قراءة في كتاب
(أوراق سَمنان المهملة)
بقلم: فرات المحسن
صدر عن دار (الرواد المزدهرة) في بغداد كتاب للدكتور محمد كحط عبيد بعنوان (أوراق سَمنان المهملة)، وهو وثيقةٌ تدين الحرب ومشعليها، يروي فيها الكاتب ـ زمن الوجع ـ الذي عاشه ورفاقه خلال فترة اعتقالهم في قلعة (سمنان) التاريخية شمالي إيران.
لا أدري لِمَ سمّاها (أوراقاً مهملة)، وهي في حقيقتها إحياء لذكرياتٍ لم يطوها الزمن، ولم تغادر ذاكرته، بل ما زال يسير وسط آلامها التي سكنت روحه. ربما أراد وضعها في خانة (مهملات الذاكرة) بعد أن احتفظ بها أكثر من ستة وثلاثين عاماً، متردداً في كشفها لثقل ما تضمنته من أحداث لا تزال راكدةً في دواخله. لكن كونه ابناً للعراق وللشرق، هذا العالم الضاج بالحروب الذي لا يترك لشعوبه مفراً من طاحونتها المفجعة، حيث تتردد على مسامعه وبصره يومياً أصوات الرصاص ودوي المدافع وبكاء الثكالى وأنين الجرحى، وتمتلىء جدران الشوارع بقطع القماش الأسود التي تتجدد كلما اشتهى أحدهم أن يكون بطلاً فيجعل من شعبه ضحايا، دون أن ينصت لصرخات الفجيعة، أو يرى الأجساد الممزقة وأعداد المشردين الهاربين من طغيانه، دفع ذلك كله الدكتور محمد كحط إلى إخراج هذه الأوجاع من جعبته، ليقدمها لنا سرداً موجعاً مليئاً بالعذابات والخيبات.
يبدأ سباق الألم والهوان منذ لحظة الخسارة المفجعة، حين قرر محمد ورفاقه التخلي عن سلاح الأنصار والخروج من كردستان العراق، ليجد نفسه ضيفاً مُهشماً في قفص الأسر، (سمنان) ذلك المنفى المنسي، المعزول عن العالم بجدرانه العالية، وهوائه الثقيل، وصراعات نزلائه وأوجاعهم.
يستحضر الكحط ذكريات آلامه ورفاقه في الحزب، بدءاً من أواخر الحرب العراقية الإيرانية حين أصيب بالسلاح الكيميائي الذي ألحق الضرر بعينيه. ثم يروي ما تلا ذلك من تفرغ نظام صدام ومرتزقته للحرب الداخلية، وشنّهم هجوماً شرساً على مناطق كردستان لتصفية معارضي "البيشمركة" من مختلف الأحزاب، بما فيها الحزب الشيوعي. ولأن الانسحاب من كردستان لم يكن مُعداً له مسبقاً، بل جاء على غفلة وخارج إرادة الحزب، فقد اتسم بالارتباك والعشوائية، مما جعل محمد يترك للقارئ مهمة توصيف الحدث، سواء كان هروباً أم هزيمة أم انسحاباً، وذلك بناءً على الوقائع التي يسردها في متن الكتاب.
