الحقوق وماهيتها في القانون الطبيعي
أبرز النقاط
- • نشأ مفهوم الحق مرتبطاً بمفهومي العدالة والقضاء، وليس بوصفه امتيازاً فردياً معزولاً.
- • يرى توما الأكويني أن القانون الطبيعي سابق على التشريع البشري، وأن العقل قادر على إدراك المبادئ الأساسية للخير والعدالة.
- • تقوم الفلسفة التوماوية على التلازم بين الحقوق والواجبات، وعلى إعطاء كل إنسان ما يستحقه.
- • قدّم هوبز مفهوماً مختلفاً للحق، إذ ربطه بحرية الإنسان في حالة الطبيعة وعدم خضوعه للقيود.
- • رفض جيرمي بنتام فكرة الحقوق الطبيعية، ورأى أن الحقوق لا توجد فعلياً إلا عندما ينشئها القانون الوضعي.
- • حاول جون ستيوارت ميل التوفيق بين حرية الفرد والمنفعة العامة، معتبراً الحرية ضرورة لازدهار المجتمع.
- • مصدر القانون الوضعي هو إرادة الدولة، بينما يستمد القانون الطبيعي إلزامه من العقل والطبيعة الإنسانية.
بقلم/ عز الدين محمد ابو بكر
نحن حين نتحدث عن "الحق" فإننا نشير إلى أنه مفهوم يبدو بديهياً في الاستعمال اليومي، لكنه يخفي تحته طبقات فلسفية متراكمة عبر قرون من الجدل؛ فالحق ليس مجرد امتياز يمنحه القانون الوضعي لصاحبه، بل هو، في جذوره الفلسفية الأولى، تعبير عن علاقة أعمق بين الإنسان وطبيعته العاقلة من جهة، وبين الإنسان ومجتمعه من جهة أخرى. ويشير جون فينيس إلى أن كلمة "حق" في أصلها اللاتيني "ius" ترتبط بجذر واحد يوحّد بين العدالة والفقه والقضاء، وهذا الترابط اللغوي ليس مصادفة عابرة، بل يكشف لنا أن فكرة الحق ولدت أصلاً متلازمة مع فكرة العدالة، لا سابقة عليها ولا لاحقة بها، ومن هنا يبدأ مسارنا وهو من محاولة فهم كيف نشأ هذا التلازم، وكيف تحوّل تدريجياً إلى الحقوق التي نعرفها اليوم.
ولفهم الجذور الأولى لمفهوم الحق، لا بد من العودة إلى توما الأكويني، الذي يمثل الذروة الفلسفية للتقليد الكلاسيكي في القانون الطبيعي؛ فتوما الأكويني، كما يوضح فينيس، لم يستخدم صيغة الجمع "حقوق" بالمعنى الحديث، لكن هذا لا يعني أنه أنكر مفهوم الحق الذاتي المنسوب لشخص بعينه، فحين يُعرّف العدالة بأنها الاستعداد الثابت لإعطاء الآخرين ما هو خاصتهم، ينتقل الأكويني فوراً إلى معاملة هذه العبارة بوصفها مرادفة لحقهم الخاص، أي أن الحق عنده مرتبط عضوياً بالواجب المقابل له؛ فلا يوجد حق بلا واجب يقابله عند طرف آخر، ولا عدالة إلا حين يُعطى كل ذي حق حقه، وهذا التلازم بين الحق والواجب هو حجر الزاوية في الفلسفة التوماوية للقانون.
وينطلق الأكويني، تبعاً لأفلاطون وأرسطو من قبله، من فكرة أن هناك معايير حقيقية وصالحة للسلوك القويم موجودة سابقة على أي اختيار بشري فردي أو جماعي؛ فالقانون الطبيعي بحسب هذا التصور، ليس نتاج اتفاق أو تشريع، بل هو إدراك عقلي لحقائق موضوعية تسبق كل تنظيم إنساني، ولا يمكن لأي تشريع وضعي أن يُلغيها مهما انتُهكت أو تُجوهلت، وقد وضّح فينيس أن هذه المعايير تمتد إلى ما هو أبعد من أمن الفرد الشخصي، لتشمل الحفاظ على نظام اجتماعي سليم، وأن العدالة في الروح الفردية تعكس العدالة في بنية المجتمع بأسره، بحيث تصبح طبيعة الفرد وطبيعة المجتمع السياسي وجهين لحقيقة واحدة يعكس أحدهما الآخر.
