من وسم الجباه وقطع الأيدي إلى أرشفة الخوف
قراءة اجتماعية سياسية في رواية "ذاكرة يد.. حكاية من تابوت الأمن" لكريم كطافة
جاسم الحلفي
تدور رواية "ذاكرة يد.. حكاية من تابوت الأمن" للروائي كريم كطافة حول واحدة من أبشع الوقائع التي شهدها العراق خلال تسعينيات القرن الماضي، حين أقدم النظام السابق على قطع الأيدي ووسم الجباه لعدد من المواطنين العراقيين بذريعة التلاعب بسعر الدولار و(الإضرار بالاقتصاد الوطني). غير أن الرواية لا تتوقف عند حدود الواقعة ذاتها، بل تحولها إلى مدخل لقراءة طبيعة الدولة الشمولية وآليات اشتغالها على المجتمع، والقمع والخوف والجسد والذاكرة.
تبدأ الأحداث في ذروة الحصار الاقتصادي وما رافقه من انهيار في قيمة الدينار وارتفاع متسارع في الأسعار. وفي هذا السياق تضعنا أمام المناخ السياسي والإعلامي الذي سبق الاعتقالات، إذ تورد: (انشغلت الصحافة العراقية الحكومية وقناتا التلفاز، حيث كانت واحدة للرئيس والثانية لابنه، بالإعلان عن مؤامرة كبيرة اكتشفتها العيون الساهرة، كان أبطالها تجار عراقيون، قيل إنهم سبب الصعود الصاروخي لسعر الدولار في السوق.)(ص9)
ومن خلال شخصية صالح حسن زناد، مدرس اللغة العربية الذي يصبح أحد ضحايا تلك الحملة، تستعيد الرواية صورة العراق في سنوات الحصار، اتساع الفقر، وانهيار الطبقة الوسطى، وانتشار الخوف والمخبرين، وتحول القلق إلى جزء من الحياة اليومية. وهي لا تكتفي بتوثيق الاعتقال والتحقيق، بل تكشف كيف جرى تحويل مجموعة من البسطاء والكسبة وصغار التجار إلى متهمين في قضية ذات أبعاد سياسية وإعلامية واسعة.
وتبلغ المأساة ذروتها حين يصدر الحكم بحقهم، (بعد خمسة أشهر من “الضيافة” الأمنية لهؤلاء، حُكم عليهم جميعاً بعقوبة واحدة، تنتمي للثأر المشهدي أكثر من كونها قانوناً. كانت العقوبة قطع اليد اليمنى من الرسغ ووسم الجبين بعلامة"X".)(ص9)
تتابع الرواية مصائر الضحايا بعد عام 2003، حين يعثر منتج الأفلام الأمريكي "دان نورث" على شريط يوثق عملية قطع الأيدي داخل أرشيف النظام السابق، فيسعى إلى تحويل قصتهم إلى فيلم وثائقي ويأخذ عدداً منهم إلى الولايات المتحدة للعلاج وتركيب أطراف صناعية. وهناك تتحول مأساتهم إلى جزء من الجدل السياسي والإعلامي المرتبط بالاحتلال الأمريكي للعراق.
وبذلك تكشف الرواية انتقال الضحايا من دائرة القمع المباشر إلى دائرة التوظيف السياسي والإعلامي، حيث تصبح معاناتهم مادة تتنازعها السرديات المتصارعة. في جوهرها لا تتحدث "ذاكرة يد" عن يد مقطوعة فحسب، بل عن وطن شوهه الاستبداد والعنف والحصار، وعن ضحايا يسعون إلى استعادة أصواتهم وذاكرتهم بعد أن حاولت السلطة اختزالهم إلى أجساد موسومة بالخوف والعار.
وتنبع أهمية الرواية من قدرتها على تجاوز التوثيق المباشر نحو بناء "أرشيف سردي" للعنف العراقي الحديث، فهي لا تحفظ الوقائع وحدها، بل تؤرشف الخوف الجماعي، وصورة السلطة، وتحولات المجتمع، وتَشوه العلاقة بين الفرد والدولة. لذلك تبدو أقرب إلى شهادة اجتماعية وتاريخية عن عراق التسعينيات، حيث تحول الخوف إلى أسلوب حياة، وأصبحت الرقابة جزءاً من الوعي اليومي.
