مسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي... خطوة إلى الأمام أم تراجع في تداول القيادة؟
أبرز النقاط
- تداول القيادة: غياب قاعدة الدورتين المتتاليتين لسكرتير اللجنة المركزية، الموجودة في نظامي المؤتمرين العاشر والحادي عشر، ما يستدعي تفسيراً واضحاً لمبررات حذفها.
- توزيع السلطة: تحتفظ اللجنة المركزية بصلاحيات واسعة، وتمارس دوراً في تحديد قواعد انتخاب المؤتمر ونسب تمثيله، مع إمكان تسمية شخصيات حزبية تصل نسبتها إلى 10% من المندوبين المنتخبين، الأمر الذي يفتح نقاشاً حول استقلال المؤتمر الذي يفترض أن يحاسب القيادة وينتخبها.
- الرقابة وحقوق المختلف: وجود لجنة الرقابة وحق الأقلية في الاعتراض نقطتا قوة، لكن استقلال الرقابة يحتاج إلى تعزيز، كما تحتاج إجراءات المساءلة والعقوبات إلى ضمانات أوضح لحق الدفاع والطعن وحماية الرأي المخالف.
- التجديد الحقيقي: التحدي لم يعد في كتابة المزيد عن الديمقراطية، بل في تجسيدها مؤسسياً، تحديد مدد المسؤوليات العليا، واستقلال الرقابة، وتعزيز شفافية المال، وتقليص تضارب المصالح، وضمان أن تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص.
قراءة نقدية في ضوء الأنظمة السابقة
د. سلام قاسم
لا تقاس ديمقراطية الأحزاب بما تكتبه في برامجها السياسية فحسب، بل بما تضعه من قيود على سلطتها داخل تنظيمها أيضاً. فالنظام الداخلي ليس مجموعة مواد إدارية لتنظيم الاجتماعات والعضوية والانتخابات، وإنما هو، في جوهره، دستور الحزب، يحدد من يملك القرار، ومن يراقبه، وكيف تنتخب القيادة، ومتى تغادر مواقعها، وما مقدار المساحة المتاحة للرأي المختلف.
ومن هذه الزاوية تستحق مسودة النظام الداخلي الجديدة للحزب الشيوعي العراقي قراءة هادئة ونقدية، ولا سيما عند مقارنتها بالأنظمة التي أقرها الحزب في مؤتمراته السابقة.
فالانطباع الأول الذي تتركه المسودة إيجابي في جوانب عديدة. إنها تؤكد الديمقراطية الداخلية، وحرية المناقشة، وحق الأقلية في الاعتراض، والاقتراع السري، ومسؤولية الهيئات المنتخبة أمام من انتخبها، واستقلالية المنظمات ضمن السياسة العامة للحزب، فضلاً عن الرقابة والشفافية وتمثيل النساء والشباب.
لكن التدقيق يكشف أن كثيراً من هذه المبادئ ليس جديداً، فقد وردت، بصيغ متفاوتة، في الأنظمة السابقة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس، كم مرة وردت كلمة الديمقراطية في المسودة؟ بل، ما الضمانات الجديدة التي تجعل ممارسة الديمقراطية داخل الحزب أكثر قوة من السابق؟
وهنا تظهر مفارقة تستحق الوقوف عندها طويلاً.
الدورتان اختفتا... لماذا؟
لعل أهم ملاحظة في المسودة الحالية ليست مادة أضيفت إليها، بل قيداً كان موجوداً واختفى منها.
فالنظام الداخلي المنشور بعد المؤتمر الوطني الحادي عشر نص صراحة على أن سكرتير اللجنة المركزية ينتخب لدورتين متتاليتين فقط . أما المسودة الجديدة المعروضة، فلا يظهر فيها هذا القيد.
وهذه ليست مسألة تحريرية، ولا تفصيلاً تنظيمياً ثانوياً يمكن المرور عليه سريعاً، لأنها تمس واحداً من أهم مبادئ الديمقراطية الداخلية، تداول المسؤولية القيادية.
