شهيد الكلمة... الدكتور فرج فودة
أبرز النقاط
- • الدعوة إلى العقلانية وتجديد الخطاب الديني ومواجهة القراءات المتشددة.
- • دفاع فرج فودة عن الدولة المدنية الديمقراطية ورفض الدولة الدينية.
- • اغتياله على يد عناصر من الجماعة الإسلامية بعد حملة تكفير وتحريض.
- • تأكيد الفصل بين قداسة الدين وبشرية التجارب السياسية المقامة باسمه.
- • نقد استغلال الدين في السياسة والاقتصاد وشركات توظيف الأموال.
- • اعتبار حرية الرأي والاعتقاد ركناً أساسياً من أركان الديمقراطية.
- • التأكيد أن قتل المفكر لا يقتل الفكرة، بل قد يخلّدها في الذاكرة الإنسانية.
عبد الجبار نوري – كاتب وباحث
توطئة
كثيراً ما كان الفلاسفة والمفكرون، عبر التاريخ، ضحايا للسلطات السياسية والدينية المتشددة، حين تحوّل الاختلاف في الرأي من مساحة للحوار إلى ذريعة للإقصاء والتكفير والقتل. فالفكرة لا تحمل سلاحاً، لكنها قد تهزّ عروشاً أقامها أصحابها على الخوف والجهل واحتكار الحقيقة.
الموضوع
في اعتقادي، تكمن العقدة الخانقة بين أنصار ثقافة العقلنة وأصحاب القراءات الغيبية المنغلقة في الفهم الخاطئ للدين، ولا سيما حين يتحول هذا الفهم إلى ادعاء بامتلاك الحقيقة المقدسة، وإلى سلطة ترفض النقد والمراجعة.
وللحقيقة المرّة، فإن هذه الأزمة ليست وليدة عصرنا، بل هي متوارثة، وما تزال حاضرة حتى في زمن العولمة الرقمية. وقد أسهم بعض رجال الدين المتشددين في تعميقها، مستثمرين الخلافات الفكرية والدينية ذريعة للوصول إلى الحكم، وفق منطق القوة، لا قوة المنطق.
وتتفاقم الأزمة حين تنحرف مؤسسات العدالة عن رسالتها، فتصبح القوانين وسيلة لحجب الحرية وإنهاء الرأي وتغييب الكلمة الحرة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ثقافة عقلانية نقية وهادفة، تسهم في بناء مجتمع سليم من التكلّس الفكري.
ويعبّر الفيلسوف إيمانويل كانط عن العلاقة بين الحس والعقل بقوله، بمعناه: «الحدوس الحسية من دون مفاهيم عمياء، والمفاهيم من دون حدوس جوفاء». وهنا يبرز السؤال: أين يمكن إدراج الإيمان والمعرفة الروحية؟
وللاقتراب من الإجابة، أستعيد بعض الأفكار الواردة في مقالتي البحثية السابقة الموسومة: «عالم ماجد الغرباوي ومشروعه التنويري»، فقد قدّم الغرباوي مشروعاً فكرياً يسعى إلى عقلنة الخطاب الديني، وتحرير الوعي من سطوة الأسطرة واللامعقول، من دون إلغاء البعد الروحي والإنساني للدين.
يُعدّ ماجد الغرباوي واحداً من أعلام الفكر العراقي المعاصر؛ فهو كاتب وباحث ومفكر عقلاني، لاقت كتاباته في الفكر الديني قبولاً واهتماماً واسعين. ويقوم مشروعه على ترسيخ العقلانية والتسامح وتجديد الخطاب الديني، وصولاً إلى فضاء إنساني يقوم على الحوار والاعتراف بالآخر.
ويتقاطع هذا المشروع مع جهود مفكرين تنويريين، من بينهم الدكتور فرج فودة، في مواجهة القراءات اللاعقلانية للدين وكشف توظيف المقدس في الصراعات السياسية والاجتماعية. وقد عبّر الغرباوي عن حاجتنا إلى وعي يمزّق جدار الصمت، ويفضح الكذب والتزوير، وينطق بالحقيقة بصوت مرتفع، ولا سيما في كتابه "مدارات عقائدية ساخنة: حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني".
فرج فودة... الكلمة في مواجهة الرصاص
وُلد الدكتور فرج فودة في مصر سنة 1945، وكان كاتباً ومفكراً وصحفياً وناشطاً في مجال حقوق الإنسان. تبنّى موقفاً فكرياً واضحاً، تمثّل في الدعوة إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على المواطنة والقانون، وترفض توظيف الدين في الصراع السياسي.