الدكتاتور في الحياة اليومية.. عبادة الفرد وآليات الهيمنة الرمزية
في هذا السياق تكشف الرواية طبيعة الحضور الشمولي للدكتاتور داخل الحياة العراقية، حيث لم يعد مجرد حاكم سياسي، بل تحول إلى حضور دائم يفرض نفسه على المجالين العام والخاص معاً. ويختزل النص هذه الحالة بعبارة ساخرة ومريرة: (المكان الوحيد الذي لم يجرؤ أحد على وضعك فيه هو "المرحاض".)(ص24)
وتحيل هذه العبارة إلى ظاهرة عبادة الفرد التي بلغت حد احتلال الفضاء البصري والنفسي للمجتمع. فصور القائد لم تكن مجرد مواد دعائية، بل جزءاً من منظومة رعب ورقابة رمزية امتدت من الدوائر الرسمية والمدارس إلى البيوت وغرف الاستقبال والنوم، حتى بدا حضوره ملازماً للأفراد في تفاصيل حياتهم اليومية.
وتبرز قوة السرد في توظيف السخرية السوداء للكشف عن عمق هذه الظاهرة، فاستثناء "المرحاض" وحده من تعليق الصور يوضح إلى أي حد نجحت السلطة في ترسيخ حضوره داخل الوعي الجمعي. فالأمر لا يتعلق بصورة معلقة على جدار، بل بإحساس دائم بالمراقبة جعل غياب الدكتاتور أمراً شبه مستحيل.
كما يكشف النص إحدى السمات الجوهرية للأنظمة الشمولية، وهي دمج صورة الحاكم بالدولة والوطن، فـ(العراق هو صدام وصدام هو العراق)(ص49)، وبهذا يصبح انتقاد الدكتاتور أو السخرية منه خروجاً على الدولة نفسها. وهكذا اختُزل الوطن في صورة فرد، وغدت ملامحه حاضرة في الشارع والمدرسة والمؤسسة والبيت، حتى بدا وكأن المجتمع فقد قدرته على رؤية ما هو خارج ظله. ومن هنا لا تتحدث الرواية عن انتشار الصور فحسب، بل عن آليات إنتاج الخوف وترسيخ الهيمنة الرمزية. لذلك لا تقدم حكاية ضحايا فقط، بل قراءة أدبية لكيفية تحويل الإنسان إلى موضوع للمراقبة والإخضاع، وكيف يصبح الجسد والذاكرة والحياة اليومية ساحات تمارس عليها السلطة سطوتها، لتغدو الرواية شهادة على واحدة من أكثر مراحل العراق قسوة واختناقاً.
تكشف الرواية وجهاً آخر من وجوه القمع، يتمثل في سعي السلطة إلى جعل العقوبة دائمة الأثر، ليس على الجسد فحسب، بل على هوية الإنسان ومكانته الاجتماعية. ويتجلى ذلك في الحوار الآتي:
(- إياكم من محاولات التزوير. سأل قاسم بلكنة اليائس الغرقان:
- نزوّر ماذا؟
رفع العريف الشرطي رأسه وكأنه هو الآخر تفاجأ بالسؤال:
- قصدي… إذا عملت كفاً صناعية بعد تزويراً… إزالة الوسم كذلك يعد تزويراً… من الآن هذه هيئاتكم الرسمية..)(ص214)
تكشف عبارة "من الآن هذه هيئاتكم الرسمية" جوهر العقوبة في الدولة الشمولية، إذ لا يقتصر الأمر على بتر اليد أو وسم الجبين، بل يمتد إلى تحويل آثار العقاب إلى هوية دائمة. فالندبة تصبح وثيقة تعريف، والجسد المشوه يتحول إلى سجل لا يحق لصاحبه تعديله أو محوه.
