"حكايات الطريق"... شبّان عبروا حدود الخوف ليكتبوا سيرة الأنصار

أبرز النقاط

  • • ذاكرة حيّة: تحولت الأمسية إلى شهادة تاريخية، عزّزتها مقتنيات الأنصار التي احتفظت بحكايات أصحابها ورفاق الطريق.
  • • من المطاردة إلى المقاومة: يرصد الكتاب انتقال شبّان من حياة الدراسة والعمل إلى السرية والمنفى، ثم إلى صفوف الأنصار في كردستان.
  • • مفارز الطريق: يوثق دور المجموعات التي نقلت الأنصار بين سوريا وكردستان وسط أخطار الحدود والكمائن والاعتقال.
  • • تضحيات لا تُنسى: يستعيد سِيَر أبي هديل وناهل وأبي إيمان ورفاقهم، بوصفها نماذج للشجاعة والإيثار والصمود تحت التعذيب.

ستوكهولم- خاص لمدار الناس

اعداد- د. سلام قاسم

أمسية توقيع تتحول إلى شهادة حيّة على سنوات المطاردة والمنفى والمقاومة، وتستحضر حكايات شبّان غادروا أحلامهم البسيطة ليواجهوا واحدةً من أكثر مراحل العراق اضطراباً.

احتضنت الجمعية المندائية في ستوكهولم أمسية توقيع كتاب "حكايات الطريق" للكاتب مازن الحسوني، في لقاء ثقافي أدار حواره الشاعر كامل الركابي، وحضره جمهور مهتم بتاريخ الحركة الوطنية العراقية وتجربة الأنصار الشيوعيين.

استهل الركابي الأمسية بتوجيه الشكر إلى الجمعية المندائية على احتضانها اللقاء، وهنأ الحسوني بمناسبة حصوله على عضوية الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق. ثم قدّم إضاءة موجزة على سيرته ومسيرته، قبل أن يفتح معه حواراً عن بدايات الكتابة والظروف التي دفعته إلى تدوين هذه الشهادة، وما أراد أن يحفظه من ذاكرة الطريق والرفاق.

لم تبدأ الأمسية بالطريقة التقليدية التي تكتفي بالتعريف بالكتاب وقراءة مقاطع منه، فقد عرض الحسوني أمام الحضور عدداً من مقتنيات الأنصار التي بقيت شاهدة على تلك المرحلة، "عليجة" كانت تُستخدم لحمل الأغراض، وزناداً نفطياً، وشماغ الشهيد أبي هديل، وسكيناً عُرفت باسم "أمّ الياي"، إلى جانب مسبحة أهداها الشهيد أبو قيس.

لم تكن هذه الأشياء مجرد مقتنيات قديمة، بل بدت كأنها شظايا من حياة كاملة، لكل قطعة منها صاحب وحكاية وطريق قطعته بين الجبال والحدود. وأسهم عرضها في تقريب تجربة الأنصار من جمهور لم يعش معظم أفراده تلك الحياة، ولا يعرف تفاصيلها اليومية إلا من خلال ما كُتب عنها أو تناقلته الشهادات. وكان بين الحاضرين نصيران سابقان حضرا بحكم علاقتهما الشخصية بالكاتب.

من البصرة إلى حياة السر والمطاردة

يستعيد الكتاب، في فصوله الأولى، المناخ السياسي الذي عاشه العراق خلال الحملة التي شنها النظام البعثي على الشيوعيين في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وما رافقها من ملاحقات واعتقالات دفعت كثيرين إلى الاختفاء أو الهرب.

ويتتبع الحسوني حكاية مجموعة من الشباب في أوائل العشرينيات، انتقلوا بصورة مفاجئة من العمل الحزبي شبه العلني، ومن أحلام الوظيفة وتكوين الأسرة بعد التخرج، إلى عالم العمل السري الذي لم يكونوا يمتلكون خبرة سابقة فيه. أصبح همهم الأول ألا يقعوا في أيدي أجهزة السلطة، فغادروا مدينتهم البصرة متوجهين إلى بغداد، على أمل أن تمنحهم المدينة الكبيرة مساحة أوسع للاختفاء.

غير أن العيش في بغداد، وسط بيئة لا يعرفونها ومن دون شبكة أمان واضحة، لم يكن أمراً يسيراً. وتضاعفت المخاطر حين امتدت الملاحقة إليهم، وأُرسل رجال أمن من مدينتهم للبحث عن الهاربين، ثم أُلقي القبض على عدد من رفاقهم. عند ذلك، وصلتهم توجيهات بمغادرة بغداد والتوجه إلى خارج العراق.

لكن الطريق إلى الخارج لم يكن مفتوحاً، فهؤلاء الشباب لم يكونوا يحملون جوازات سفر، ولم يكن أمامهم سوى عبور الحدود سراً باتجاه سوريا، التي كان دخول العراقيين إليها ممكناً آنذاك بالهوية الشخصية. وهكذا وجدوا أنفسهم، في عمر مبكر، ينتقلون من طلاب وموظفين يحلمون بحياة مستقرة إلى مطاردين سياسيين يعبرون الحدود تهريباً.

