إقصاء الفكر الأنثوي في الثقافة العربية، أبكار السقاف نموذجا

أبرز النقاط

  • مشروع فكري موسوعي: درست السقاف تاريخ الأديان والأنبياء والمتصوفة، مستندةً إلى المصادر الأصلية والتحليل التاريخي.
  • قراءة نقدية للدين: تعاملت مع الظاهرة الدينية بوصفها جزءاً من التاريخ البشري، لا سلطة مطلقة تعوق النقد والتطور.
  • تهميش ومنع ثقافي: يرى الكاتب أن كتبها حُجبت، وأن حضورها أُقصي نتيجة هيمنة المؤسسات السياسية والدينية وغياب الإنصاف الثقافي.
  • دعوة إلى استعادة إرثها: يطالب المقال بنشر مؤلفاتها ومخطوطاتها، ودراسة أفكارها والاحتفاء بها بوصفها مفكرة عربية رائدة.

بقلم/ حسين سميسم

من يُمعِن النظر في إنتاج الكاتبة اليمنية أبكار السقاف يشعر بفجوة تاريخية عميقة، فهي تركت ذخيرة فكرية غزيرة، أصيلة في مضمونها، جريئة في طرحها، بليغة في أسلوبها، ومع ذلك ظلّت طيّ الكتمان، بعيدة عن أعين المثقفين والقرّاء. رحلت بهدوء قبل نحو عقدين ونصف، تاركةً وراءها إرثا فكريا امتدّ لأكثر من نصف قرن من البحث والتأليف، لم تحظَ به غالبية المهتمين بالشأن الثقافي العربي.

فكر يتجاوز المألوف

ظهرت أبكار السقاف في حقبة فارقة من تاريخ الفكر العربي الحديث، حقبة تشكّل فيها الوعي التحرّري بعد الحرب العالمية الأولى، وبرز فيها مفكرون أمثال سلامة موسى، وعلي عبد الرازق، وطه حسين، والعقاد. وفي الوقت الذي كان فيه المشهد الثقافي يتأهب لاستكمال مشروع التحديث، وجدت أبكار السقاف نفسها في مصر، حيث تداخلت مرحلة صعود القومية العربية مع بقايا الثقافة الدينية المذهبية، فعملت على مسك الخيط التاريخي المنسيّ للمسألة الدينية، بعيدا عن الغيبيات والتقديس، قريبا من الواقع البشري.

تناولت في كتاباتها تاريخ الأنبياء—موسى وعيسى ومحمد—وعرضت تاريخ الأديان من الصينية والهندية إلى المصرية القديمة والإسلامية، بعمق علمي وهدوء بحثي، دون هدف سياسي آني يفنى بزوال الحزب أو الزعيم. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل تطرّقت إلى تاريخ المتصوفة الكبار كالسهروردي والحلاج، منهلةً من المصادر الأولية، وقارئةً الأحداث بقراءة نقدية تكشف التناقضات المتراكمة في الروايات التقليدية.

جرأة في السؤال، وضوح في الرؤية

ما يميّز كتابات السقاف هو قدرتها على قراءة النصوص الدينية قراءة تاريخية، ووضعها في سياقها البشري العام، بعيدا عن الإطلاقية والقداسة الزائفة. تحرّرت في بحوثها من السُّنّة النبوية وتواريخها المزيّفة، وكونت سلاسل تاريخية مترابطة تجعل القارئ يُعيد التفكير في مجمل المفاهيم التي تلقّاها جاهزةً. وقد برهنت على معرفة دقيقة بالقرآن وعلومه وتاريخه، عرضتها بسلاسة وتسلسل منطقيّ أخّاذ.

إنها لم تكتب لإثارة جدل عابر، بل طرحت سؤالا جوهريا: كيف يمكن للدين أن يكون جزءا من تاريخ البشرية دون أن يصبح عائقا أمام تطورها؟ وقد أجابت بأن الدين فقرة من عمود التاريخ، لا العمود الفقري له.

نسيان متعمّد أم إهمال مقصود؟

من المفارقات أن كتابات هذه (المفكّرة) الكبيرة غابت عن المشهد الثقافي العربي منذ أواخر الخمسينيات، رغم حساسية موضوعاتها وبلاغة أسلوبها. فقد منعت كتبها من الصدور في عهد جمال عبد الناصر، وجرى تجميد الواقع الثقافي لصالح هيمنة المؤسسة الدينية. وبدلا من استكمال مشروع التحرر الفكري، ذهبت الأنظمة القومية إلى شيوخ الجوامع والمرجعيات الدينية، فتوسّع الأزهر وأصبح جامعة رسمية، وأسست إذاعة القرآن الكريم في مصر، وبُنيت القواعد المادية لصعود التيارات الدينية، حتى أصبح الطريق سالكاً أمامها للوصول إلى السلطة.

ولم يكن المشهد مصرياً فحسب، ففي العراق اعترف عبد الكريم قاسم بخريجي كلية الفقه، وسمح لبعض التيارات الدينية بالتعبير من الاذاعة الرسمية، واعطاهم يوما أسبوعيا لتقديم رأيهم، فيما زُجّ بالعناصر التقدمية في السجون. وتكرّر السيناريو في الجزائر وليبيا وسوريا واليمن، حيث ساهمت الأنظمة بشكل مباشر أو غير مباشر في صعود التيارات الدينية المتطرفة.

سرقة صامتة ونسيان مقصود

لعلّ من أكثر ما يُحزن في قصة أبكار السقاف هو أن من اطّلع على كتاباتها من المثقفين لم يُسهم في إبقاء ذكراها حية. لم يكتبوا عنها، ولم ينقدوا نتاجها، ولم يُعرّفوا القارئ بهذه القامة. نهل منها فرج فودة وخليل عبد الكريم ونصر حامد أبو زيد، واعتمد سيد محمود القمني في كتابه الحزب الهاشمي بشكل كبير على كتابها الدين في شبه الجزيرة العربية، ومع ذلك لم يُشر إليها.

نداء للإنصاف

إننا بحاجة ماسّة إلى إعادة اكتشاف إرث أبكار السقاف الفكري. ولو بعد أكثر من نصف قرن على صدور معظم كتاباتها، فإن حاجتنا إليها تزداد يوما بعد يوم. نهيب بأصحاب الشأن ممن تتوفر لديهم مخطوطاتها بطباعتها ونشرها، وندعو كل المواقع الثقافية الشريفة إلى وضع كتبها في متناول الجمهور.

إنها ليست مجرد كاتبة يمنية راحلة، إنها (مفكّرة) عربية كبرى، وضعت حجر أساس لقراءة نقدية للتاريخ الديني، تستحق أن تُدرَّس وتُناقش وتُحتفى بها، لا أن تبقى أسيرة النسيان.

مؤلفاتها:

1. الدين في مصر القديمة

2. الدين في الهند والصين وإيران

3. الدين في شبه الجزيرة العربية

4. الحلاج

5. السهروردي

6. إسرائيل وعقيدة الأرض الموعودة

7. همسة في أذن إسرائيل (بالإنجليزية)

8. محمد النبي (لم ينشر)

9. المسيح (لم ينشر)

10. النبي موسى (توفيت قبل إتمامه)

11. مقدمة اللغات (لم ينشر)

12. أصداء متفرقة (قدّم له مهدي مصطفى)

13. الليل والقلم (شعر، لم ينشر)