ويفضح سؤال قاسم "نزوّر ماذا؟" عبثية هذا المنطق، فمحاولة استعادة جزء من الجسد أو إزالة أثر الإذلال تُعد جريمة جديدة، وكأن السلطة لا تكتفي بمعاقبة الإنسان، بل تصادر حقه في استعادة إنسانيته. وهكذا تتحول العقوبة إلى أداة ردع اجتماعي، ويغدو الجسد المشوه رسالة خوف موجهة إلى المجتمع بأسره.
ومن هنا تختصر الرواية فلسفة القمع في أكثر صورها قسوة: فالعقوبة لا تنتهي عند تنفيذها، بل تستمر عبر تحويل الضحية إلى شاهد دائم على سطوة السلطة، وإلى وثيقة خوف متنقلة داخل المجتمع.
من الحصار إلى الاحتلال: تحولات الزمن الروائي
يتحرك زمن الرواية داخل واحدة من أكثر مراحل العراق قسوة خلال التسعينيات، حيث تداخلت آثار الحروب مع الحصار الاقتصادي والاستبداد السياسي، فتحولت الدولة إلى منظومة رقابة وعقاب، وأصبح المواطن يعيش بين الخوف من الجوع والخوف من السلطة.
ويبدأ الزمن الروائي في 21/8/1994، تاريخ اعتقال المتهمين بالتسبب بارتفاع سعر الدولار، في ذروة الانهيار الاقتصادي الذي جعل سعر العملة جزءاً من الهم اليومي للعراقيين. وهنا يتحول الحصار من أزمة اقتصادية إلى أداة لإنتاج الخوف والبحث عن ضحايا يُحمَّلون مسؤولية الانهيار.
ويمتزج الزمن السياسي بالزمن الاجتماعي والأمني، فبينما كانت البلاد تعيش العزلة والفقر وتآكل الطبقة الوسطى، كانت أجهزة الأمن تواصل عملها عبر الاستدعاءات والتحقيقات والسجون، لتصنع فضاءً خانقاً يصبح فيه الخوف جزءاً من الحياة اليومية.
وتبلغ الأحداث ذروتها في 24/3/1995، تاريخ إصدار الحكم بقطع الأيدي ووسم الجباه، حيث يتحول القانون إلى أداة للترهيب العلني، وتغدو العقوبة مشهداً سياسياً يهدف إلى تعميم الخوف. فالعقوبة هنا لا تستهدف الأفراد وحدهم، بل تسعى إلى توجيه رسالة ردع إلى المجتمع بأكمله.
أما 9/4/2003 فيمثل انتقال الرواية من زمن الدكتاتورية إلى زمن الاحتلال والفوضى والانكشاف. فمع سقوط النظام تظهر الوثائق والأسرار المدفونة، لكن الشخصيات لا تعبر إلى زمن الخلاص بقدر ما تدخل مرحلة جديدة من الاضطراب والعنف والانقسامات.
وبذلك يمتد زمن الرواية بين ثلاثة تواريخ مفصلية: الاعتقال، والحكم، وسقوط النظام. وهي تواريخ تعكس تحولات عميقة في الوعي العراقي، حيث عاش الإنسان بين الخوف من السلطة، والخوف من الجوع، ثم الخوف من المجهول.
أبطال من الهامش: الضحايا ممثلين للمجتمع المقهور
تحطم الرواية صورة البطل التقليدي، فلا تقدم قائداً ملحمياً أو منقذاً خارقاً، بل شخصيات عادية خائفة ومرتبكة تكافح من أجل البقاء وسط منظومة قمعية لا ترحم. ومن خلال هذا الاختيار تكتسب صدقها الإنساني، إذ تنحاز إلى الإنسان البسيط حين يُسحق تحت سلطة الخوف. وتتمثل هذه الرؤية في شخصية صلاح حسن زناد، خريج كلية الآداب ومدرس اللغة العربية، الذي لا يظهر بوصفه بطلاً استثنائياً أو معارضاً سياسياً، بل مواطناً من الطبقة الوسطى وجد نفسه داخل آلة القمع، لتكشف الرواية من خلاله هشاشة الفرد أمام سطوة الدولة الشمولية.
