حين يتحول الدفاع عن الحزب إلى مصادرة حق النقد
أبرز النقاط
- النقد ليس خيانة ولا عداءً للحزب: الفكر الماركسي يقوم على النقد والمراجعة والجدل، ولا يحق لأحد احتكار الحقيقة أو تخوين المختلفين معه لمجرد انتقادهم أداء القيادة الحزبية.
- النظام الداخلي يقر حق الاختلاف: ينص النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي على حق الأعضاء في النقد وإبداء الرأي ضمن ضوابطه التنظيمية. ومن باب أولى، لا يجوز مصادرة حق اليساري المستقل في نقد السياسات والممارسات الحزبية.
- التخوين والتجريح لا يعالجان الأخطاء: إن ما أثير بشأن حملات الإساءة ودور بعض القيادات، ومن بينها الدكتور علي مهدي، يستدعي تحقيقاً تنظيمياً شفافاً يستند إلى الأدلة، لا تبادل الاتهامات أو إصدار الأحكام المسبقة.
- الولاء للمبادئ أهم من الولاء للأشخاص: تجديد الحزب لا يتحقق بالشعارات أو إسكات المنتقدين، بل بالديمقراطية الداخلية والمحاسبة وتصحيح الأخطاء واستعادة ثقة الجماهير.
د. سلام قاسم
رد على مقال السيد سعد كاظم، المنشور في الموقع الرسمي للحزب الشيوعي العراقي، والذي أعاد نشره على صفحتي الشخصية السيد عاكف سرحان "ابو ساطع"، عضو الحزب الشيوعي العراقي.
عزيزي أبا ساطع، تحياتي ومحبتي.
قرأت المقال الذي تفضلت بنشره على صفحتي، للكاتب سعد كاظم، بعنوان "كيف يتحول من قضى سنوات من عمره يتحدث عن الطبقة العاملة إلى مجرد صدى باهت يردد أسطوانة مشروخة"، المنشور في موقع الحزب الشيوعي العراقي بتاريخ 22 تشرين الأول 2026.
وأود أن أناقش ما جاء فيه بهدوء ومسؤولية، لا من موقع الخصومة مع الحزب الشيوعي العراقي، بل انطلاقاً من احترام تاريخه النضالي، وحرصي على ألا يتحول هذا التاريخ إلى حصانة تمنع مساءلة الحاضر.
أولاً: النقد ليس انقلاباً على المبادئ
يقع الكاتب في تناقض فكري واضح، فهو يعترف بأن النقد الذاتي والتطوير الأيديولوجي يمثلان "أوكسجين أي حركة شيوعية حية"، لكنه سرعان ما يصنف المنتقدين ضمن "المنقلبين" و"الذباب الإلكتروني" و"المفلسين أخلاقياً وسياسياً".
والسؤال هنا... من الذي يمتلك سلطة تحديد النقد المشروع؟ وهل يصبح النقد مقبولاً فقط عندما ينسجم مع رغبات القيادة، ومرفوضاً عندما يكشف أخطاءها؟
في الفكر الماركسي، لا تكتسب الأفكار صحتها من موقع أصحابها التنظيمي، بل من قدرتها على تفسير الواقع ومواجهة تناقضاته. والحزب الذي ينتمي إلى هذا التراث الفكري يفترض أن يكون أكثر استعداداً لسماع الرأي المخالف، لا أكثر حساسية تجاهه.
ثانياً: الحزب ليس ملكاً لقيادته ولا لأعضائه الحاليين وحدهم
الحزب الشيوعي العراقي تجربة تاريخية شاركت في بنائها أجيال من المناضلين، بعضهم ما زال في التنظيم، وبعضهم غادره، وآخرون ابتعدوا عنه لأسباب سياسية أو تنظيمية أو شخصية. ولا يستطيع أحد أن يمحو مساهمة هؤلاء في تاريخ الحزب لمجرد اختلافهم مع قيادته الحالية.
إن مغادرة التنظيم لا تعني مغادرة الفكر الماركسي، كما أن الاحتفاظ بالعضوية لا يمنح صاحبها شهادة دائمة بصحة مواقفه. فالشيوعية ليست بطاقة عضوية، والماركسية ليست ملكية فكرية مسجلة باسم أي لجنة مركزية.
ثالثاً: لا يجوز تحويل الاختلاف السياسي إلى محاكمة أخلاقية
لم يقدم المقال واقعة محددة تثبت أن الأشخاص الذين يهاجمهم الكاتب تعاونوا مع حسابات وهمية، أو شاركوا في حملة منظمة ضد الحزب، أو تخلوا عن الدفاع عن الطبقة العاملة.