اغتيل فرج فودة في القاهرة، في الثامن من حزيران عام 1992، على يد عناصر مسلحة من «الجماعة الإسلامية». وسبق اغتياله صدور بيانات ومواقف تكفيرية بحقه من جهات وشخصيات دينية، من بينها مجموعة عُرفت باسم «جبهة علماء الأزهر». ولهذا ينبغي التمييز بين تلك الجبهة وبين مؤسسة الأزهر بمجموع علمائها واتجاهاتها، وعدم إطلاق الأحكام العامة.
وقد كشفت وقائع المحاكمة أن منفذ الاغتيال لم يقرأ كتب فرج فودة، وإنما أقدم على جريمته متأثراً بفتاوى التكفير والتحريض. وهنا تتجلى المفارقة المأساوية: إنسان يقتل مفكراً بسبب أفكار لم يقرأها، وكتاب لم يفتحه، وحجة لم يناقشها!
وتُنسب إلى فرج فودة، وهو يحتضر، عبارة مؤثرة قال فيها: «يعلم الله أنني ما فعلت شيئاً إلا من أجل وطني». وسواء ثبتت العبارة حرفياً أم نُقلت بالمعنى، فإنها تعبّر عن جوهر مشروعه الفكري، وعن إيمانه بأن الدفاع عن الدولة المدنية لم يكن عداءً للدين، بل دفاعاً عن الوطن والدين معاً من الاستغلال السياسي.
أبرز مؤلفاته
كتاب "الحقيقة الغائبة"
يُعدّ كتاب «الحقيقة الغائبة» من أبرز مؤلفات فرج فودة وأكثرها إثارة للجدل. وهو رؤية فكرية وسياسية اعتمد فيها المؤلف على قراءة التاريخ وتحليل التجربة السياسية الإسلامية، بعيداً عن الصورة المثالية التي تحجب الأخطاء والصراعات البشرية.
وقد واجه فودة، بالوثيقة والحجة والتحليل، الذين يوظفون الإسلام لتحقيق أهداف سياسية. وأكد أن الإسلام يحفز على التقدم، في حين يدعو المتشددون إلى الانغلاق؛ وأن الإسلام دين سماحة، بينما يروّج هؤلاء للتعصب؛ وأن الإسلام يؤكد الشورى والحوار، في حين يسعى المتطرفون إلى فرض آرائهم بالإكراه والعنف.
وكان فودة يميّز بوضوح بين الدين بوصفه منظومة إيمانية وأخلاقية، وبين التجارب السياسية التي أقامها البشر باسمه. فالدين، في نظره، لا يتحمل أخطاء الحكام أو الأحزاب أو الجماعات التي تزعم تمثيله.
كتاب "قبل السقوط"
تناول فرج فودة في كتاب «قبل السقوط» أوجه القصور في مشروع الإسلام السياسي، وانتقد اعتماده على ضعف الوعي بالتاريخ، وعلى تصوير الماضي بوصفه زمناً مثالياً خالياً من الصراعات والأخطاء.
وبيّن أن السياسة نشاط بشري يقوم على الاجتهاد والمصلحة وإدارة الخلاف، وليست تفويضاً مقدساً يحتكره فرد أو حزب أو جماعة. كما عرض آثار الحكم الثيوقراطي في المجتمع، وما يخلّفه من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية تتحمل الطبقات الفقيرة والمتوسطة العبء الأكبر منها.
وأوضح فودة أن الإسلام نزل لهداية البشر، وأن التجربة السياسية التي تُقام باسمه تظل تجربة بشرية، يصيب أصحابها ويخطئون. ولذلك توجد فروق جوهرية بين إسلام الدين وإسلام الدولة، ولا يُعدّ نقد التجربة السياسية أو ممارسات الحاكم خروجاً على الدين أو كفراً به.
كتاب "الملعوب"
كشف فرج فودة في كتاب «الملعوب» ممارسات شركات توظيف الأموال التي احتمت بشعار «الاقتصاد الإسلامي»، واستثمرت مشاعر الناس الدينية وثقتهم بالمؤسسات التي ترفع الشعارات الإسلامية.
وقد تناول الكتاب عمليات استنزاف مدخرات المواطنين، وتهريب الأموال إلى الخارج، واستغلال الدين في تحقيق أرباح غير مشروعة. ولم يكن اعتراض فودة موجهاً إلى الدين أو إلى المبادئ الأخلاقية للاقتصاد، بل إلى الذين اتخذوا من الدين غطاءً للاحتيال والفساد.
وكأن لسان حال تلك المؤسسات يقول: سنسرقك باسم الله، ونسطو على أموالك ومدخراتك باسم الدين، ونمارس غسل الأموال والكسب غير المشروع تحت لافتة المصارف والشركات الإسلامية.
وقد رأى فودة أن هذه الممارسات تسهم في تعميق الثالوث المؤلم والمزمن في المجتمعات العربية والإسلامية: الجهل والمرض والبطالة.