أما بقية الشخصيات؛ ليث نعمة عكار، عزيز مراد علي، قاسم كعدة كاظم، علاء شبر، نزار جودي، عماد العاني، أركان حواس فيصل، علاء كاظم برهان الموسوي، حسن حسين حسن، وباسم سلمان عبد الأمير الفضلي، فيمثلون شرائح الكسبة وصغار التجار وأصحاب الدكاكين والبسطيات الذين دفعتهم ظروف الحصار والانهيار الاقتصادي إلى البحث عن سبل العيش في اقتصاد مأزوم.
وتوحي الرواية بأن السلطة اختارت ضحاياها من هذه الفئات تحديداً لأنها الأضعف والأقل قدرة على الدفاع عن نفسها. لذلك لا تبدو الشخصيات أفراداً معزولين، بل نماذج اجتماعية تمثل المجتمع العراقي المقهور في سنوات الحصار والاستبداد الفاشي، وتجسد معاناة طبقات واسعة وجدت نفسها في مواجهة سلطة تبحث عن ضحايا أكثر مما تبحث عن حلول.
وفي مقابل عالم الضحايا، تحضر شخصيات تنتمي إلى فضاء السلطة والحرب، مثل صدام وعدي وبوش وبول وولفيتز، بوصفها رموزاً للقوى التي امتلكت القرار وتحكمت بمصائر الآخرين. ومن خلال هذا التداخل بين عالم الضحايا وعالم السلطة، تجعل الرواية من الإنسان العادي بطلاً لسرديتها، وتحول المهمشين والمقهورين إلى شهود على مرحلة من أكثر مراحل العراق قسوة.
المتاجرة بالألم العراقي: أبو غريب وإعادة إنتاج الضحية
تكشف الرواية واحدة من أكثر المفارقات مرارة في التاريخ العراقي المعاصر، حين يتحول ضحايا الاستبداد إلى مادة للاستثمار السياسي والإعلامي في أمريكا بعد سقوط النظام. ففي حديثها عن الرجال الذين قُطعت أيديهم ووُسمت جباههم، تورد: (تحوّلوا هناك إلى موضوع للصحافة ولقنوات التلفاز. ولنحس حظهم، تصادف وجودهم مع انتشار فضيحة سجن "أبو غريب" التي غدت موضوعاً لكل الصحافة العالمية. الفضيحة التي كان بطلها جندي أمريكي سرّب مئات الصور عن أساليب تعذيب سجناء عراقيين من قبل الجنود الأمريكان. السجن إياه، الذي شهد مجزرة قطع أيديهم ووسم جباههم. وكانت تعقيدات الصراع السياسي والإعلامي من حجم أكبر من قدرتهم على التعامل معها. لم يكونوا سياسيين في أي مرحلة من حياتهم، وخارجون للتو من بلد سيصبح من الآن ميداناً لحرب أهلية بأقنعة طائفية، تكالبت على إشعالها كل دول الجوار القريب والبعيد.)(ص13)
تكمن المفارقة في أن هؤلاء جرى توظيف قصتهم ضمن الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي المرتبط بتبرير الاحتلال. فقد تزامن ظهورها مع فضيحة سجن "أبو غريب"، التي كشفت انتهاكات قوات الاحتلال بحق السجناء العراقيين وأثارت أزمة أخلاقية وإعلامية واسعة. وفي هذا السياق بدا استحضار جرائم النظام السابق، ومنها قطع الأيدي ووسم الجباه، جزءاً من محاولة إعادة توجيه الاهتمام من انتهاكات الحاضر إلى فظائع الماضي، بما يخفف من وطأة الانتقادات الموجهة إلى قوات الاحتلال.
وهكذا تحولت معاناة الضحايا من قضية إنسانية تستحق جبر الضرر وتحقيق العدالة إلى مادة تُستخدم في معركة السرديات السياسية المتنافسة. وتكشف الرواية في الوقت نفسه الفجوة بين بساطة هؤلاء الأفراد وتعقيدات الصراع الدولي الذي وجدوا أنفسهم في قلبه. فهم لم يكونوا سياسيين أو ناشطين، بل أشخاصاً عاديين أُلقيت مأساتهم في فضاء إعلامي وسياسي يتجاوز قدرتهم على الفهم أو التأثير، لتغدو أجسادهم المعذبة جزءاً من صراع على تفسير الماضي وتبرير الحاضر.
