"مردوك الشامي: شاعرٌ كتبته بيروت ثم كاد أن يمزقه ضجيجها"
أبرز النقاط
- • وُلد مردوك الشامي في القامشلي شمال سورية، وحصل على إجازة في الأدب العربي من جامعة حلب عام 1985.
- • تمتد تجربته في الصحافة والإعلام لأكثر من أربعين عاماً، عمل خلالها في صحف ومجلات لبنانية عديدة، وتولى رئاسة أقسام ثقافية.
- • تمثل بيروت في تجربته ثنائية الإبداع والانكسار؛ فقد صنعت اسمه شاعراً وصحفياً، لكنها أصابته بالخيبة بسبب ما يراه من زيف ثقافي وتراجع مهني.
- • يرى أن القصيدة كائن حيّ، وأن الشعر صوت فردي قد يتحول، في لحظات استثنائية، إلى صوت جماعي.
- • أصدر تسع مجموعات شعرية، من بينها: «نون القسوة»، و«الشاهد الأعمى»، و«كرسي اعترافي.
- • أصدر كتاباً نقدياً بعنوان «حبر أبيض»، ويعمل على رواية «القامشلي – سيرة النهر».
- • قدّم أعمالاً في المسرح الشعري والغنائي، منها: «أورنينا»، و«إيزيس»، و«أدون»، و«صيدون الملك.
- • غنّى من كلماته عدد من الفنانين، بينهم عاصي الحلاني، ومشلين خليفة، وسمية بعلبكي، وعبود فؤاد.
يقول: بيروت صنعتني شاعرا وصحفيا وبيروت كادت أن تقتل في داخلي الشعر والحبر واليقين !
ومع ذلك أحبها مع انها تقتلني في اليوم الواحد الالف المرات...
القاهرة- مدار الناس- خاص
الإعلامية- هيام عبيد
في حوار صريح وواسع مع الإعلامية هيام عبيد، كشف الشاعر والإعلامي مردوك الشامي عن محطات حياته التي تأرجحت بين الشعر، الصحافة، النقد، والمسرح، وعن بيروت التي أحبها رغم خيباتها، وعن وطنٍ لم يعد يراه سوى في الحنين.
من القامشلي إلى بيروت.. ومن الحلم إلى الجرح
ولد مردوك الشامي في القامشلي شمال سورية، ومنها انطلقت رحلته نحو الأدب والإعلام. حاز إجازة في الأدب العربي من جامعة حلب عام 1985، ثم حصل لاحقًا على دكتوراه فخرية في التنمية الإعلامية عام 2015.
يصف بيروت بأنها المدينة التي منحته أجنحة الشعر والحبر، لكنها في المقابل كادت أن تطفئ يقينه بالحياة. يقول: "بيروت صنعتني شاعراً وصحفياً، وكادت أن تقتل في داخلي الشعر والحبر واليقين".
شاعر مطبوع ومصنوع
يرفض الشامي التنظير حول الشعر، ويرى نفسه ابن القرن العشرين بكل تناقضاته. يعتبر القصيدة كائناً حيّاً، يرافقه حتى يصبح ملكاً للقارئ. يقول: "كانت القصيدة تكتبني، ثم صرت أكتبها. الشعر صوت فردي بامتياز، لكنه في حالات نادرة يتحول لصوت جمعي".
أصدر تسع مجموعات شعرية، منها: "نون القسوة"، "الشاهد الأعمى"، و"كرسي اعترافي". كما أصدر كتاباً نقدياً بعنوان "حبر أبيض"، ويعد حالياً لرواية بعنوان "القامشلي – سيرة النهر".
الصحافة.. المهنة النبيلة التي كسرها الابتذال
يختزن الشامي تجربة صحفية تمتد لأكثر من أربعة عقود، ترأس خلالها تحرير أقسام ثقافية في صحف لبنانية عدة منها "البناء" و"الديار"، وأسهم في تحرير وإطلاق مجلات عديدة.
يقول بأسى: "الصحافة اليوم تُختزل في الابتذال، لا في البحث عن الحقيقة. الإعلاميات في غالبية الفضائيات لسن إعلاميات، بل عارضات أزياء تزيّن الشاشة، وتُقدّم للمشاهدين على أنهن صوت الأمة".
ورغم ذلك، لا يفقد الشامي الأمل، ويحثّ الشباب على التخصص والدراسة، لعلّ المستقبل يعيد الاعتبار للصحافة كسلطة رابعة.
مسرح شعري بحكايات خالدة
في المسرح الشعري، قدم مردوك أعمالاً استلهم فيها الأسطورة والتاريخ ليُسقطها على الواقع. كتب "أورنينا"، و"إيزيس"، و"أدون"، و"صيدون الملك" التي كان من المقرر أن يؤدي بطولتها وديع الصافي قبل أن تؤجلها حرب تموز.
يقول عن المسرح الغنائي: "هو فن شامل، يجمع الأغنية والمشهدية والفكرة، ويشبع الذائقة العربية التي تشتاق لهذا النوع من الإبداع".
الكلمة المغنّاة.. بين القصيدة والأغنية
غنى من كلماته فنانون مثل عاصي الحلاني، مشلين خليفة، سمية بعلبكي، وعبود فؤاد. يوضح أنه لم يكتب خصيصاً للغناء في البداية، بل اختار الفنانون قصائده، ثم كتب لاحقاً لبعضهم، رافضاً تقديم نصوص سطحية.