حين تصبح الكلمة جريمة
ثمة أفكار قتلت أصحابها على مقصلة الفكر الحر، وثمة مفكرون دفعوا حياتهم ثمناً لمحاولتهم تحرير الإنسان من الخوف والخرافة والاستبداد.
فأصحاب الفكر المتشدد يسعون إلى السيطرة على الجمهور، وأسر كيانه وروحه وعواطفه، وتعطيل قدرته على التفكير والنقد. وحين يفتقدون النص والحجة، يلجؤون إلى فتاوى التكفير والتضليل، محاولين تحويل الاختلاف الفكري إلى جريمة تستوجب النفي أو السجن أو القتل.
وفي مواجهة ذلك، ينهض المفكرون العقلانيون ومثقفو الواقعية الملتزمة، لكنهم كثيراً ما يواجهون الاضطهاد والتغييب والمنافي ومقاصل الفكر الحر. وقد تُسحق أجسادهم بوصفها مادة فانية، غير أن أفكارهم النبيلة تبقى عصية على الفناء.
إن قتل المفكر لا يقتل الفكرة، بل قد يمنحها حياة أوسع. والرصاصة تستطيع إسكات صوت واحد، لكنها لا تستطيع إخماد الأسئلة التي أطلقها ذلك الصوت في ضمير المجتمع.
أليس من الغباء أن تظن قوى الظلام أن قتل صاحب الفكرة يعني نهاية الفكرة؟ إن هذا الظن لا يقود إلا إلى الخيبة والخواء الفكري والروحي. وليعلم الطغاة أنهم يشبهون الأرقام القياسية: لا بد أن يأتي يوم تتحطم فيه سطوتهم، وتسقط فيه أصنامهم.
وقد شهدت منطقتا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فضلاً عن مناطق أخرى من العالم، أنظمة سياسية استخدمت القوانين والمحاكم لحجب الحرية وإنهاء الرأي الآخر. ولم يكن العراق استثناءً من ذلك؛ فمنذ تأسيس دولته الحديثة، مرّ بمحطات قاسية استُخدمت فيها السلطة لإنهاء الكلمة الحرة، ونحر التعددية، وملاحقة أصحاب الرأي.
لكن تلك السلطات تناست أن الأفكار الحرة تبقى مضيئة في فضاءات الإنسانية وصفحات التاريخ، بينما يتحول الفكر الظلامي، مهما طال بقاؤه، إلى وصفة لانتحار الأمة.
إن أعداء حرية الرأي يوقّعون، بتحريضهم وخطاباتهم، تصاريح غير مباشرة للقتل. وتستحضر الذاكرة الإنسانية أسماء شخصيات وتجارب مختلفة، مثل سقراط، ويسوع، والإمام الحسين بن علي، والحلاج، وفيدريكو غارثيا لوركا، ومحمود محمد طه، وعلي شريعتي، والمناضل اليساري العراقي كامل شياع.
ولكل واحد من هؤلاء سياقه التاريخي والفكري والعقدي المختلف، لكنهم يشتركون في أنهم واجهوا سلطة أو بيئة لم تحتمل أفكارهم ومواقفهم، فدفع بعضهم حياته ثمناً، وعانى آخرون السجن أو النفي أو الاضطهاد. وبقيت أفكارهم حاضرة في الذاكرة الإنسانية، بينما تلاشى كثير ممن حاربوهم.
الخاتمة
لتعلم مقاصل الكلمة الحرة أن التعبير عن الرأي حق مشروع ومكفول، وليس امتيازاً تمنحه الدولة لمواطنيها متى شاءت وتسلبه منهم متى أرادت.
إن حريتي التعبير والاعتقاد تمثلان رافعة أساسية للديمقراطية، وهما من الحقوق التي كفلتها المواثيق والوثائق الدولية. ولا يمكن بناء دولة مدنية أو مجتمع سليم من دون حماية الإنسان في حقه بالتفكير والاختلاف والنقد.
لا للفكر الظلامي؛ لأنه وصفة لانتحار الأمة.
لا لأعداء حرية الرأي؛ لأنهم يهيئون بخطابهم أرضية القتل والإقصاء.
نعم لحرية الفكر والكلمة، مهما تعددت المقاصل واختلفت أشكالها.
الآثار السلبية والتدميرية لتقييد حرية الرأي
• انتهاك صريح لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
• إفراغ مبدأ حرية التعبير من محتواه الإنساني والقانوني.
• تعزيز سلطة الحكومات الاستبدادية والتيارات المتطرفة.
• نشر الخوف والرقابة الذاتية بين المثقفين والصحفيين والباحثين.
• تحويل الاختلاف الفكري والسياسي إلى صراع يقوم على الإقصاء والتكفير.
• إضعاف قدرة المجتمع على النقد والإصلاح ومراجعة الأخطاء.
• تهيئة البيئة الملائمة للعنف والتحريض والقتل السياسي.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.