ومن هنا تطرح الرواية سؤالاً نقدياً عن "المتاجرة بالألم العراقي"، وكيف ظل الإنسان العراقي الحلقة الأضعف في صراعات السلطة، تتبدل الأنظمة والخطابات، بينما تبقى الضحية هي التي تدفع الثمن.
الرمزية في الرواية: قراءة الواقع عبر الأسطورة والجسد والمكان
تُعد الرمزية واحدة من أهم التقنيات الفنية التي اعتمدتها الرواية في بناء عالمها السردي، إذ لا تكتفي بعرض الوقائع بوصفها أحداثاً مباشرة، بل تحوّل الأمكنة والأشياء والأساطير والأجساد إلى إشارات كثيفة تكشف طبيعة العنف والسلطة والخوف في المجتمع العراقي خلال سنوات الحصار والدكتاتورية وما بعدها. ومن خلال هذه الرموز تتجاوز الرواية حدود الحادثة الفردية لتقدم قراءة أعمق للواقع العراقي وتحولاته السياسية والاجتماعية.
ومن أبرز الرموز التي تستثمرها الرواية رمز "سرير بيروكست"، الذي (قيل أنه ابن الإله "بوسيدون" الإغريقي... كان عنده سرير من الحديد يريده أن يناسب كل الأطوال. يجعل ضيفه يستلقي على السرير، فإن فاض طوله على حافة السرير يقوم بقطع ساقيه بالساطور، وإن قصر طوله يعمد إلى سحب ساقيه حتى تتقطع أوصاله.)(17)
ويتحول بيروكست في الرواية إلى استعارة كبرى للسلطة الشمولية التي تريد فرض نموذج واحد على الجميع بالقوة والعنف والتشويه. فالإنسان داخل هذا النظام لا يُقبل كما هو، بل يُجبر على التكيّف مع "سرير السلطة"، وإن عجز عن ذلك يُقطع معنوياً أو جسدياً أو نفسياً. ومن هنا لا يعود قطع الأيدي مجرد عقوبة قانونية، بل يصبح تعبيراً عن مشروع أوسع لإعادة تشكيل البشر وفق المقاسات التي تحددها السلطة.
كما تحمل الزنزانة بعداً رمزياً بالغ الدلالة. فهي ليست مكاناً للاعتقال فحسب، بل صورة مكثفة للموت البطيء والعزلة والاختناق النفسي. وتصف الرواية هذا الفضاء بقولها: (سأكتشف سريعاً أن تصميم المكان هو حقاً يشبه التابوت. عريض من جهة الباب الحديدي ثم يأخذ الحائطان الجانبيان بالضيق كلما توغلت في عمقه. شكل هندسي فريد لا يشبه المستطيل ولا المربع. هو شكل التابوت.)(ص92)
فالزنزانة هنا ليست مجرد فضاء مادي، بل رمز لمسار القهر نفسه، إذ كلما توغل الإنسان في عالم السلطة ضاقت أمامه إمكانات الحرية والحياة. أما الجدران الملطخة بآثار الكتابات المجهولة فتبدو كأنها بقايا أصوات بشر سبق أن ابتلعتهم ماكينة القمع.
وتستخدم الرواية الجسد بوصفه أحد أكثر رموزها كثافة ودلالة. فاليد المقطوعة لا تمثل عضواً مبتوراً فحسب، بل ترمز إلى العمل والكرامة والقدرة على الفعل، فيما يتحول وسم الجباه بعلامة (X) إلى محاولة لفرض العقوبة بوصفها هوية دائمة وجعل الجسد نفسه وثيقة إدانة متنقلة.
ويتعمق هذا المعنى مع حضور "الكف الصناعية"، التي تغدو رمزاً لمقاومة الخراب واستعادة الكرامة، في مقابل إصرار السلطة على إبقاء آثار العقوبة ظاهرة. وهكذا يصبح الصراع بين إرادة الحياة وإرادة الإذلال أكثر منه بين يد حقيقية وأخرى صناعية.
