العرب بين الغرب والشرق: من يقود مستقبل القيم؟ شرق بلا حريات وغرب بلا عدالة… فأين يقف العربي؟
أبرز النقاط
- لا الشرق ولا الغرب نموذج مطلق: الغرب حقق تقدماً مهماً في الحريات والمؤسسات والمحاسبة، لكنه يواجه تناقضات في تطبيق مبادئ العدالة دولياً، بينما حققت بعض النماذج الشرقية نجاحات في التنمية وقوة الدولة، لكنها كثيراً ما تقيد الحريات والمشاركة السياسية.
- الأزمة العربية أزمة معيار ومشروع: المشكلة ليست في تحديد الحليف الدولي، بل في غياب مشروع عربي واضح يحدد معنى الدولة والحرية والعدالة والمواطنة، ويحول هذه المبادئ من شعارات إلى مؤسسات راسخة.
- العدالة لا تتجزأ: رفض ازدواجية المعايير في السياسة الدولية ينبغي ألا يتحول إلى مبرر للاستبداد الداخلي؛ فالدفاع عن حقوق الشعوب، ومنها حقوق الفلسطينيين، يظل أكثر اتساقاً حين يقترن بالدفاع عن حقوق المواطن وكرامته داخل بلده.
- الاستقلال يبدأ من بناء الدولة: الاستقلال الحقيقي لا يعني الانتقال من محور دولي إلى آخر، بل بناء دولة قانون ذات قضاء مستقل، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، واقتصاد منتج، وتعليم يشجع التفكير والسؤال، ومواطنة تتقدم على العصبيات؛ فالمستقبل لا يصنعه موقع الدولة بين الشرق والغرب بقدر ما تصنعه قدرتها على إصلاح الداخل وصون كرامة الإنسان.
د. سلام قاسم
ليس السؤال اليوم، مع مَن نقف؟ بل، ماذا نريد أن نصير؟ فالعالم العربي، وهو يعبر منعطفاً تاريخياً حاداً، لا يبدو تائهاً في السياسة بقدر ما يبدو مضطرباً في تعريفه للكرامة والمعنى والحق. ومن هنا تتولد المفارقة، نخب تقسّم العالم إلى "غربٍ" إما مقدس أو مُدان، و"شرقٍ" يقدم أحياناً بوصفه "بديلاً مقاوماً"، كأن القيم عُلَب تشترى من رفوف الجغرافيا، لا مبادئ تصنع داخل الإنسان والمؤسسة.
نعم، للغرب سجل استعماري ثقيل لا يحتاج إلى تذكير، لكن الإنصاف يقتضي أن نعترف بأن البنية الليبرالية الحديثة أنتجت منظومات محاسبة، ومساحات تعبير، وتداول سلطة، وقواعد حماية للفرد، وهي أمور لم تكن هدية أخلاقية خالصة، بل ثمرة صراع اجتماعي طويل داخل مجتمعاتهم، ومع ذلك فقد انعكست آثارها عملياً على حياة ملايين المهاجرين، عرباً وغير عرب، حين وجدوا في دول القانون فرصة لتصحيح المسار وبناء حياة أقل قسوة. غير أن الإنصاف نفسه يقتضي أيضاً أن نكف عن تلميع الصورة، فالغرب ليس ملائكة قيم، بل منظومات مصالح تتقن لغة الحقوق حين تخدمها، وتتعثر بها حين تصطدم بحسابات القوة، ويكفي أن نرى اتساع فجوة المعايير عند الحديث عن العدالة الدولية وحقوق الشعوب، وفي مقدمتها فلسطين.
وفي المقابل، لا يصح أن نختزل "الشرق" في أسطورة بديلة عن الغرب. نموذج الصين التنموي، أو قبضة روسيا الأمنية، أو انغلاق كوريا الشمالية، قد يقدّم "فعالية" في الإدارة أو سرعة في القرار أو قدرة على الضبط، لكنه يفعل ذلك غالباً على حساب الفرد، وعلى حساب المجال العام، وعلى حساب حق السؤال نفسه. التنمية الصارمة قد تشيد طرقاً وجسوراً، لكنها لا تنشئ بالضرورة مواطناً حراً، ولا تبني ثقة مستدامة بين الحاكم والمحكوم، ولا تمنح المجتمع مناعة أخلاقية ضد عبادة الزعيم وتقديس الدولة. وهنا بيت الداء، حين يتحول "البديل" إلى ذريعة لإسكات الضمير بحجة "المعركة مع الغرب"، يصبح الاستبداد عبادة وطنية، وتصبح الكراهية سياسة عامة، ويصبح الفشل ميزة لأنه "يرفع شعاراً".
الارتباك العربي، في جوهره، ليس ارتباك معرفة، بل ارتباك معيار. فبعض نخبنا يهلل للطغاة لأنهم "يعادون الولايات المتحدة"، ويدين الغرب لأن موقفه من إسرائيل منحاز، ثم يترك السؤال الأصعب بلا إجابة، وما مشروعنا نحن؟ ماذا نفعل بحرياتنا حين تتاح؟ ماذا نفعل بمواردنا حين تغدق؟ ماذا نفعل بدولنا حين تختطف؟ إن رفض ازدواجية المعايير الخارجية لا يبرر ازدواجية المعايير الداخلية، والاحتجاج على قسوة العالم لا يمنحنا رخصة لجلد مواطنينا، ولا للتفريط بالدولة، ولا لقتل السياسة باسم "المقاومة" أو "الهوية" أو "الممانعة".
من يقود مستقبل القيم إذن؟ ليس الشرق ولا الغرب بوصفهما قدراً أبدياً، بل من يملك القدرة على تحويل القيمة إلى مؤسسة، حرية تحمى بقانون، وعدالة تُصان بقضاء مستقل، وكرامة تقاس بخدمات عامة لا بمهرجانات خطابية، ومواطنة تقدَّم على العصبية، واقتصاد ينتج لا يكتفي بالريع، وتعليم يعلم السؤال لا يدرب على الطاعة. القيم لا جنسية لها، نعم، لكن القيم بلا دولة قانون تبقى قصائد في الهواء، وبلا مجتمع حي تبقى شعارات على الجدران، وبلا نخب شجاعة تبقى مواعظ متأخرة.
الاستقلال الحقيقي ليس أن نبدل تبعية بتبعية، ولا أن نهرب من غرب إلى شرقٍ، بل أن نمتلك معيارنا، أن نأخذ من تجارب العالم ما يخدم الإنسان، ونرد ما يهينه، وأن نكسر عادة "تأليه الحليف" و"شيطنة الخصم"، وأن ننضج سياسياً بما يكفي لنفهم أن العداء لأمريكا لا يصنع مشروعاً، وأن الخصومة مع الغرب لا تعفي من بناء دولة، وأن الانحياز للعدالة في فلسطين لا يكتمل إلا بالانحياز لعدالة المواطن في بلده، وأن الكرامة لا تتجزأ.
ويبقى السؤال الذي لا يهرب منه أحد، هل نريد أن نكون مجتمعاتٍ تتقن شتم الخارج، أم دولاً تتقن إصلاح الداخل؟ وهل نملك شجاعة الاعتراف بأن معركتنا الأولى ليست بين الشرق والغرب، بل بين دولة القانون ودولة الغنيمة، بين المواطن والرعية، بين قيمة الحرية وفتنة الطاعة؟


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.