جدلية إعادة إنتاج السلطة في العراق... قراءة في سيكولوجية الناخب والدولة الزبائنية

أبرز النقاط

  • إعادة إنتاج السلطة تعود إلى العصبية، وسيكولوجية الحشود، والزبائنية السياسية أكثر من جهل الناخب.
  • الناخب يمتلك وعياً بالمشكلات، لكنه يفتقر إلى بديل سياسي موثوق.
  • الزبائنية تحول حقوق المواطن إلى منافع حزبية مقابل الولاء الانتخابي.
  • مقاطعة الانتخابات تُضعف فرص التغيير، وتُبقي الأحزاب التقليدية في السلطة.
  • الإصلاح يبدأ بـالحوكمة، وبناء بدائل سياسية، ومكافحة المال السياسي، وتعزيز الوعي النقدي.

د. رياض البلداوي/ أستاذ جامعي وباحث في علم النفس والاجتماع السياسي

الأزمة:

في كل دورة انتخابية، يتكرر المشهد العراقي بحرارته ومأساويته ذاتهما؛ شوارع تئن تحت وطأة الخدمات المتهالكة، ونقدٌ شعبي لا يتوقف للطبقة السياسية، ولعنة صريحة للفساد والمحاصصة في المقاهي وصفحات التواصل الاجتماعي. لكن، بمجرد أن تُفتح أبواب مراكز الاقتراع وتُغلق صناديقها، تتلاشى حدّة هذه الناقمية لتفرز الخارطة السياسية ذاتها تقريباً، معيدة إنتاج الوجوه والمنظومات التي بُحَّت الأصوات نقداً لها.

تطرح هذه المفارقة الصارخة سؤالاً بليغاً يتجاوز التفسيرات السطحية: هل يتعلق الأمر بـ"جهل سياسي" واسع النطاق يعاني منه الناخب، أم أننا أمام حالة نفسية وجماعية معقدة تحركها ديناميكيات "سيكولوجية الحشود" و"العصبية"، مدعومة بشبكات زبائنية تجرف المعنى الحقيقي للديمقراطية؟

وهم "الجهل السياسي"- الشارع يعرف، لكنه عاجز

من السهل إلقاء التهم على الشارع ووصفه بـ"الجهل" عند تفسير نتائج الانتخابات. لكن الواقع الميداني ينفي هذه الفرضية؛ فالناخب يعايش الفساد يومياً في الدوائر الحكومية، ويرى أثر المحاصصة في القطاع الصحي، والتعليم، والبنية التحتية. وهو يعلم جيداً من ينتهك حقوقه ومن يسيء إدارة الدولة.

الجهل هنا ليس نقصاً في المعرفة، بل هو ما يمكن تسميته بـ"الوعي العاجز". فالمواطن يدرك سوء أداء الطبقة السياسية، لكنه اصطدم مراراً بغياب بديل سياسي منظم وقادر على مواجهة المنظومة العميقة. وأمام هذا الواقع، يصبح التصويت للطبقة الحاكمة، أو الامتناع عنه، نتاج حسابات واقعية مريرة تفضل "السيئ المعروف" على "المجهول المخيف".

من "عصبية" ابن خلدون إلى "حشود" لوبون: كيف يُسلب الفرد إرادته؟

لفهم هذه الظاهرة من زواياها النفسية والاجتماعية، يبرز تقاطع فكري لافت بين مؤرخ الشرق ابن خلدون ومحلل سيكولوجية الغرب غوستاف لوبون؛ فكلاهما انتهى، كلٌّ من زاويته، إلى أن الفرد داخل الجماعة لا يتصرف بالعقلية ذاتها التي يتصرف بها وهو منفرد.

ابن خلدون ومفهوم "العصبية" والانقياد للرمز

قبل قرون من ظهور علم النفس الحديث، أدرك ابن خلدون في "المقدمة" قوة العصبية؛ أي الرابطة الجمعية القائمة على النسب، أو العقيدة، أو المصلحة المشتركة. ويرى ابن خلدون أن الفرد داخل الجماعة يُساق بدافع حماية جماعته والالتفاف حول رئيسها أو حاميها، حتى وإن كان يدرك عيوبه في جلساته الخاصة.