بين النقد والخذلان
في النقد الأدبي والتشكيلي، يملك الشامي رؤية جريئة. يرى أن الساحة الأدبية اليوم مفتوحة أمام كل من "يركب الموجة". ومع ذلك، يؤمن بوجود شعراء حقيقيين ستحملهم الأزمات خارج لعبة الفقاعات. يعتبر الشعر رسالة يجب أن تُحرق لتضيء.
بيروت.. المدينة المتناقضة
يتحدث عن بيروت بحنين ومرارة. كانت بالنسبة له الحرية والانفتاح، لكنها اليوم تنهار أمام زحف الابتذال التجاري والإعلامي. يقول: "بيروت لا تزال قادرة على الكتابة والقراءة، وستكسر أقفاصها يومًا ما".
المنفى الداخلي والخارجي
لم ير وطنه سورية منذ أكثر من عشرين عاماً. يؤكد أن الغربة ليست فقط مكاناً بل شعوراً. لبنان منحه الانتشار والشهرة، لكنه في المقابل سلبه براءة القروي البسيط، وأدخله إلى دهاليز التملق والازدواجية.
أما عن السعودية، فيقول إنها كانت محطة عابرة. أما القامشلي، فتبقى مسقط القصيدة الأولى، ومكمن الطفولة، وتربة الحنين.
بين خيبات الحياة ومقاومة الانكسار
يصف نفسه بشاعر هزمه الواقع، لكنه لم ينكسر. عاش الخيبات، لكنه لم يساوم. يقول: "عشت الحضيض في رزقي ولقمتي وحريتي، لكن رأسي ظل مرفوعاً، وقصيدتي لم تنحنِ".
الحبر الذي لا يُمحى
عبارة ختم بها الشامي حواره: "أعطيت أقلامي حياتي، يا ليتني أعطيتها ممحاتي". ورغم ما مرّ به، يبقى وفياً للشعر، مسكوناً بالحبر، مصالَحاً مع عزلته، يكتب ويقرأ، ثم يرمي نصه للعالم، ليحيا من جديد كل مرة بلغة مختلفة، وصوت آخر.
هكذا يصف نفسه في النهاية: شاعرٌ بسيط، بلا وطن ولا بيت، قرر أن يقيم في محبرة ويمشي عمره على الورق.
يقول الشامي: تتجاوز تجربتي الصحفية الأربعين عامًا، حملت في طياتها الكثير من الإشراقات والمواقف، كما حملت العديد من الانكسارات أيضًا.
في بداياتي، كنت أنتهج الجرأة؛ شديدًا في نقدي وقراءتي للآخرين، أكثر وقوفًا إلى جانب الضوء، والحقيقة، والصواب. لكن بيروت كسرتني. كسرني وسطها الثقافي المليء بالزيف. انحسار المصداقية في كثير من الوجوه أصابني بالخيبة، ورؤية قاماتٍ كبيرة في نصوصها، قزمةً في واقعها، جعلتني أبتعد... وأصمت كثيرًا.
انطفأت بيروت الثقافة، مقابل اشتعال بيروت علب الليل. تلاشت بيروت السياب، والماغوط، وسعيد عقل، وفيروز، مقابل سطوع بيروت هيفاء وهبي ونانسي عجرم. انتصرت الفقاعة على اللؤلؤة، والعاهرة على الشاعرة. اغتيلت المجلات الثقافية، لتتربع على عرش الصحافة صحافة الابتذال، والفضائح، والشيف رمزي، ومريم نور.
تراجعت بيروت، وتراجع معها الألق، والعطر، والكتاب، والكاتب. وجدت نفسي، من أجل إطعام عائلتي، أعمل في صحافة الفن والنساء وسيدات المجتمع المخملي.
بيروت صنعتني شاعرًا وصحفيًا، لكنها كادت أن تقتل في داخلي الشعر، والحبر، واليقين.
سؤالنا للشاعر والإعلامي مردوك الشامي: كيف يصف نفسه اليوم؟
"آه، ما أصعب هذا السؤال، خاصة حين يُطلب مني أن أعرّف بنفسي. أقولها بكل صدق: لا أعرفني حقاً. كل ما أسعى إليه، منذ البدايات وحتى نهاية العمر، أن أكون الثابت في زمن التحولات، وأن لا أنكسر أمام الطوفان. أن أبقى أنا، بلا أنانيات، بلا تلوّن، أن أكون الجميع دون أن أستند إلى الشخصنة.
أنا، مجرد شاعر… أو ربما رجل أكثر من عادي، انهزم كثيراً أمام الحياة وتقلباتها. رجل بلا وطن، بلا بيت، بلا عائلة دافئة. قرّر أن يقيم في محبرة، وأن يمشي طوال عمره على الورق.
صرت أكثر تصالحاً مع الخيبات، وأكثر تسامحاً مع من يخطئون، وأكثر جرأة على قول الحق في زمن البهتان العام.
تطورت لغتي أكثر، وأصبحت أتعامل بمرونة مطلقة مع الحروف، وأُتقن تشكيلها كما أشاء. فاللغة هي طحين هذا الكون، فلماذا لا نجعل منها أرغفةً لكل الجائعين إلى الجمال والمعرفة؟"
في الختام اشكر الأصدقاء في جريدة مدار الناس، والشكر موصول لكِ على هذا الحوار الممتع.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.