فلماذا أُلغي تحديد ولاية سكرتير اللجنة المركزية بدورتين؟
إذا كان الحزب قد تبنى هذا المبدأ سابقاً، فما الأسباب التنظيمية أو السياسية التي تستدعي التراجع عنه الآن؟
وإذا كانت المسودة تتحدث عن التجديد، وتوسيع مشاركة الشباب والنساء، وإطلاق طاقات المنظمات، فكيف يتحقق التجديد من دون سقف زمني واضح لأعلى موقع تنفيذي في الحزب؟
هذه الأسئلة لا تستهدف شخصاً بعينه، ولا تتعلق بمن يشغل موقع السكرتير اليوم أو غداً. القضية أعمق من الأشخاص، إنها تتعلق ببناء مؤسسة تضع القاعدة قبل معرفة من سيستفيد منها.
فالديمقراطية المؤسسية لا تقوم على السؤال، هل القيادة الحالية جديرة بالاستمرار؟ وإنما على سؤال مختلف، هل ينبغي أن يكون الموقع القيادي مفتوحاً زمنياً لأي شخص، مهما كان ت كفاءته وتاريخه؟
إن تحديد الولايات لا ينتقص من خبرة القيادات، بل يحمي المؤسسة من تحول الخبرة إلى ضرورة دائمة، والمسؤولية إلى موقع يرتبط بشخص أكثر مما يرتبط بقاعدة التداول.
ولهذا فإن حذف قيد الدورتين، إذا أُقر بهذه الصيغة، يحتاج إلى تفسير واضح أمام أعضاء الحزب. واجابة واضحة لهذا السؤال:
لماذا حُذفت منها القاعدة التي أقرها المؤتمر العاشر وأبقاها المؤتمر الحادي عشر، والتي تنص صراحة على أن سكرتير اللجنة المركزية يُنتخب لدورتين متتاليتين فقط؟ وإذا كان تحديد الولاية قد عُدّ سابقاً إحدى آليات التجديد الديمقراطي، فما المبرر التنظيمي للعودة إلى ولاية غير محددة بعدد الدورات؟
حرية الاختلاف... ولكن إلى أين؟
تحسب للمسودة محافظتها على حق الأقلية في الاعتراض ومناقشة سياسة الحزب والتعبير عن الرأي المخالف في المنابر الحزبية.
لكن هذا الحق ليس مستحدثاً بالكامل، فقد تضمنته الأنظمة السابقة أيضاً.
وتبقى هنا مفارقة تحتاج إلى معالجة، يحق للعضو الاعتراض على القرار والمطالبة بإعادة النظر فيه، لكنه يبقى ملزماً بتنفيذه حتى البت في اعتراضه.
هذا المبدأ مفهوم في القرارات التنظيمية والإدارية اليومية، لأن أي مؤسسة تحتاج إلى الانضباط كي تعمل. لكنه يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بموقف سياسي أو فكري جوهري.
ولذلك تحتاج المسودة إلى رسم حدود أوضح بين الانضباط التنظيمي وحرية الضمير والرأي السياسي والفكري، حتى لا تتحول "وحدة الإرادة والعمل" عملياً إلى قيد على التعدد الذي يعترف به النظام نفسه.
اللجنة المركزية... صلاحيات واسعة
تمنح المسودة اللجنة المركزية صلاحيات كبيرة. تحديد السياسة التنظيمية، والإعلامية، والمالية، وتشكيل لجان الاختصاص، والإشراف على التنظيمات، وتوجيه ممثلي الحزب، وإدارة جانب واسع من الحياة التنظيمية بين مؤتمرين.
جزء كبير من هذه الصلاحيات موجود في الأنظمة السابقة، وبالتالي فالمشكلة ليست جديدة.
لكن السؤال المؤسسي يظهر بقوة عندما نصل إلى المؤتمر الوطني.
فالمؤتمر هو أعلى سلطة في الحزب، وهو الذي يحاسب اللجنة المركزية وينتخب القيادة الجديدة، بينما تظل اللجنة المركزية صاحبة دور أساسي في تحديد قواعد الانتخاب ونسب التمثيل للمؤتمر.