فالسلوك الفردي يخضع لقانون النصرة والتضامن؛ فيغدو تصويت الفرد لابن عصبيته أو لمكونه ليس تقييماً لإنجازه، بل استجابة لنداء حماية الجماعة من الانهيار أمام المكونات المنافسة.

غوستاف لوبون وذوبان العقل الفردي

يلتقي غوستاف لوبون، في كتابه "سيكولوجية الجماهير"، مع الرؤية الخلدونية، مؤكداً أن الفرد، عندما يندمج في حشد أو جماعة، يتنازل عن عقلانيته ونقده الذاتي لصالح عقل جمعي تحركه العواطف والغرائز، وفي مقدمتها الخوف والشعور بالانتماء.

وتتجلى هذه التحليلات في الواقع الانتخابي عبر ثلاث آليات رئيسة:

أولاً: تسييس الخوف والهوية

تُدرك الأحزاب النافذة قوة العاطفة الجمعية (العصبية)، فتستدعي في خطابها الانتخابي هواجس الوجود والتخويف المكوناتي. ويُشعَر الناخب بأن نقده للسياسي المنتمي إلى مكونه يجب أن يتوقف عند صندوق الاقتراع، لأن أي خيار آخر يعني ـ في نظره ـ إضعاف العصبية أمام "الآخر".

ثانياً: البحث عن "الزعيم الحامي"

كما يرى ابن خلدون ولوبون، فإن الحشود لا تبحث عن البرامج التنموية أو الحقائق المجردة بقدر ما تبحث عن القوة والشعور بالأمان. وفي بيئة يسودها عدم الاستقرار، يتحول السياسي النافذ إلى صاحب عصبية وحامٍ يُراهن عليه، بغض النظر عن حجم الإخفاقات أو الفساد المنسوب إليه.

ثالثاً: العدوى العاطفية

يتلاشى صوت الناقد المنفرد أمام ضجيج التجييش المكوناتي والمهرجانات الانتخابية، حيث تجرف العاطفة الجمعية أي محاولة للتفكير العقلاني المستقل، ويصبح الانتماء للجماعة أقوى من مراجعة الوقائع أو تقييم الأداء.

الزبائنية السياسية: تشويه الديمقراطية وتفريغ الصندوق من معناه

لا يكتمل التفسير النفسي لهذه الظاهرة من دون النظر إلى العامل المادي؛ وهنا يحضر مفهوم الزبائنية السياسية (Clientelism) بوصفه أحد أهم العوامل التي تفسر إعادة إنتاج الطبقة السياسية.

فالزبائنية هي علاقة غير متكافئة بين راعٍ )السياسي الممسك بالموارد) وزبون )المواطن المحتاج)، تُقدَّم فيها الخدمات أو المنافع الخاصة مقابل الولاء الانتخابي.

الزبائنية السياسية: تشويه الديمقراطية وتفريغ الصندوق من معناه

لا يكتمل التفسير النفسي لهذه الظاهرة من دون النظر إلى العامل المادي؛ وهنا يحضر مفهوم الزبائنية السياسية (Clientelism) بوصفه أحد أهم العوامل التي تفسر إعادة إنتاج الطبقة السياسية.

فالزبائنية هي علاقة غير متكافئة بين راعٍ )السياسي الممسك بالموارد) وزبون )المواطن المحتاج)، تُقدَّم فيها الخدمات الحكومية أو المنافع الخاصة مقابل الولاء الانتخابي.

كيف تُجهض الزبائنية التجربة الديمقراطية؟

تحويل "الحق" إلى "مكرمة"

في الديمقراطيات السليمة، يصوّت الناخب بناءً على تقييم السياسات العامة. أما في النظام الزبائني، فتُسلب الخدمات الأساسية من المواطن لتُعاد إدارتها عبر منافذ حزبية، فيشعر بأن الحصول على وظيفته أو خدمته ليس حقاً تكفله الدولة، بل "مكرمة" شخصية من السياسي، يتوجب سداد ثمنها في صندوق الاقتراع.

تخريب مبدأ المساءلة

تُفرغ الزبائنية الانتخابات من وظيفتها الأساسية بوصفها أداة لمحاسبة الفاسدين. فيجد الناخب نفسه مضطراً إلى التصويت لشخص يعلم تماماً أنه أساء إدارة الدولة، لمجرد أنه يوفر له، أو لأسرته، منفعة شخصية ومباشرة.

