الأربعين… حين تتحول الخطى إلى ذاكرة، وكربلاء إلى ضمير

حوار موسّع في ندوة مركز الحضارات للثقافة والآداب

د. سلام قاسم

رئيس تحرير جريدة مدار الناس

لم تعد زيارة أربعينية الإمام الحسين عليه السلام، مناسبة دينية تُقرأ في حدود الطقوس والشعائر وحدها، ولا حدثاً موسمياً ينتهي بانفضاض الجموع عن الطرق المؤدية إلى كربلاء؛ فقد تحولت، عبر امتدادها التاريخي واتساعها الإنساني، إلى ظاهرة كبرى تتشابك فيها العقيدة بالذاكرة، والهوية بالتضامن، والتاريخ بالحاضر، والوجدان الفردي بالضمير الجمعي.

إنها ليست مجرد رحلة إلى مكان، بل عودة إلى معنى؛ وليست حركة أجساد على الطرقات فحسب، بل مسيرة قيم تعبر الزمن، محمّلة بنداء العدالة ووصية الكرامة الإنسانية.

ومن هذا المنطلق، أقام مركز الحضارات للثقافة والآداب، في الثامن عشر من تموز، ندوة فكرية بعنوان:

"أربعينية الإمام الحسين عليه السلام: الهوية، الذاكرة، المجتمع… مقاربات ثقافية لظاهرة عالمية".

وجاءت الندوة محاولة جادة للعبور بموضوع الأربعينية من ضفاف الخطاب الاحتفالي إلى ميدان البحث والتحليل، من خلال مقاربات تستند إلى التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، من دون أن تفقد المناسبة روحها الدينية أو تُنتزع منها خصوصيتها العقدية والوجدانية.

ظاهرة تتجاوز حدود الطقس

في افتتاح الندوة، أكد مدير المركز الدكتور محمد الكاظم أن زيارة الأربعين تجاوزت إطار المناسبة الدينية، لتصبح ظاهرة إنسانية وثقافية عالمية تستحق الدراسة والتأمل.

فالزيارة لا تختصرها حركة ملايين الزائرين نحو كربلاء، ولا تكفي الصور الملتقطة على الطرقات لفهم معناها العميق؛ إذ يقف وراء هذا المشهد نسيج واسع من القيم والعلاقات والرموز، تتجسد فيه معاني التكافل والإيثار والتطوع والضيافة والعمل الجماعي.

وفي كل عام، يعيد المجتمع العراقي اكتشاف قدرته على البذل؛ فتضيق المسافة بين الغريب والقريب، وتتحول البيوت إلى محطات ضيافة، والطرقات إلى موائد مفتوحة، والناس إلى خيوط في نسيج إنساني واحد.

وتتجاوز الزيارة حدود اللغة والجغرافيا والقومية، لتجمع بشراً قدموا من بيئات مختلفة، لكنهم التقوا عند رمز واحد ومعنى واحد. ومن هنا، فإن النظر إليها بوصفها طقساً دينياً فقط لا يكشف جميع أبعادها، كما أن اختزالها في الجانب الاجتماعي وحده يهمل جذورها الروحية والعقدية. أما القراءة المتوازنة، فترى فيها جسراً يصل المقدس بالإنساني، والعقيدة بالسلوك، والذاكرة بالفعل.

كربلاء… ذاكرة لا تنطفئ

تناول الباحث الإسلامي السيد علي الطالقاني الجذور التاريخية والعقدية لزيارة الأربعين، وفلسفتها الدينية، وأثرها في ترسيخ منظومة القيم.

فالزيارة، وفق هذه القراءة، ليست استذكاراً لواقعة تاريخية بعيدة، بل فعل متجدد يستحضر معاني التضحية والعدل والكرامة، ويربط الذاكرة الدينية بالسلوك الأخلاقي والاجتماعي.

لقد خرجت كربلاء من حدود التاريخ لتصبح رمزاً حياً يُستدعى كلما اشتد الصراع بين الحق والباطل، وكلما احتاج الإنسان إلى مثال يذكّره بأن الكرامة لا تُقاس بطول العمر، بل بالموقف الذي يتخذه في لحظة الاختبار.

ومن هنا، لا يكتسب استحضار واقعة الطف معناه من الحزن وحده، بل من القيم التي زرعتها في الوعي الجمعي؛ وفي مقدمتها رفض الظلم، والدفاع عن الحق، والتمسك بحرية الإنسان وكرامته.

وبهذا المعنى، تغدو الزيارة وسيلة لربط الأجيال المتعاقبة بمنظومة أخلاقية تتجاوز زمن الواقعة، وتحول الذاكرة من حكاية تُروى إلى موقف يُعاش.

حين يصبح الطريق وطناً مؤقتاً

أما عالم الاجتماع الدكتور مزهر الخفاجي، فقد قدم قراءة اجتماعية وثقافية ركزت على قيم التطوع والإيثار والعمل الجماعي، وما تجسده الزيارة من ثقافة ضيافة عراقية أصيلة.

فخلال موسم الأربعين، تتشكل شبكة اجتماعية واسعة يشارك فيها ملايين الأفراد والمواكب والمبادرات الأهلية، لتقديم الطعام والماء والإيواء والخدمات الصحية والنقل والمساعدة، من دون انتظار مقابل مادي.

على الطريق إلى كربلاء يتغير معنى الملكية؛ فالبيت يصبح بيتاً للجميع، والطعام لا يبقى حكراً على أصحابه، والماء يُقدَّم قبل أن يُطلب، والتعب يتحول إلى شرف الخدمة.