في المقابل، يمثل توماس هوبز قطيعة جذرية مع هذا التقليد الكلاسيكي بأكمله؛ فبينما يربط الأكويني الحق بالواجب المقابل له، يعرّف هوبز "الحق" بوصفه حرية بمعنى الغياب التام للواجب، أي أن الإنسان في حالة الطبيعة يمتلك أكبر قدر من الحقوق لأنه لا يخضع لأي واجب تجاه غيره، وهذا التصور كما يشير فينيس بوضوح، يمثل تراجعاً فلسفياً وسياسياً وأخلاقياً في آن واحد، لأنه إذا لم يكن لأحد واجب تجاه أي شخص آخر، فسيصبح الجميع عرضة لإعاقة أفعالهم من قبل الجميع دون ضابط، ويفقد مفهوم الحق معناه العملي الفعلي؛ فالحق عند هوبز مفهوم فردي معزول قائم على القوة الطبيعية، لا مفهوم علائقي متبادل قائم على العدالة كما عند الأكويني، وهذا الاختلاف الجوهري سيرسم مسارين متباعدين تماماً في فلسفة القانون الحديثة.
ويأتي جيرمي بنتام، مؤسس المذهب النفعي في القرن الثامن عشر، ليقدّم قطيعة أخرى مع التقليد الطبيعي، وإن كانت من زاوية مختلفة عن هوبز، فبنتام رفض فكرة الحقوق الطبيعية السابقة على التشريع رفضاً قاطعاً، واصفاً إياها بعبارته الشهيرة بأنها "هراء على ركائز"، معتبراً أن الحق لا وجود له إلا حين يخلقه القانون الوضعي فعلياً عبر فرض التزام محدد على طرف لصالح طرف آخر، وقد امتد هذا المنهج النفعي لاحقاً عند جون ستيوارت ميل، الذي حاول تلطيف صرامة بنتام النفعية بربط الحقوق بمبدأ المنفعة الاجتماعية العامة على المدى الطويل، مقدّماً حرية الفرد بوصفها ضرورة نفعية لازدهار المجتمع ذاته، لا قيمة طبيعية مطلقة قائمة بذاتها كما عند الأكويني؛ وبذلك يمثل بنتام وميل معاً الأساس الفلسفي المبكر لما سيتطور لاحقاً إلى المدرسة الوضعية القانونية.
وهنا يتضح لنا الفارق الجوهري بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي، وهو فارق يتعلق أساساً بمسألة الإرادة ومصدرية الإلزام، فالقانون الوضعي كما يوضح العلامة سمير تناغو، هو "القانون الصادر عن إرادة الدولة"، الذي تُعبّر عنه هذه الإرادة عبر التشريع أو العرف أو القضاء، وينفَّذ بواسطة أجهزة الدولة ذاتها، ويؤكد دكتور تناغو أن العلاقة بين القانون والدولة علاقة تبادلية؛ فالقانون يعتمد في وجوده ونفاذه على الدولة، والدولة بدورها تخضع لهذا القانون، بحيث لا وجود لقانون قبل ظهور الدولة، وتنتهي سلطة القانون حين تنهار الدولة وتقع فريسة الفوضى. أما القانون الطبيعي فمصدره مختلف جذرياً؛ لأنه لا يستمد إلزامه من إرادة سلطة سياسية، بل من طبيعة العقل الإنساني ذاته حين يدرك ما هو خير وما هو شر بمعزل عن أي تشريع بشري.
ولا ينبغي الخلط، كما يحذّر يناغو بدقة، بين الوضعية القانونية والوضعية الفلسفية، رغم اشتراكهما في المصطلح وتداخلهما التاريخي، فالوضعية الفلسفية، التي ترجع في نشأتها إلى الفيلسوف الإنجليزي بيكون ثم أوجست كونت، اتجاه تحليلي منطقي تجريبي يرفض كل معرفة ميتافيزيقية، ويرى أنه "لا توجد معرفة حقيقية إلا تلك التي تعتمد على التجارب الواقعية"، وفي مجال الأخلاق يؤمن الوضعيون بالنسبية إلى أقصى حد، فلا وجود عندهم لقواعد أخلاقية مطلقة أو قانون طبيعي خالد، أما الوضعية القانونية فهي إيمان بأن القانون الوضعي وحده هو القانون المعتبر، وهذا لا يستلزم بالضرورة اعتناق الفلسفة الوضعية بأكملها، إذ يمكن لشخص أن يكون وضعياً قانونياً دون أن يكون وضعياً فلسفياً، وإن كان التداخل التاريخي بين الاتجاهين، كما يشير يناغو، قد أدى إلى غموض كبير في فهم الاتجاه الوضعي في القانون.
