من قيادة الجماهير إلى التحذير منها.. ثم المطالبة بأبوّة الانتفاضة!

أبرز النقاط

  • مفارقة التاريخ والموقف: حزب عُرف بقيادة الاحتجاجات أصبح يتحفظ على تحركات جماهيرية لا يشارك في تنظيمها.
  • وثيقة تشرين: رسالة مؤرخة قبيل الانتفاضة تدعو رفاق الحزب إلى عدم المشاركة في تظاهرات الأول من أكتوبر 2019.
  • التحول السياسي: انتقل الحزب من التحذير من التظاهرات الأولى إلى المشاركة في الحراك والاحتفاء بانتفاضة تشرين.
  • شهادة الكاتب: يؤكد سلام قاسم أنه نشر الرسالة في الأيام الأولى للانتفاضة، وتلقى اتصالات من رفاق حزبيين طالبوه بحذفها.

يا لها من مفارقة سياسية تستحق التأمل، وربما شيئاً من الضحك المرير!

د. سلام قاسم

الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان يوماً يقود الجماهير إلى الشوارع في العهد الملكي، ويخوض معارك سياسية وجماهيرية في العهد الجمهوري، ويدفع رفاقه أثماناً باهظة من الاعتقال والتعذيب والإعدام، أصبح بعد عام 2003، في بعض مواقفه، يتعامل مع المظاهرات التي لا تمر عبر بوابته التنظيمية وكأنها مؤامرة تنتظر من يكشف خيوطها!

كان الشيوعي بالأمس يتقدم الصفوف متحدياً أجهزة القمع، أما اليوم، فيبدو أن بعض القيادات تريد من الجماهير أن تحصل على موافقة تنظيمية قبل أن تغضب، وأن تستشير الحزب قبل أن تهتف!

انتفاضة تشرين عام 2019 جاءت لتكشف حجم هذه المفارقة.

ففي الوقت الذي كان فيه الشباب يستعدون للنزول إلى الشوارع احتجاجاً على الفساد والبطالة وتردي الخدمات، صدرت رسالة موجهة إلى رفاق الحزب تدعوهم إلى عدم المشاركة في تظاهرات الأول من تشرين، بحجة أن الجهة الداعية مجهولة، وأن أهداف التحرك غير واقعية وأساليبه غير سلمية!

تأملوا المفارقة، حزب صنع جانباً مهماً من تاريخه في الشارع، أصبح يخشى الشارع حين يتحرك من دون استئذانه!

لكن الجماهير لم تنتظر التعليمات، وخرج الشباب، وقدموا التضحيات، وتحولت تشرين إلى واحدة من أبرز الانتفاضات الشعبية في تاريخ العراق المعاصر.

وحين اتسعت الانتفاضة، وتأكد الحزب أنها ليست مجرد تحرك عابر، تغيرت المواقف، والتحق الحزب بالحراك، كما فعلت قوى سياسية أخرى حاولت الاقتراب من موجة الاحتجاجات بعد انطلاقها.

واليوم، حين نستمع إلى بعض الخطابات التي تستحضر تشرين وتتغنى ببطولاتها، يخيل إلينا أن الحزب هو الذي خطط لها، وحدد موعدها، وحشد جماهيرها، وقاد ساحاتها منذ اللحظة الأولى!

يا رفاق، لا أحد ينكر تاريخ الحزب النضالي، ولا تضحيات الشيوعيين الذين واجهوا السجون والمشانق دفاعاً عن مبادئهم. لكن التاريخ النضالي لا يمنح القيادات حصانة من النقد، ولا يجعل أخطاءها صواباً.

ومن حقنا أن نسأل، كيف تحول الحزب الذي كان يسعى إلى قيادة الجماهير إلى تنظيم يتردد في مواكبتها عندما تتحرك خارج حساباته؟

المشكلة ليست في الجماهير التي لم تعد تنتظر الأحزاب، بل في بعض القيادات التي لم تستوعب بعد أن زمن احتكار المبادرة السياسية قد انتهى.

فالجماهير ليست ملكاً لأحد، والانتفاضات لا تحتاج إلى ختم حزبي كي تكتسب شرعيتها.

والأطرف في الحكاية أن بعض من حذروا من النزول إلى الشارع، أصبحوا اليوم يتحدثون عن تشرين بحماسة من شارك في كتابة بيانها الأول!

من قيادة الجماهير إلى التحذير منها.. ثم المطالبة بأبوّة الانتفاضة!

ملاحظة للتوثيق:

أرفق مع هذا المنشور صورة الرسالة التي وُجهت إلى رفاق الحزب بشأن تظاهرات الأول من تشرين 2019، والتي تدعو صراحة إلى عدم المشاركة فيها.

وقد سبق لي أن نشرت نص الرسالة كاملاً، في اول ايام انطلاقة الانتفاضة. وبعد نشرها اتصل بي عدد من رفاق الحزب، طالبين مني رفعها وحذفها من صفحتي.

لكنني أرى أن من حق الرأي العام، ومن حق الشيوعيين أنفسهم، الاطلاع على هذه الوثيقة ومناقشتها، لأن النقد والمراجعة الصريحة ليسا إساءة إلى تاريخ الحزب، بل ضرورة لحماية ما تبقى من رصيده النضالي.

فالتاريخ لا يُكتب بالبيانات اللاحقة، وإنما بالمواقف التي اتخذت في لحظاتها الحاسمة.