وبدلاً من الأدلة، استخدم الكاتب أوصافاً من قبيل "الانحطاط السياسي" و"المراهقة الفكرية" و"الانتقام الشخصي". هذه أحكام على النيات والشخصيات، وليست تفنيداً للأفكار.
ولو كان لدى الكاتب اعتراض على نقد محدد، لكان الأجدر به أن يقتبس ذلك النقد، ويناقش مضمونه، ويكشف مواضع الخطأ فيه بالأدلة. أما جمع المختلفين جميعاً في خانة واحدة، ثم اتهامهم بالإفلاس الأخلاقي، فلا يخدم الحوار الفكري، ولا يساعد الحزب على معرفة مواطن ضعفه.
رابعاً: تاريخ الحزب لا يعفي حاضره من المساءلة
يصف الكاتب تاريخ الحزب بأنه "ناصع البياض"، وهي عبارة عاطفية لا تنسجم تماماً مع المنهج المادي الجدلي.
فتاريخ الحزب الشيوعي العراقي، بما فيه من تضحيات وبطولات وإنجازات، شهد أيضاً أخطاء سياسية وتنظيمية تستحق الدراسة والمراجعة.
والاعتراف بالأخطاء لا ينتقص من تضحيات الشهداء والمناضلين، بل يحترمها، لأن أفضل وفاء لتلك التضحيات هو منع تكرار الأخطاء، لا تحويل التاريخ إلى رواية مقدسة.
خامساً: المؤتمر الحزبي فرصة للمراجعة، وليس مبرراً لإسكات المنتقدين
يربط الكاتب بين تصاعد النقد واقتراب المؤتمر الحزبي، وكأن النقد في هذه المرحلة يمثل تهديداً لوحدة الحزب.
والواقع أن المؤتمرات الحزبية ينبغي أن تكون مناسبة لمراجعة السياسات والبرامج والأداء القيادي، ومناقشة أسباب التراجع أو النجاح.
وإذا كان الحزب واثقاً من خياراته السياسية والتنظيمية، فإن النقد العلني المدعوم بالأدلة لا ينبغي أن يخيفه، بل يمكن أن يساعده على اكتشاف ما قد لا يصل إلى قيادته عبر القنوات التنظيمية المعتادة.
إن وحدة الحزب الحقيقية لا تتحقق بإسكات الأصوات المختلفة، وإنما ببناء الثقة واحترام الاختلاف والاحتكام إلى القواعد والمؤسسات.
سادساً: النظام الداخلي للحزب نفسه يدحض منطق التخوين
بالرجوع إلى النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي، الصادر عن المؤتمر الوطني الحادي عشر والمنشور رسمياً في 29 أيار 2022، نجد أن النص التنظيمي أكثر انفتاحاً على النقد من اللغة التي استخدمها الكاتب.
فالمادة الثالثة، الخاصة بحقوق عضو الحزب، تقر صراحة حق العضو في نقد أي هيئة حزبية أو عضو حزبي، ونشر وجهات نظره في القضايا الفكرية والسياسية عبر منابر الحزب، وتقديم اعتراضاته إلى الهيئات المختصة.
كما تؤكد المادة الأولى حرية إبداء الرأي، وتعدد الآراء وتفاعلها، واحترام الآراء المخالفة والاستفادة منها، وتقر مسؤولية الهيئات المنتخبة أمام من انتخبها.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين... النظام الداخلي ينظم ممارسة النقد الحزبي ضمن أطره التنظيمية، ويلزم الأعضاء بواجبات محددة، لكنه لا يجعل من النقد الموجه إلى الحزب من خارجه اعتداءً عليه، ولا يسلب المواطنين أو الأعضاء السابقين حق مناقشة سياساته علناً. بل إن المادة السادسة تقر حق العضو في الاستقالة متى شاء، دون أن يترتب على ذلك، بطبيعة الحال، سقوط حقه المدني والسياسي في التعبير.
والأهم أن المادة السابعة تحدد إجراءات الانضباط الحزبي وضماناتها، فلا يجوز استبدال المساءلة المؤسسية بالتشهير الإعلامي أو الإدانة الأخلاقية.
