من ستوكهولم.. العراق يحتفي بيوم السيادة ويفتح نافذة جديدة لـ"حوار الوطن"
أبرز النقاط
- السيادة مشروع دولة وليست مناسبة احتفالية: استقلال القرار لا يكتمل إلا بسيادة القانون وقوة المؤسسات وقدرتها على حماية الدولة ومصالحها.
- توسيع مفهوم السيادة: السيادة الحديثة تتجاوز الأمن والحدود إلى الاقتصاد والعلم والمعرفة والثقافة، فاستقلال القرار يحتاج إلى امتلاك أدوات القوة التي تحميه وتجعله مستداماً.
- الجالية العراقية جزء من قوة العراق: ما يمتلكه العراقيون في السويد والمهجر من خبرات علمية ومهنية وثقافية يمكن أن يشكل جسراً بين العراق والعالم ومورداً مهماً لبناء الدولة.
- إطلاق "حوار الوطن" مبادرة جديدة للسفارة تهدف إلى جمع المفكرين والأكاديميين والعلماء والأدباء والفنانين وفتح حوار حول الاقتصاد والمعرفة والثقافة ومستقبل العراق، على أن تبدأ أولى حلقاتها مع نهاية الشهر.
السفارة العراقية تجمع أبناء الجالية في مناسبة تتجاوز الاحتفال إلى سؤال الدولة والقرار والمستقبل
بقلم: د. سلام قاسم
تصوير: باسم ناجي
أقامت سفارة جمهورية العراق لدى مملكة السويد، يوم أمس، احتفالاً بمناسبة يوم السيادة، بحضور نخبة من أبناء الجالية العراقية وعدد من الشخصيات والضيوف، في أجواء وطنية جمعت بين رمزية المناسبة وأسئلة الحاضر والمستقبل.
واستُهل الحفل بعزف السلام الجمهوري العراقي، قبل أن يتابع الحضور عبر شاشة العرض كلمة رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي بالمناسبة، والتي ركزت على ترسيخ السيادة وتعزيز سلطة الدولة والقانون والانتقال من مواجهة التحديات إلى بناء المستقبل، وهي المعاني التي استعادها القائم بالأعمال في السفارة العراقية خلال كلمته أمام الحضور.
لم يكن العلم العراقي الذي تصدّر قاعة الاحتفال في ستوكهولم مجرد جزء من المشهد البروتوكولي. ففي مناسبة حملت اسم "يوم السيادة العراقي"، اجتمع عراقيون على بعد آلاف الكيلومترات من بغداد، ليستعيدوا معنى الوطن من زاوية مختلفة، دولة تملك قرارها، ومؤسسات تحمي سيادتها، وإنسان عراقي يبقى جزءاً من بلده حتى وهو يعيش في المهجر.
من الاحتفال إلى معنى السيادة
وفي كلمة اتسمت بمحاولة توسيع مفهوم السيادة إلى ما هو أبعد من حدوده السياسية والعسكرية التقليدية، رحّب القائم بالأعمال، الدكتور محمد عدنان، بالحاضرين، مؤكداً أن اللقاء لا يقتصر على الاحتفاء بمناسبة وطنية، بل يعكس أيضاً الروابط الإنسانية والثقافية التي تجمع العراق بالسويد، وأن العلاقات بين الدول لا تقوم على الاتفاقيات والمؤسسات وحدها، وإنما تتعزز بالمعرفة المتبادلة والحوار والتواصل بين الشعوب.
وتوقف الدكتور عدنان عند السؤال الأكثر أهمية في المناسبة: "ماذا تعني السيادة اليوم؟"
فالسيادة، بحسب ما طرحه، تبدأ من استقلال القرار الوطني وصيانة أرض العراق وسمائه ومياهه، ومن خضوع الجميع لمؤسسات الدولة والقانون، لكنها لا تنتهي عند هذه الحدود.
وفي واحدة من أبرز الأفكار التي حملتها الكلمة، أكد أن السيادة الحديثة لا يمكن اختزالها في بعدها الأمني، بل ينبغي أن تشمل الاقتصاد والعلم والمعرفة والفكر والثقافة، فالدولة التي لا تمتلك القدرة على إدارة مواردها وتنويع اقتصادها وإنتاج المعرفة وصياغة رؤيتها للمستقبل تظل سيادتها بحاجة إلى استكمال.
وهنا اكتسبت الكلمة بعداً مختلفاً، حين ربطت قوة الدولة بقوة الإنسان، معتبرة أن ثروة العراق الحقيقية لا تقتصر على موارده الطبيعية، وإنما تمتد إلى الإنسان العراقي بما يمتلكه من علم وخبرة وفكر وإبداع وقدرة على المشاركة في صناعة مستقبل بلده.
