد تجعل قطاعات من المواطنين أكثر حذراً من العودة إلى الاحتجاجات المفتوحة.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن الحركات الاحتجاجية تحتاج إلى تنظيم واضح، وبرامج قابلة للتنفيذ، وقيادات تحظى بثقة المشاركين، حتى تتمكن من تحويل الغضب الشعبي إلى ضغط سياسي مستدام.
وتبقى قدرة الحكومة على الاستجابة للمطالب، ولا سيما العدالة لضحايا تشرين ومكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، عاملاً مهماً في تحديد اتجاه العلاقة بين السلطة والمحتجين خلال المرحلة المقبلة.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.