بين ساديو ماني ولصوص الأوطان
ليس مهماً إن كان ساديو ماني قد قال العبارة المتداولة عنه حرفياً، فالرجل قالها بالأفعال قبل الكلمات. خرج من قرية فقيرة في السنغال، وصنع مجداً كروياً في أوروبا، لكنه لم ينسَ المكان الذي بدأ منه. بنى مدرسة، وساهم في إنشاء مستشفى، ودعم الفقراء، وموّل مشاريع تخدم مجتمعه. أدرك أن الثروة لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحول إلى حياة أفضل للآخرين.
قرأنا قصة ماني، ثم سرح بنا الخيال إلى العراق.
تخيلنا، للحظة، أن كبار الفاسدين عقدوا اجتماعاً استثنائياً، ليس لتقاسم الوزارات أو العقود، بل لمراجعة ضمائرهم. وقف أحدهم قائلاً: "لقد جمعنا ما يكفي من الأموال والعقارات والحسابات المصرفية. حان الوقت لنعيد جزءاً مما أخذناه إلى العراق".
ساد الصمت، ثم صدر البيان التاريخي: "قررنا بناء مستشفيات حقيقية، ومدارس تليق بالأطفال، ومحطات كهرباء تعمل، وطرق لا تنهار مع أول مطر، وإعادة الأموال المنهوبة والاعتذار إلى الشعب".
وفي صباح اليوم التالي، استيقظ العراقيون على وطن مختلف. اختفت المدارس الطينية، واستعاد المستشفى الحكومي هيبته، ولم يعد المواطن بحاجة إلى واسطة أو رشوة لإنجاز معاملة، واكتشف المقاولون أن الجسر يجب أن يبقى واقفاً بعد افتتاحه.
لكن... للأسف، كان ذلك مجرد حلم.
استيقظنا على المولدات تواصل ضجيجها، والمستشفيات تئن، والمدارس تزدحم، والطرق تتشقق، فيما يواصل الفاسدون تبرير فشل الدولة التي يديرونها منذ سنوات، وكأنهم مجرد مراقبين للأزمة لا صناعها.
الفارق بين ساديو ماني وبعض أثرياء السياسة في بغداد ليس بين لاعب ومسؤول، ولا بين السنغال والعراق، بل بين فلسفتين. الأول يرى المال وسيلة لخدمة الإنسان، والآخر يراه وسيلة للنفوذ والإثراء. الأول رد الجميل لقريته، بينما نهب آخرون المدن التي أوصلتهم إلى السلطة.
ومع ذلك، لا تُختزل أزمة العراق في غياب الضمير وحده. فالدول لا تُبنى بانتظار مسؤول صالح، بل تُبنى بقانون يحمي المال العام، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابية فاعلة، وإعلام حر، ومواطن لا يبيع صوته لمن سرق مستقبله.
ساديو ماني لم يكن معجزة، بل إنساناً امتلك ضميراً. أما العراق، فلا تنقصه الأموال ولا الطاقات، بل تنقصه دولة تجعل المدرسة أهم من مقر الحزب، والمستشفى أولى من قصر المسؤول، وكرامة المواطن فوق كل امتياز.
هنا يكمن الفارق كله: حين يحضر الضمير، يصبح المال جسراً نحو الحياة؛ وحين ينتصر الفساد، يتحول الوطن إلى غنيمة يتقاسمها المنتفعون.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.