لماذا يحتفل العراق بيوم السيادة؟
يحمل يوم السيادة العراقي هذا العام دلالة سياسية وأمنية خاصة، إذ جاء في أعقاب انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش في العراق، بعد سنوات من التعاون العسكري والأمني، لتعلن بغداد انتقالها إلى مرحلة جديدة تتحمل فيها مؤسسات الدولة العراقية المسؤولية الأساسية عن أمن البلاد وسيادتها.
وقد اعتبرت الحكومة العراقية هذه الخطوة مؤشراً على استعادة القرار الوطني وترسيخ سلطة الدولة، فيما ربطت المؤسسات الرسمية المناسبة أيضاً بالتنمية والاستقرار والقدرة على بناء اقتصاد أكثر استقلالاً.
لكن السيادة، في معناها السياسي الأعمق، لا تتحقق بمجرد انتهاء مهمة عسكرية أجنبية. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد ذلك، هل تستطيع الدولة احتكار القرار الأمني؟ وهل يخضع السلاح للقانون؟ وهل تستطيع حماية حدودها وأجوائها ومواردها، واتخاذ قراراتها بعيداً عن الضغوط والتدخلات الخارجية؟
من هنا، يمكن قراءة يوم السيادة لا بوصفه إعلاناً بأن جميع تحديات العراق قد انتهت، بل باعتباره إعلاناً عن بداية مرحلة ينبغي أن تُقاس نتائجها بقدرة مؤسسات الدولة على تحويل مفهوم السيادة من شعار سياسي إلى ممارسة يومية.
"حوار الوطن".. مبادرة تنطلق من السويد
ولعل أبرز ما حملته كلمة السفارة كان الإعلان عن مشروع ثقافي وفكري جديد يحمل اسم "حوار الوطن"، من المقرر أن تبدأ أولى حلقاته مع نهاية الشهر.
ووفق ما أعلنه القائم بالأعمال، سيكون المشروع سلسلة من الحوارات الفكرية والثقافية والعلمية، بمشاركة مفكرين وعلماء وأكاديميين وأدباء وفنانين عراقيين، مع الانفتاح على الشخصيات والخبرات السويدية القادرة على إثراء الحوار.
والمشروع، كما قدمته السفارة، لا يريد أن يكون فعالية ثقافية عابرة، بل مساحة مستمرة لطرح أسئلة تتصل بمستقبل العراق، كيف يمكن بناء اقتصاد يعزز استقلال القرار الوطني؟ وكيف يستعيد العلم والمعرفة موقعهما في مشروع الدولة؟ وكيف يمكن استثمار طاقات العراقيين في الداخل والمهجر؟ وكيف تتحول الثقافة والفنون والفكر إلى عناصر من عناصر القوة الوطنية؟
وهي أسئلة تكتسب أهمية خاصة في السويد، التي تحتضن جالية عراقية كبيرة ومتنوعة، تضم كفاءات علمية وأكاديمية وثقافية ومهنية يمكن أن تتحول، إذا وُجد الإطار المؤسسي المناسب، إلى جسر حقيقي بين العراق والسويد.
السيادة ليست حدوداً فقط
في خاتمة كلمته، أعاد الدكتور محمد عدنان التأكيد على الفكرة المركزية للمناسبة، أن حماية السيادة لا تعني حماية الحدود فحسب، وإنما حماية المستقبل أيضاً، وأن استقلال القرار يحتاج إلى اقتصاد قوي ومعرفة وعلم وثقافة قادرة على إنتاج القوة والاستدامة.
وهنا ربما تكمن الدلالة الأهم ليوم السيادة.
فالعراق الذي مرّ خلال العقود الأخيرة بحروب واحتلال وإرهاب وصراعات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية، لا يحتاج إلى الاحتفال بالسيادة بوصفها ذكرى فحسب، بل إلى تحويلها إلى مشروع دولة، دولة تحتكر السلاح والقرار، ويحكمها القانون، وتصون حدودها ومواردها، وتبني اقتصاداً منتجاً، وتستثمر في الإنسان والعلم والمعرفة.
ومن ستوكهولم، حمل الاحتفال رسالة أخرى لا تقل أهمية، أن العراقيين في المهجر ليسوا خارج معادلة بناء الوطن. فالمسافة التي تفصلهم عن بغداد لا تلغي ما يمتلكونه من معرفة وتجارب وصلات يمكن أن تكون جزءاً من مستقبل العراق.
وحين انتهى الاحتفال، بقيت الفكرة التي حملتها المناسبة أكبر من القاعة ومن الكلمات التي قيلت فيها، السيادة ليست يوماً في التقويم، ولا علماً يُرفع في مناسبة وطنية، إنها قدرة الدولة على أن تقول كلمتها، وأن تحمي قرارها، وأن تمنح مواطنيها الثقة بأن مستقبلهم يُصنع داخل مؤسسات وطنهم.
وعندها فقط، يصبح الاحتفال بيوم السيادة احتفالاً بما تحقق فعلاً، وبما ينبغي للعراقيين أن يحافظوا عليه ويبنوا فوقه.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.