وهنا ينبغي طرح سؤال بعيد عن الأشخاص:
هل من الأفضل أن تشارك الهيئة التي سيحاسبها المؤتمر في تحديد قواعد تشكيل المؤتمر نفسه؟
في المؤسسات الديمقراطية، لا يكفي نزاهة الأشخاص، بل ينبغي بناء قواعد تقلل تضارب المصالح حتى مع افتراض نزاهة الجميع.
نسبة العشرة في المائة... لماذا لا يكون المؤتمر منتخباً بالكامل؟
تسمح المسودة للجنة المركزية بتسمية مختصين وشخصيات حزبية أعضاءً في المؤتمر بنسبة تصل إلى 10 في المائة من المندوبين المنتخبين، شريطة مصادقة المؤتمر عليهم.
وهذه الآلية موجودة أيضاً في أنظمة سابقة. لكن استمرارها لا يعفيها من المراجعة.
فإذا كان المؤتمر أعلى سلطة حزبية، والأداة التي تحاسب القيادة وتنتخب القيادة التالية، فإن القاعدة الأكثر وضوحاً هي أن يكون أصحاب حق التصويت فيه منتخبين من قواعد الحزب ومنظماته.
ويمكن بالتأكيد دعوة الخبراء والشخصيات التاريخية والكفاءات للاستفادة من خبراتهم، ولكن بصفة مراقبين أو مستشارين، من دون أن تكون للقيادة القائمة مساهمة في تشكيل جزء من الجسم الذي سيحاسبها.
إنها قاعدة بسيطة، من ينتخب القيادة ينبغي، قدر الإمكان، أن يكون منتخباً، لا مختاراً من القيادة التي سيعيد انتخابها أو يستبدلها.
لجنة الرقابة... من يحدد صلاحيات الرقيب؟
تعد لجنة الرقابة المركزية واحدة من أهم نقاط القوة في البناء التنظيمي، فهي تراقب الالتزام بالنظام الداخلي والنشاط المالي والإداري، وتنظر في الشكاوى والاعتراضات والخلافات.
لكن المسودة تنص أيضاً على أن لجنة الرقابة تضع، بالشراكة مع اللجنة المركزية، لائحة تحدد طرق وآليات وأساليب عمل الرقابة.
وهنا تنشأ مفارقة مؤسسية:
كيف تشارك الجهة الخاضعة للرقابة في تحديد آليات عمل الجهة التي تراقبها؟
الأكثر اتساقاً مع استقلال الرقابة أن تضع لجنة الرقابة لائحتها وفق النظام الداخلي، وأن يصادق عليها المؤتمر الوطني أو المجلس الحزبي العام، بحيث تكون علاقتها باللجنة المركزية علاقة رقابة وتعاون، لا علاقة تبعية أو مشاركة في تحديد حدود الرقابة.
استقلال لجنة الرقابة ليس إضعافاً للجنة المركزية، بل حماية لها وللحزب من تراكم الأخطاء وتحول الخلافات التنظيمية إلى أزمات سياسية.
العقوبة واضحة... لكن ضمانات الدفاع تحتاج إلى تعزيز
تحدد المسودة العقوبات الحزبية بدءاً من التنبيه والإنذار، وصولاً إلى التنحية والفصل، وتشترط أغلبية الثلثين لفصل العضو ومصادقة الهيئة الأعلى.
وهذه ضمانة مهمة.
لكن العدالة التنظيمية لا تقاس بنسبة الأصوات اللازمة للعقوبة وحدها، وإنما بالإجراءات التي تسبقها.
ينبغي أن يكون للعضو حق واضح في معرفة المخالفة المنسوبة إليه كتابة، والاطلاع على الأدلة، والحصول على وقت كافٍ للرد، والدفاع عن نفسه، وتسلم قرار معلل، والطعن فيه أمام جهة مستقلة نسبياً عن الهيئة التي أصدرت العقوبة.
فالاختبار الأصعب للديمقراطية الحزبية ليس حماية حق المؤيد، بل حماية حق المختلف عندما يصبح موضع مساءلة.