وإذا انتقلنا من هذا التمييز الفلسفي الدقيق إلى السؤال العملي الأهم، وهو كيف تصبح الحقوق فعلية وقابلة للمطالبة؟
نجد أن فينيس يستعين بتحليل هوهفيلد الشهير من أواخر القرن التاسع عشر، الذي ميّز بين أربعة أنماط من الحقوق وهي؛ المطالبة التي يقابلها واجب على طرف آخر، والحرية المحمية بعدم تدخل الغير، والسلطة المعزَّزة بواجب المسؤولين على الاعتراف بأفعال صاحب الحق، والحصانة التي يحميها واجب مماثل بعدم التدخل في مركز صاحبها القانوني. وهذا التصنيف الدقيق يوضح أن الحق، مهما تنوعت صوره، لا معنى عملياً له بمعزل عن واجب مقابل يقع على طرف آخر، سواء أكان هذا الطرف فرداً أم مؤسسة أم الدولة نفسها، وهذا يعيدنا إلى نقطة البداية التوماوية وهي لا حق بلا واجب مقابل.
وتقدّم فلسفة القانون الطبيعي، كما يوضح فينيس، رؤية أعمق حين تربط الحقوق بمفهوم "الخيرات الإنسانية الأساسية"، مؤكداً أنه "ما من نظرية للحقوق يمكن أن تكون مرضية ما لم تهتم بمسألة الجوانب الأساسية لرفاهية الإنسان". فالحقوق - من هذا المنظور - ليست قائمة اعتباطية من الامتيازات، بل انعكاس لحاجات إنسانية جوهرية يشترك فيها كل البشر بحكم طبيعتهم العاقلة المشتركة، وهذا هو بالضبط الأساس الفلسفي الذي سيُبنى عليه لاحقاً مفهوم حقوق الإنسان العالمية، والتي تفترض أن هناك حداً أدنى من الحقوق يستحقه كل إنسان لمجرد كونه إنساناً، بصرف النظر عن جنسيته أو دينه أو انتماءاته الأخرى.
وهذا التصور تحديداً هو ما تجسّد لاحقاً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تبنّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 غداة الحرب العالمية الثانية وما كشفته من فظائع الاستبداد المطلق؛ فالإعلان يفترض بروح قريبة من التقليد الطبيعي الكلاسيكي، وجود حقوق أساسية متأصلة في الكرامة الإنسانية ذاتها، لا يمنحها القانون الوضعي بل يُقر بها ويحميها، مثل الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي، وحرية الاعتقاد والتعبير، والمساواة أمام القانون، وهذا يعني أن الإعلان، رغم أنه وثيقة قانونية وضعية بامتياز صادرة عن إرادة دولية جماعية، يستند في تبريره الفلسفي إلى فكرة حقوق سابقة على الدولة ذاتها، وهذا بالضبط ما يفسّر لماذا نصف بعض الحقوق بأنها "أساسية" لا يجوز لأي دولة، مهما بلغت سيادتها، أن تصادرها أو تنتهكها بحجة القانون الوضعي المحلي.
غير أن هذا التصور المثالي للحقوق يصطدم بمساءلة جذرية حين ننظر إليه من زاوية الاقتصاد السياسي الماركسي. فالفكر الماركسي لا يرى في الحقوق قيماً مجردة سابقة على التاريخ، بل يراها نتاجاً لعلاقات إنتاج محددة تاريخياً، تنشأ حين تحتاجها طبقة اجتماعية صاعدة لتثبيت مكاسبها وحماية مصالحها، فالحق في الملكية الخاصة مثلاً الذي يبدو حقاً طبيعياً بديهياً في الفلسفة الليبرالية، ليس سوى تعبير قانوني عن علاقة طبقية محددة نشأت مع صعود البرجوازية التجارية والصناعية، احتاجت قانوناً وضعياً يحمي تراكمها من مصادرة الدولة المطلقة أو مطالبة العمال المشتركة. وبهذا المعنى، فإن ما يبدو حقاً "طبيعياً" أزلياً قد يكون، من هذا المنظور النقدي، حقاً وُلد في لحظة تاريخية محددة لخدمة مصلحة طبقية بعينها.