من هنا تبدأ حكاية "أوراق سمنان"، حيث تتوالى المصائب وتتخللها ذكريات الصحبة ورحلة العبور من كردستان العراق نحو إيران. وللمرة الأولى، بعد اعتياده العيش في الجبال، يتعرف محمد على طهران الصاخبة، ثم ينتقل إلى مشهد، حيث وجد في كلتيهما عوائل قدمت لهم العون والدفء. كانت تلك التنقلات تهدف إلى بلوغ أفغانستان، ومنها إلى "الحرية الموعودة" في الاتحاد السوفيتي، غير أنه ورفاقه وقعوا في فخ نصبته شبكات تهريب المخدرات والسلاح على الحدود الإيرانية الأفغانية، فاعتُقلوا في ظروف بالغة السوء. سُلموا بعدها إلى رجال قلب الدين حكمتيار، أحد قادة الفصائل الأفغانية، الذي أعادهم إلى إيران لتستلمهم قوة الدرك الإيراني، وتنقلهم إلى مشهد حيث خضعوا لتحقيق قاسٍ، ثم أُحيلوا إلى المحكمة الكبرى في سجن "أيفين" الرهيب قرب طهران. هناك أصدر القاضي حكماً بإبعادهم إلى العراق، وتحديداً إلى الحدود الغربية في مدينة كرمنشاه، لكن لائحة تظلم قدموها إلى محافظ المدينة تعاطف معها وساعدهم في تغيير مسار الحكم، ليصدر قرار من طهران بنقلهم إلى "قلعة العذاب" في سمنان.
من هناك تبدأ رحلة الصبر والوجع حين دخلوا عبر باب قلعة سمنان الحديدي ليغلق وراءهم، لتبتدئ عند تلك اللحظة رحلة العذاب والصبر والفجيعة وتستمر لمدة سنتين عجاف. سنتان من العذاب والحزن توقف فيها الزمن وقيدت الحياة مع المجهول الذي لن يأتي منه غير حلم غائم دون تاريخ لقدومه، وأقفلت الحياة على قفر أرض يباب لا فرح يطالها ولا بهجة تمر بسمائها.
المسؤولون عن القلعة يشبهون نزلائها، شخصياتهم متناقضة، متوترة، كارهة لوضعها، والسجناء لا خصوصية تجمعهم غير العذاب والأوجاع النفسية والانتظار.الجميع يحمل كدس عذابه وألمه وأمنياته "إن صحت هناك أمنيات تخطر على البال" فوق هامة متعبة لا تجد من يواسيها، فتلجأ للصراع مع الذات ومع الغير أو اختلاق المشاكل دون مبرر.شخصيات بوجوه وطباع مختلفة متناقضة، بعضهم مجانين، وبعض يفتعل الجنون، مدمنو مخدرات، مرتزقة أحزاب وحكومات، مهربون، جواسيس، متدينون من شتى الملل والطوائف، موالون للبعث، أسر منكوبة، فنانون، طلاب، جنود هاربون، وصنوف أخرى. هكذا جمعت عيناتهم العشوائية السلطة الإيرانية لتحشرهم في هذا الخانق الموحش المسمى سمنان.
لم يترك محمد الوقت يمر دون أن يجد ما يخرق تلك الرتابة والعتمة التي تلف الزمن وتعطيه مشهده الموحش، لذا أخذ يكتب ملاحظاته عن شخصيات السجن التي كان يخالطها كل يوم قسراً أم رغبة. يدون صراعاتها، عذاباتها، جنونها، تمنياتها، آمالها، رغباتها، أوجاعها، خباثاتها، وكذلك وضاعاتها. يسجل ويدون لينقل لنا قسوة تلك الأيام ورهبتها التي ابتلعت واجتزأت من عمره بخبث ورعونة مفرطة عامين كاملين. وبعد كل تلك الآلام جاء الفرج ليخبرهم المحقق بقرار الإفراج وإبعادهم عن إيران، وعليهم الاختيار بين التوجه صوب العراق أو الحدود الباكستانية، أم البقاء في ظلمة هذا القبو البشع المسمى سمنان. عندها ودون تردد اختاروا باكستان لتبدأ رواية أخرى لا تخلو من الأوجاع والمتاهات وصولاً إلى دمشق.
عندي ملاحظة أرجو من العزيز محمد أن يدقق بها، لعله يرغب مستقبلاً في طرح كتاب ضمن ذات التوجه، فليته يتوسع في السرد الخاص بذكريات مرحلة الخروج من العراق، ومن ثم في إيران، وبعدها الرحلة وأحداث باكستان، فأعتقد أن إشباعها بسرد تفصيلي يجعلها أكثر تشويقاً.



التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.