الشفافية المالية... النص يحتاج إلى مزيد من القوة
تتحدث المسودة عن مصادر تمويل الحزب والاشتراكات والتبرعات والإعانات القانونية، وعن اللجنة المالية والتدقيق.
لكن المواد المالية تظل محدودة قياساً بأهمية المال في استقلال القرار السياسي.
فالحزب الذي يجعل الشفافية جزءاً من مفهومه للديمقراطية الداخلية يستطيع الذهاب أبعد، تقارير مالية دورية واضحة، وقواعد للإفصاح عن التبرعات، وضوابط لتضارب المصالح، وآليات تدقيق تتمتع باستقلال حقيقي.
فالمال ليس مجرد شأن محاسبي، إنه أحد مفاتيح توزيع القوة داخل أي مؤسسة سياسية.
أين يكمن التجديد الحقيقي؟
عند مقارنة المسودة بالأنظمة السابقة، ينبغي الاعتراف بأن الحزب الشيوعي العراقي قطع خلال العقود الأخيرة مسافة مهمة عن بعض صور المركزية التنظيمية الصلبة التي ارتبطت تاريخياً بتجارب الأحزاب الشيوعية.
هناك اليوم في النص الحزبي حديث صريح عن حرية الرأي، والاعتراض، والاقتراع السري، والرقابة، والشفافية، واستقلالية المنظمات، وتمثيل النساء والشباب.
لكن معظم هذه المبادئ أصبحت موجودة في النظام الداخلي منذ سنوات.
لذلك لم يعد التحدي الحقيقي هو إضافة مزيد من الديمقراطية إلى اللغة، بل إضافة مزيد من الديمقراطية إلى توزيع السلطة.
وهنا تعود مسألة الدورتين لتصبح رمزاً أوسع للمشكلة.
فحين ينتقل النظام الداخلي من تحديد ولاية السكرتير بدورتين إلى نص لا يظهر فيه هذا القيد، يصبح السؤال مشروعاً، هل تتقدم عملية التداول القيادي أم تتراجع؟
الحزب يحتاج إلى مؤسسات أقوى من الأشخاص
للحزب الشيوعي العراقي تاريخ طويل ومركب، عاش خلاله السرية والملاحقة والسجون والانقلابات والعمل المسلح والمنفى والعمل العلني. وفي ظروف القمع كانت المركزية والانضباط الصارم يرتبطان، في جانب منهما، بضرورات حماية التنظيم واستمراره.
لكن حزباً يعمل اليوم علناً، ويدافع في خطابه السياسي عن الديمقراطية والدولة والمؤسسات والمساءلة وتداول السلطة، يواجه معياراً أكثر صرامة داخل بيته.
فالديمقراطية التي يطالب بها الحزب في الدولة تصبح أكثر إقناعاً عندما يستطيع أعضاؤه رؤيتها بوضوح في مؤسساته الداخلية.
ولهذا فإن أهم تعديل تحتاج إليه المسودة ليس إضافة فقرة جديدة عن الديمقراطية، وإنما تحويل المبادئ الموجودة إلى ضمانات لا تعتمد على إرادة القيادة، أياً كانت هذه القيادة:
إعادة تثبيت سقف الدورتين لسكرتير اللجنة المركزية، وتعزيز استقلال لجنة الرقابة، وتقليص تدخل القيادة في تشكيل المؤتمر، وتقوية ضمانات الرأي المخالف، وتطوير الشفافية المالية، ووضع قواعد أكثر وضوحاً لتداول المواقع القيادية.
عندها فقط يصبح "التجديد" قاعدة تنظيمية لا شعاراً.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يناقشه الشيوعيون أنفسهم قبل إقرار المسودة:
إذا كان النظام السابق قد وضع سقفاً زمنياً لأعلى موقع قيادي في الحزب، فما المبرر الديمقراطي لإزالة هذا السقف في النظام الجديد؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم من عشرات التعديلات اللغوية والتنظيمية الأخرى، لأن جوهر الديمقراطية ليس فقط في كيفية وصول القيادة إلى السلطة، بل في وجود قواعد واضحة تحدد متى تتركها أيضاً.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.