ولا يعني هذا النقد الماركسي بالضرورة إنكار قيمة الحقوق ذاتها، بل يفرض سؤالاً منهجياً أعمق وهو من الذي يملك القوة الفعلية لتحويل "الحق" من مبدأ فلسفي مجرد إلى واقع قانوني قابل للمطالبة والتنفيذ؟ فالتحليل الطبقي يكشف أن إعلان حق ما على الورق لا يكفي لجعله فعلياً، إذ يحتاج آلية اجتماعية واقتصادية تحميه مثل محكمة تُنفّذه، وسلطة تحرسه، وطبقة اجتماعية لديها مصلحة في استمراره، وهذا يتقاطع من زاوية مختلفة مع تحليل هوهفيلد نفسه الذي يربط الحق بواجب مقابل يقع على مسؤولين فعليين يملكون سلطة الاعتراف والتنفيذ، فالحق بلا جهاز يحميه يبقى مجرد إعلان نظري، مهما بلغت نبل عبارته الفلسفية أو رسوخه في وجدان البشرية الأخلاقي.
ومن هنا تتضح أهمية "المؤسسية" التي يشدد عليها فينيس في دراسته بوصفها بعداً لا غنى عنه لفهم القانون، فالمؤسسات القانونية كالعقد والملكية والمحاكم، ليست مجرد أدوات تقنية محايدة، بل هي التي تمنح النظام القانوني شكله المتميز عن أنواع الترتيب الاجتماعي الأخرى، وهي، كما يوضح فينيس، تدوم بينما الأشخاص وأفعالهم "تأتي وتذهب". لكن هذا الدوام المؤسسي ذاته هو ما يفسّر، من منظور ماركسي، كيف تتحول العلاقات الطبقية القائمة في لحظة تاريخية معينة إلى بنية قانونية تبدو ثابتة ومحايدة، بينما هي في جوهرها ترسيخ لتوازن قوى اجتماعي بعينه، قابل للتغير حين تتغير موازين القوى الطبقية التي أنتجته أصلاً.
وتختلف مضامين الحقوق وتطبيقاتها الفعلية اختلافاً جذرياً من نظام سياسي واقتصادي إلى آخر، وهذا الاختلاف بالذات هو ما يكشف الطابع المزدوج لمفهوم الحق، فالحق في الملكية الخاصة يعني شيئاً مختلفاً تماماً في نظام رأسمالي عنه في نظام يقوم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، والحق في العمل يُفهم بصورة مختلفة جذرياً في اقتصاد السوق الحر عنه في اقتصاد مخطط مركزياً؛ وهذا التباين لا ينفي وجود جوهر إنساني مشترك تسعى إليه فكرة الحقوق الأساسية كما تصورها الأكويني وفينيس، لكنه يذكّرنا بأن ترجمة هذا الجوهر إلى قانون وضعي فعلي تمر دائماً عبر بنية اقتصادية واجتماعية محددة، تحدد من يحصل فعلياً على حقه ومتى وكيف.
والحقوق تقف دوماً عند تقاطع حساس بين بُعدين لا ينفصلان؛ الأول بُعد أخلاقي فلسفي يبحث عن أساس إنساني مشترك يستحقه كل بشر بحكم كرامته الذاتية، والثاني بُعد اجتماعي تاريخي يحدد من يملك فعلياً القوة لتحويل هذا الاستحقاق الأخلاقي إلى واقع قانوني ملموس، وفهم هذا التوتر الدائم بين المثال الفلسفي والواقع الطبقي هو، في نهاية المطاف، ما يمنح دراسة فلسفة الحقوق قيمتها الحقيقية، فهي ليست بحثاً عن إجابة نهائية جاهزة، بل مساءلة مستمرة لكل حق نظن أننا نملكه، عن أساسه الحقيقي، وعن الجهة التي تحرسه فعلياً، وعن الثمن الذي دُفع تاريخياً كي يصبح هذا الحق واقعاً لا مجرد كلمة على الورق، ويجدر بنا التوقف عند الأثر التمهيدي الذي لعبه إيمانويل كانط في تمهيد الطريق أمام هذا الاتجاه (القانون الوضعي)، دون أن يكون كانط نفسه وضعياً بالمعنى الذي عند كونت لاحقاً، فكانط كما يشير تناغو، كان "ينكر إمكان الوصول إلى أي معرفة ميتافيزيقية عقلية"، أي أنه رسم حدوداً صارمة لقدرة العقل البشري على إدراك الأشياء في ذاتها، مقتصراً بها على عالم الظواهر القابلة للتجربة.