سابعاً: النقاشات الجارية داخل الحزب تؤكد مشروعية مراجعة بنيته التنظيمية
ومن المفارقات أن موقع الحزب نفسه نشر، بتاريخ 23 تشرين الأول 2026، ملاحظات شيوعيي الديوانية بشأن مسودة النظام الداخلي للمؤتمر الثاني عشر، تضمنت اقتراحاً بالاستفادة من خبرات الرفاق والكوادر القدامى والاستماع إلى تقييماتهم لأداء الحزب.
كما نشرت منظمات حزبية أخرى مقترحات لتعديل قواعد العضوية والقيادة وآليات العمل التنظيمي. وهذه المقترحات ما زالت موضوع نقاش، وليست بالضرورة قرارات معتمدة.
أليست هذه المناقشات دليلاً على أن مراجعة الأداء والبنية التنظيمية حاجة يعترف بها رفاق داخل الحزب نفسه؟
فلماذا يصبح النقد الذي يطرحه عضو في اجتماع حزبي دليلاً على الحرص، بينما يوصف النقد المشابه عندما يصدر عن يساري مستقل بأنه انتقام شخصي أو إفلاس سياسي؟
صحيح أن العضو الحزبي يخضع لالتزامات تنظيمية لا يخضع لها المستقل، لكن ذلك لا يبرر تحويل الاختلاف في الموقع التنظيمي إلى اختلاف في القيمة الأخلاقية للأشخاص.
ثامناً: الدفاع عن الحزب لا يكون بتقديس قيادته
لا أنكر أن الحزب الشيوعي العراقي، شأنه شأن سائر الأحزاب، قد يتعرض لحملات تشويه أو اتهامات غير صحيحة. ومن حق أعضائه وأنصاره الرد عليها وكشف مصادرها.
لكن الدفاع المسؤول يبدأ بتقديم الوقائع والأدلة، والتمييز بين النقد الجاد والتشهير المتعمد.
أما افتراض أن كل نقد حاد يصب في مصلحة خصوم الحزب، فهو منطق يؤدي عملياً إلى تعطيل المراجعة والمحاسبة.
والأخطر أن تتحول المواقف السياسية إلى اختبار للولاء، بدلاً من أن تكون موضوعاً للنقاش العقلاني.
وأخيراً، عزيزي أبا ساطع،
إنني أحترم الحزب الشيوعي العراقي وتضحيات مناضليه، لكن احترامي له لا يلزمني بالصمت عن أخطائه، ولا يمنح أحداً حق احتكار تفسير الماركسية أو توزيع شهادات الإخلاص للنضال.
ولست معصوماً من الخطأ، ولا أدعي أن كل ما أكتبه يمثل الحقيقة النهائية. وأرحب بأي تفنيد موضوعي لأفكاري، شريطة أن يقوم على الوقائع والحجج، لا على تصنيف الأشخاص والتشكيك في نياتهم.
وإذا كان الكاتب يعتقد أن الحزب يتجدد بالفعل، فليقدم لنا مؤشرات هذا التجديد في حضوره الجماهيري، وبرنامجه السياسي، وديمقراطيته الداخلية، وقدرته على تمثيل مصالح الكادحين. فهذه هي المعايير التي تستحق النقاش، لا الأوصاف التي يطلقها على منتقديه.
إن الحزب الذي قدم شهداء دفاعاً عن الحرية لا ينبغي أن يضيق بالنقد، والحزب الذي يتبنى المنهج الجدلي لا يجوز أن يتعامل مع قراراته بوصفها حقائق نهائية.
وإذا كان المؤتمر الوطني الثاني عشر يمثل فرصة حقيقية للتجديد، فإن أولى خطوات التجديد هي الانتقال من الدفاع عن الأشخاص إلى تقييم السياسات، ومن تخوين المنتقدين إلى محاورتهم، ومن الاكتفاء بتمجيد الماضي إلى مساءلة الحاضر. فليس كل من ينتقد الحزب عدواً له، وليس كل من يدافع عن قيادته مدافعاً بالضرورة عن مصالح الحزب. وقد يكون أشد المنتقدين حرصاً على مستقبل الحزب أكثر فائدة له من أكثر المصفقين إخلاصاً لقيادته.
مع خالص محبتي واحترامي لك ولجميع الرفاق الذين يؤمنون بأن النقد ضرورة للتطور، لا جريمة تستوجب الإدانة.
المراجع التنظيمية المعتمدة في الرد
• النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي – المؤتمر الوطني الحادي عشر، 2022.
• ملاحظات شيوعيي الديوانية حول مسودة النظام الداخلي – 23 أكتوبر 2026.
• ملخص الملاحظات بشأن مسودة النظام الداخلي – 23 أكتوبر 2026.



التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.