إغلاق المجال أمام القوى الجديدة

تمتلك الأحزاب الحاكمة موارد الدولة، الأمر الذي يمنحها قدرة كبيرة على توظيفها في بناء شبكات الولاء الزبائني، في حين تعجز الأحزاب الناشئة والمستقلة عن منافسة هذا "السوق السياسي"، مما يكرس إضعاف التنافس الديمقراطي الحقيقي ويحدّ من فرص تداول السلطة.

المقاطعة: الوجه الآخر لسطوة المنظومة

تُظهر نسب المشاركة المنخفضة في الانتخابات أن قطاعاً واسعاً من المواطنين اختار العزوف عن المشاركة. غير أن هذا الامتناع، وإن كان يعبر عن رفض واضح للطبقة السياسية، يصب عملياً في مصلحة الأحزاب التقليدية.

فعندما ينسحب الجمهور الناقد من العملية الانتخابية، تحتفظ الأحزاب التقليدية بقدرتها على الحشد عبر جمهورها العقائدي وشبكاتها الزبائنية، التي تُعبَّأ بكفاءة عالية يوم الاقتراع.

وبذلك، تعود المنظومة السياسية ذاتها إلى سدة الحكم، مستندة إلى قاعدة انتخابية صلبة، حتى وإن كانت تمثل نسبة محدودة من مجموع الناخبين.

خارطة الطريق: كيف نكسر هذه الدائرة المغلقة؟

إن تفكيك هذه المعادلة النفسية والزبائنية ليس أمراً مستحيلاً، لكنه يتطلب العمل على مسارات تتجاوز الدعوات التقليدية إلى "توعية الناخب"، لتصل إلى إعادة هيكلة قواعد اللعبة السياسية والاجتماعية.

تأمين الأمان الاجتماعي خارج شبكات الأحزاب

يتطلب تفكيك الزبائنية تحرير المواطن من ارتهانه المادي للأحزاب. ويتحقق ذلك عبر أتمتة الخدمات الحكومية، وتطبيق الحوكمة الإلكترونية، وتفعيل القوانين التي تضمن توزيع الوظائف والرعاية الاجتماعية وفق معايير الاستحقاق، لا وفق الوساطات والانتماءات الحزبية.

بناء بدائل سياسية مؤسسية

تحتاج القوى الناشئة والمستقلة إلى الانتقال من منطق الاحتجاج والنقد إلى منطق البناء المؤسسي، من خلال تأسيس أحزاب برامجية تمتلك رؤى اقتصادية وخدمية واضحة، بما يتيح للناخب بديلاً آمناً يقلل من مخاوفه تجاه المجهول.

إصلاح النظام الانتخابي وقوانين الأحزاب

يقتضي ذلك تفعيل قوانين النزاهة والشفافية، وتشديد العقوبات على استخدام المال السياسي وموارد الدولة في الحملات الانتخابية، بما يضمن تكافؤ الفرص بين القوى السياسية، ويحد من ظاهرة شراء الولاءات الانتخابية.

استثمار الإعلام وصنّاع الرأي

يتطلب الأمر توجيه الخطاب الإعلامي نحو تبسيط آليات تأثير الانحيازات الطائفية والزبائنية في مستقبل المجتمع، وربطها بصورة مباشرة بجودة الخدمات، ومستوى التعليم، والرعاية الصحية، وفرص العمل، بما يعزز الحس النقدي لدى المواطن ويحد من تأثير التجييش العاطفي.

الخاتمة: تكسير القالب

إن إعادة انتخاب الطبقة السياسية المنتقدة ليست جهلاً، بالمعنى السطحي للكلمة، بل هي محصلة معقدة من الهندسة النفسية للحشود، واستدعاء العصبية التي تعزف على أوتار الخوف والهوية، وتُحاط بشبكات زبائنية تُفرغ الديمقراطية من مضمونها، وتحولها إلى عملية تبادل للمنافع الفردية على حساب مستقبل الوطن.

إن الخروج من هذه الدائرة لا يتوقف عند فهم المشكلة، بل يتطلب إرادة شجاعة لتطبيق وسائل الإصلاح، عبر تحرير لقمة عيش المواطن من هيمنة السلطة، واستعادة معنى الديمقراطية بوصفها حاملةً للحقوق والكرامة، لا سوقاً يُباع فيه الصوت السياسي مقابل الأمن الفردي أو المنفعة الآنية.