6 أكتوبر: هل يحتفل بها الإسلاميون؟ أم أن الوطن عندهم مجرد "حفنة من تراب"؟

أبرز النقاط

  • 1- الوطن فوق الأيديولوجيا: حرب أكتوبر كانت معركة لتحرير الأرض المصرية واستعادة السيادة، وليست حرباً لتحقيق مشروع ديني أو تنظيمي.
  • 2- المواطنة أساس الانتصار: شارك المسلمون والمسيحيون في المعركة، مؤكدين أن الانتماء الوطني يتجاوز الاختلافات الدينية.
  • 3- الدولة الوطنية والتنظيمات العابرة للحدود: ينتقد المقال تغليب بعض الحركات الأيديولوجية الولاء التنظيمي على المصالح الوطنية وحدود الدولة وسيادتها.
  • 4- دروس أكتوبر للمستقبل: يؤكد الكاتب أن حماية الأوطان تتطلب مؤسسات وطنية قوية، ووحدة مجتمعية، وقراراً سيادياً مستقلاً.

بقلم: فيلو المصري

تظل حرب أكتوبر المجيدة اللحظة التاريخية الأشد قسوة على أيديولوجيا الإسلام السياسي؛ فهي الصخرة العتيدة التي تحطمت عليها شعارات الفقه الأممي العابر للحدود. حين توضع الفكرة التنظيمية أمام اختبار الدم والأرض، ينكشف الزيف وتتداعى الادعاءات التي حاولت طوال عقود اختزال الأوطان في مجرد حفنة من تراب عفن.

لم تكن سيناء لدى الجندي المصري وهو يعبر القناة مسرحاً لتجربة أيديولوجية، ولا محطة مؤقتة في مشروع خلافة هلامي، بل كانت العرض والكرامة والسيادة. وهنا يكمن السؤال الحاسم الذي يهرب منه أدعياء الأممية: إن كان الوطن مجرد حدود وهمية صنعتها اتفاقيات الاستعمار، فلماذا سالت دماء عشرات الآلاف من الشهداء تحديداً عند الخط الفاصل بين الأرض المصرية والاحتلال؟ ولماذا كانت هذه الحفنة من التراب أقدس ما دافع عنه الجيش المصري؟

يقف واقع أكتوبر 1973 شاهداً على انهيار الطرح الاسلاموي؛ فالقتال لم يكن حرباً مفتوحة بلا نهاية تحت شعارات هلامية، بل كان معركة دولة بجيش نظامي، وحدود جغرافية، وأهداف وطنية محددة بدقة.

عبر الجيش المصري ليسترد سيناء المصرية بالكامل، وأدارت الدولة معركتها بشرعية السيادة الوطنية، فقاتلت من موقع القوة، وتفاوضت من موقع اقتدار، وصنعت السلام لحماية أمنها القومي وحق أبنائها في الحياة والبناء. أما أصحاب الفكر العابر للحدود، فلا يرون في الشعوب سوى وقودٍ لمعارك أبدية لا تنتهي، ولا تثمر إلا الدمار وفقدان الأرض. إن حقيقة أكتوبر تثبت أن القتال من أجل الوطن هو الغاية التي شرعتها القوانين والانسانية، بينما المراهنات الأيديولوجية لم تقدم عبر التاريخ إلا السراب والخراب.

حاول الفكر الاسلاموي دائماً تقسيم المجتمع على أساس الرابطة العقائدية الحصرية، مختزلاً المواطنين في معايير الأغلبية والأقلية، لكن ملحمة أكتوبر صاغت مفهوم المواطنة بالدم لا بالخطب والشعارات.

في قلب الحرب وفي خطوطها الأولى، سطّر المصريون ملحمتهم جنباً إلى جنب:

اللواء أركان حرب فؤاد عزيز غالي: القائد الذي حرر القنطرة شرق وقاد الفرقة 18 مشاة بكفاءة واقتدار.

العميد شفيق متري سدراك: قائد اللواء 130 مدرعات، الذي تقدم قواته وسقط شهيداً على تراب سيناء.

المهندس باقي زكي يوسف: صاحب الفكرة العبقرية التي صهرت الساتر الترابي لخط بارليف بمضخات المياه.

وغيرهم وغيرهم وغيرهم...الخ

هؤلاء لم يكونوا ضيوفاً في معركة غيرهم، ولا استثناءً في دولة دينية، بل كانوا صنّاعاً أصليين للنصر بصفتهم مصريين يذودون عن وطنهم. لقد أثبتت أكتوبر أن الرابطة الوطنية هي الإطار الفولاذي الذي يتسع لكل أبناء مصر، وأن منطق الفرز الطائفي لا يعيش إلا في عقول ترفض مفهوم الدولة من الأساس.

يتجلى الفارق الشاسع بين منطق الدولة الوطنية وشرعيتها وبين طروحات الكيانات التنظيمية في طريقة إدارة المصير القومي:

تضع الدولة الوطنية حماية حدودها، وصون دماء أبنائها، واسترداد سيادتها في صدارة أولوياتها؛ فالحرب لديها ليست مغامرة غير محسوبة، بل ضرورة لحماية الوجود.

أما التنظيمات، فترى في الأرض والمواطنين مجرد أدوات يُضحّى بها لصالح مشروع أيديولوجي لا يراعي جغرافيا ولا يحفظ أهلاً.

وبينما تنظر الدولة إلى الحدود باعتبارها خطوط سيادة ومسؤولية تاريخية وقانونية واجبة الحماية، يراها الفكر الجماعاتي مجرد خطوط وهمية، مستبيحاً سلامة الإقليم الوطني ومغامراً بمقدرات الشعوب. كما تُبنى قرارات الدولة على حسابات دقيقة للمصلحة القومية العليا تقيس مقومات القوة وكلفة الدم، بينما تندفع التنظيمات وراء شعارات عاطفية تؤدي دائماً إلى التهجير وضياع الأرض.

إن غاية الدولة الوطنية هي الوصول إلى الاستقرار والبناء الشامل مع صون استقلال القرار القومي، في حين يعتاش مشروع التنظيم على حالة الصراع الدائم التي لا تنتج دولة ولا تبني مجتمعاً.

والحقيقة الصلبة التي لا مفر منها، الجيش الذي عبر هو جيش دولة، والعلم الذي ارتفع هو علم مصر، والشهداء الذين سقطوا هم أبناء هذا الشعب بمختلف أطيافه، والسيادة التي استُردت كانت على إقليم جغرافي محدد.

لذا، تقف أكتوبر كمرآة كاشفة تعرّي سوأة تيار الإسلام السياسي وتفضح إفلاسه الفكري وتناقضه التاريخي. إن تياراً يرى في الأوطان مجرد محطات عبور، وفي الحدود أصناماً يجب هدمها، وفي دماء الشهداء مجرد أوراق للمساومة السياسية، لا يملك شرف الانتماء لانتصار صنعته دولة ودفع ثمنه شعب. لقد أثبتت هذه الملحمة أن مصر ليست ولاية تابعة لمشروع أممي متخيل، ولا رهينة في يد سماسرة الاسلام السياسي، بل هي أمة أقدم من كل تنظيم وعصية على الاختطاف. وستبقى حرب أكتوبر عقدة النقص الأبدية لكل من يحاول أن يُلبس التنكر للأوطان ثوب الدين، ليحكم التاريخ في النهاية بكلمته القاطعة: من لا يؤمن بالوطن في لحظات الخطر، ليس له مكان في لوحة شرفه يوم النصر.