غير أن نقد كانط، على خلاف الوضعية التجريبية الصريحة، لم يكن إنكاراً للأخلاق أو للقانون الطبيعي بوصفه مطلباً عقلياً، بل كان محاولة لتأسيس أخلاق عقلانية مستقلة عن الميتافيزيقا الدينية التقليدية، وهذا الفارق الدقيق بين شكوك كانط النقدية وبين رفض الوضعيين اللاحقين لكل ما هو غير تجريبي هو ما يجعل من الخطأ اعتبار كانط رائداً مباشراً للفلسفة الوضعية، رغم إسهامه غير المباشر في تمهيد أرضيتها الفكرية، ومن أبرز من طوّر الوضعية القانونية إلى صيغتها الأكثر صرامة واكتمالاً منهجياً هو هانز كلسن، الفيلسوف القانوني النمساوي الذي أشار إليه دكتور سمير تناغو بوصفه أحد كبار المنحازين لهذا الاتجاه في الولايات المتحدة بعد هجرته إليها. فقد سعى كلسن إلى تنقية علم القانون من كل ما هو أخلاقي أو سياسي أو اجتماعي، مقترحاً "نظرية القانون الخالصة" التي تُرجع صحة كل قاعدة قانونية إلى قاعدة أعلى منها في تدرج هرمي، حتى تصل السلسلة إلى ما أسماه "القاعدة الأساسية" (Grundnorm)، وهي افتراض منطقي مجرد لا مضمون أخلاقياً له، يبرر النظام القانوني بأسره من الداخل دون حاجة إلى الاستناد لأي معيار طبيعي خارجي. وبهذا يمثل كلسن النموذج الأنقى للوضعية القانونية، إذ يمكن للمرء أن يتبنى منهجه الشكلي الصارم دون أن يشترك بالضرورة في كامل افتراضات الوضعية الفلسفية التجريبية عند كونت.
ولعل أخطر ما يكشفه هذا التحول التدريجي نحو الشكلانية القانونية الخالصة هو ما ينبه إليه فينيس حين يصف الفلسفة القانونية المعاصرة بأنها "تشوبها غفلتها عن الشخص البشري". فحين تتحول نظرية القانون إلى بنية منطقية مكتفية بذاتها، كما عند كلسن، أو إلى حساب نفعي مجرد، كما عند بنتام، يغيب تدريجياً السؤال الذي بدأ به الأكويني وهو ما الذي يستحقه الإنسان بوصفه إنساناً، لا بوصفه موضوعاً لحساب منفعي أو حلقة في سلسلة معيارية شكلية؟ وهذا الغياب ليس عيباً تقنياً هامشياً، بل يعكس، كما يلمّح فينيس، اختياراً منهجياً عميقاً في تحديد موضوعات الفقه المعاصر ذاتها، بحيث يصبح ممكناً الحديث عن "الحقوق" باستفاضة تقنية دقيقة دون أن يُطرح أصلاً سؤال الكرامة الإنسانية الذي وحده يمنح هذه الحقوق معناها الأصيل الذي انطلق منه التقليد الطبيعي الكلاسيكي.
وإذا كان هذا الغياب يمثل خطراً من داخل الفقه الغربي ذاته، فإن نقداً آخر لا يقل أهمية يأتي من خارجه، حين تُساءل عالمية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ذاتها، فالنقد ما بعد الكولونيالي يشير إلى أن صياغة الإعلان عام 1948، رغم طموحها الأممي المعلن، جرت في سياق تاريخي هيمنت عليه القوى الغربية على حساب شعوب كانت لا تزال واقعة تحت الاستعمار المباشر وقت صياغته، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى استيعاب هذه الوثيقة لتصورات أخلاقية وحقوقية غير غربية عن الكرامة والعدالة، لكن هذا لا يعني بالضرورة تفنيد مضمون الإعلان أو التنكر لقيمته، لكنه يذكّرنا بأن حتى أكثر المواثيق طموحاً لتجسيد "الحق الطبيعي" الكوني قد تحمل، في تفاصيل صياغتها التاريخية، أثراً لموازين قوى معينة لم تكن يوماً محايدة تماماً، وهو درس يتقاطع مرة أخرى مع النقد الطبقي الماركسي الذي سبق طرحه.
مصادر تم الرجوع إليها:
- تناغو، سمير عبد السيد. النظرية العامة للقانون. الإسكندرية: منشأة المعارف، جلال حزي وشركاه، 1974. (صـ ١٠٩-١١٠).
- Finnis, John. "Natural Law: The Classical Tradition." In The Oxford Handbook of Jurisprudence and Philosophy of Law, edited by Jules L. Coleman, Kenneth Einar Himma, and Scott J. Shapiro, 1–27. Oxford: Oxford University Press, 2004.
- United Nations General Assembly. Universal Declaration of Human Rights. Paris, December 10, 1948.
- Mutua, Makau. "Savages, Victims, and Saviors: The Metaphor of Human Rights." Harvard International Law Journal 42, no. 1 (2001): 201–245.



التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.