ويكشف هذا السلوك عن طاقة تضامنية كامنة في المجتمع العراقي، تظهر بأصفى صورها خلال الزيارة. فالمجتمع الذي يبدو مثقلاً بالانقسامات يعيد، في موسم الأربعين، اكتشاف قدرته على التنظيم والتعاون والالتقاء حول قيمة مشتركة.

ولعل المفارقة الأعمق أن مجتمعاً يعاني ضعفاً في كثير من مؤسساته الرسمية، ينجح في إقامة منظومة شعبية هائلة، تقوم على الثقة والتكافل والمبادرة الذاتية.

الزيارة أرشيفاً حياً للهوية

وفي المحور الثالث، تناول الباحث والأكاديمي الدكتور فائز الشرع الزيارة بوصفها منظومة ثقافية حية تنتج الرموز وتحفظ الذاكرة الجمعية.

فالزيارة لا تكرر رموزها بصورة جامدة، بل تعيد صياغتها في كل جيل وفق تحولات المجتمع والثقافة، لتصبح أرشيفاً متجدداً للهوية العراقية، لا يُحفظ في الخزائن، بل في الخطوات والرايات والأهازيج والقصص وصور الخدمة والتضحية.

والذاكرة الجمعية ليست مجرد احتفاظ بالماضي، بل هي الطريقة التي يختار بها المجتمع أحداثه الكبرى، ويمنحها المعنى، وينقلها إلى أبنائه. ومن هذه الزاوية، تمثل الأربعينية واحدة من أضخم عمليات إنتاج الذاكرة؛ لأنها تجمع المكان بالتاريخ، والرمز بالممارسة، والعقيدة بالمشاركة الجماهيرية.

كل خطوة على الطريق تحمل معنى، وكل موكب يروي حكاية، وكل يد تمتد بالخدمة تضيف سطراً جديداً إلى سجل الذاكرة.

من حرارة الوجدان إلى رصانة البحث

تميزت الندوة بتعدد زوايا النظر إلى الزيارة، بدلاً من حصرها في خطاب واحد. فالجذور العقدية تمنحها معناها الروحي، والدراسات الاجتماعية تكشف أنماط التضامن والتفاعل، فيما توضح الدراسات الثقافية دور الرموز في تشكيل الهوية وحفظ الذاكرة.

وهذا التعدد لا ينتقص من قدسية المناسبة، بل يوسع دائرة فهمها، وينقل النقاش من تكرار العبارات المألوفة إلى طرح أسئلة تتعلق بالتنظيم الاجتماعي، والعمل التطوعي، والاقتصاد غير الربحي، وإدارة الحشود، والقوة الناعمة.

ولا يعني الانتقال من الاحتفاء العاطفي إلى التوثيق العلمي إطفاء حرارة الوجدان، بل يمنح الظاهرة عمقاً، ويحميها من التبسيط والتوظيف السطحي. فالعاطفة تحفظ حرارة الحدث، أما البحث فيحفظ معناه.

الأربعين… وجه العراق الآخر

تمثل زيارة الأربعين واحدة من أبرز صور القوة الناعمة العراقية؛ فهي تقدم للعالم صورة تقوم على الكرم والتضامن والتطوع واستقبال الملايين.

فالعراق الذي يظهر في موسم الأربعين ليس البلد الذي تختصره نشرات الأخبار في الحروب والأزمات، بل مجتمع يمتلك قدرة استثنائية على الضيافة والتنظيم وتحويل الألم التاريخي إلى طاقة إنسانية.

غير أن تقديم هذه الظاهرة إلى العالم يتطلب عملاً علمياً وإعلامياً منظماً، يستند إلى الدراسات والبيانات والأفلام الوثائقية والشهادات الإنسانية، بعيداً عن المبالغة والخطاب الدعائي.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إنشاء وحدات بحثية متخصصة، وإقامة مؤتمرات سنوية، وإصدار دراسات بلغات أجنبية، وتأسيس أرشيف رقمي يضم الصور والشهادات والإحصاءات، مع إشراك الجامعات والباحثين الشباب في دراسة الظاهرة بأبعادها المختلفة.

ذاكرة تمشي نحو المستقبل

يُحسب لمركز الحضارات للثقافة والآداب أنه تناول موضوعاً دينياً حساساً بلغة علمية متزنة، تحترم المعتقد ولا تغلق أبواب السؤال والتحليل. وقد نجحت الندوة، من خلال تنوع محاورها وحسن اختيار المشاركين، في الجمع بين حرارة الإيمان ورصانة المعرفة.

لكن التحدي الأهم يبقى في قدرة المجتمع على نقل روح التضامن التي تظهر على طرق كربلاء إلى سائر أيام السنة؛ فالقيم التي تستحضرها الزيارة، من عدل وتكافل وكرامة وإيثار، لا تبلغ معناها الكامل إذا بقيت محصورة في موسم عابر.

إن زيارة الأربعين ليست استعادة للماضي فحسب، بل ذاكرة تتحرك في الحاضر وتسهم في تشكيل المستقبل. وفي الطريق إلى كربلاء لا تمشي الأقدام وحدها؛ تمشي معها ذاكرة أمة، ونداء عدالة، وحلم بأن تتحول القيم المرفوعة على الرايات إلى حياة تُعاش، وأن يبقى الحسين، عليه السلام، ضميراً حياً يوقظ في الإنسان شجاعته كلما حاول الظلم أن يجعله يصمت.