كما يكتسب الدولار بعداً رمزياً يتجاوز قيمته الاقتصادية، ليصبح علامة على الانهيار والخوف وانعدام اليقين. حتى إن سؤال "شكد السعر اليوم؟" يتحول إلى ما يشبه (السؤال الوطني اليومي)(49)، كما تصفه الرواية: (غير مفهوم لغير العراقيين، كما هو غير مفهوم لمن لم يكتووا بمفرمة الحصار التي هرست لحومنا. لكنه كان سؤال حياتنا في تلك السنين العجاف)(49). ليغدو الدولار رمزاً لانهيار الاستقرار وهيمنة القلق على الحياة اليومية للعراقيين.
ومن الرموز اللافتة أيضاً "المفرمة"، حيث تصف الرواية شخصياتها بأنهم (ضحايا المفرمة العمياء في الصالة المظلمة التي اسمها العراق)(ص34). فالمفرمة هنا استعارة للدولة الشمولية التي تسحق الأفراد بلا رحمة، بينما ترمز "الصالة المظلمة" إلى عراق الخوف والرقابة والمصير المجهول.
لا تتوقف الرمزية عند مرحلة النظام السابق، بل تمتد إلى ما بعد 2003، حيث يتحول سجن "أبو غريب" إلى رمز لاستمرارية العنف بأشكال مختلفة. فالمكان الذي شهد قطع الأيدي ووسم الجباه يعود ليظهر مسرحاً لانتهاكات جديدة، في إشارة إلى أن بنية العنف لم تختفِ، بل تبدلت وجوهها فقط.
وبذلك تتحول الرمزية في الرواية إلى أداة فكرية وجمالية لقراءة الواقع العراقي، وتجعل من معاناة الشخصيات تعبيراً عن مأساة مجتمع كامل عاش تحت سلطة سعت إلى إخضاع الإنسان جسداً وروحاً.
تقنيات السرد في الرواية
تكشف الرواية عن وعي سردي بأدوات الكتابة، إذ تمهد للحكاية عبر الكشف عن لحظة ولادتها، (إثر اتصال من الصديق الناشر "ستار حسن علي" صاحب "دار سطور" في بغداد.
قال: هناك موضوع لدى بلال "ابنه" يريد مناقشته معك.
تحدث معي بلال. قدم ملخصاً عن الحكاية، فيه الكثير من الإثارة وعلامات التعجب والاستفهام)(ص14)
ومن خلال هذا المدخل تعتمد الرواية تقنية "السرد داخل السرد"، حيث تصبح عملية اكتشاف الحكاية جزءاً من الحكاية نفسها. كما يتحول فعل الكتابة إلى موضوع داخل النص، فيتداخل التوثيق مع التخييل، وتُقدَّم الرواية بوصفها شهادة تستند إلى وقائع وذاكرة حية.
وتعتمد الرواية كذلك على التشويق عبر التأجيل والكشف التدريجي للمعلومات، فيما تمزج بين الوثيقة والشهادة والسرد الروائي، لتمنح النص قيمة توثيقية وجمالية في آن واحد، وتجعل الكتابة فعلاً لحفظ الذاكرة وإنقاذ الضحايا من النسيان.
اخيراً: تتجاوز "ذاكرة يد" حدود توثيق جريمة بعينها لتصبح شهادة على زمن صاغ الخوف والعنف ملامحه. ومن خلال مصائر ضحاياها تكشف الرواية كيف يمكن للسلطة أن تترك ندوبها في الجسد والذاكرة معاً، لتغدو حكاية الأفراد مرآة لمأساة مجتمع كامل عاش تحت وطأة القمع والاستبداد.
المصدر: كريم كطافة، ذاكرة يد.. حكاية من تابوت الأمن، دار سطور للنشر والتوزيع، ط1، بغداد، 2022، اعتمدت الدراسة منهجية الإشارة إلى رقم الصفحة بين قوسين بعد كل اقتباس وارد في المتن.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.