من الانكسار إلى المواجهة

يرصد "حكايات الطريق" التحول النفسي والسياسي الذي عاشه هؤلاء الشبان بعد نجاحهم في الوصول إلى سوريا، ثم انتقالهم إلى لبنان للالتحاق برفاقهم والانضمام إلى فصائل الشيوعيين الموجودة إلى جانب الفلسطينيين، قبل الاستعداد للعودة إلى كردستان العراق.

كانت الرحلة انتقالاً من الخوف إلى المواجهة، فالفتيان الذين انشغلوا في البداية بالاختباء والنجاة من الاعتقال، اختاروا لاحقاً الانضمام إلى مجموعات الأنصار التي كانت تنشط في كردستان. ولم يعد الطريق بالنسبة إليهم وسيلة للهروب فحسب، بل أصبح مساحة للعودة والمقاومة وتحمل المسؤولية.

ولا يقدّم الحسوني كتابه بوصفه تاريخاً شاملاً لحركة الأنصار، بل شهادة تركز على جانب محدد من حياتها، هو عمل مفارز الطريق. وكانت هذه المفارز مجموعات تتولى، بصورة أساسية، نقل الأنصار بين كردستان وسوريا، فيما كانت مجموعات مؤقتة وموسمية تعمل على إيصال بعضهم إلى إيران.

وبحسب ما يورده الكتاب، كانت سوريا البلد الذي سمح بدخول الأنصار الشيوعيين وسلاحهم وخروجهما بصورة رسمية، في حين لم تسمح تركيا وإيران بذلك، وتعرّض بعض الأنصار للاعتقال أو القتل خلال مرورهم في أراضيهما.

ويركز الكتاب على مجموعة عملت، بين عامي 1983 و 1988، على خط مباشر يربط العراق بسوريا من دون المرور بتركيا، بخلاف مسارات أخرى كانت مستخدمة في مراحل سابقة. وقد جعلت طبيعة المنطقة وخطورة الحدود وطول الطريق من هذه المهمة اختباراً يومياً للشجاعة والانضباط والثقة المتبادلة.

كما يتوقف عند التنوع الذي ميّز أفراد هذه المجموعات، فقد جاؤوا من مدن ومهن وقوميات وأديان مختلفة، لكن قسوة الطريق صنعت بينهم علاقة إنسانية متينة، وساعدتهم على مواجهة العزلة والخوف ومخاطر المهمة. وفي هذا الجانب، لا يوثق الكتاب العمل السياسي والعسكري وحده، بل يوثق أيضاً الصداقة التي تنشأ حين تصبح حياة كل فرد أمانة في عنق رفيقه.

وجوه بقيت على الطريق

تحتل حادثة استشهاد ستة من أفراد إحدى المفارز عام 1984 مكانة مؤثرة في الكتاب. فقد وقعوا في كمين محكم أثناء عبورهم من سوريا إلى كردستان، وتحولت تفاصيل المواجهة، كما يرويها الحسوني، إلى شهادات على الشجاعة والتضحية والوفاء بين الرفاق.

يستعيد الكتاب صورة أبي هديل وهو يقاتل واقفاً ويطلق الهلاهل في قلب المعركة، كأنه في عرس لا في مواجهة موت. واصل إطلاق النار حتى نفدت ذخيرته، ثم سقط وقد أثخنت جسده الطلقات. ويروي رفاقه أنهم وجدوا في سرواله وحده آثار ثلاث عشرة رصاصة، فضلاً عن إصابات أخرى في جسده.

أما ناهل، فقد أُصيب بجروح بالغة جعلت نقله إلى منطقة آمنة، في رحلة تستغرق أكثر من أربع ساعات، أمراً شديد الصعوبة. وإدراكاً منه لخطورة بقائه مع المجموعة، طلب من رفاقه أن يتركوا له مسدساً، ودعا لهم بالسلامة، ثم حثهم على مواصلة الطريق وإنقاذ أنفسهم، من دون أن يضعهم أمام استجداء أو حرج.

وفي تلك اللحظة، جسّد ناهل العبارة التي كان الشيوعيون يرددونها:

"اليِمشي بدربنا شيشوف، يا أبو علي... لو موت لو سعادة".

اجتمع لديه الموت بوصفه المصير الأقرب، والسعادة بوصفها اطمئناناً إلى نجاة رفاقه وعدم تحوله إلى عبء يهدد حياتهم.

أما أبو إيمان، فقد أُصيب في المعركة واعتقلته القوات الحكومية، ثم نُقل من سجن الموصل إلى سجن أبي غريب، قبل أن يُعدم عام 1985. ووفق شهادة نقلها لاحقاً أحد رفاقه في السجن، لم يدلِ أبو إيمان بمعلومات عن عمل المجموعة أو أفرادها، رغم ما تعرض له من تعذيب.

حوار يعيد قراءة الذاكرة

عقب مداخلة الكاتب، فُتح باب النقاش أمام الجمهور، فتناولت الأسئلة مضمون الكتاب، وطبيعة عمل مفارز الطريق، وتجربة حركة الأنصار، والظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بها. وأضفت الصراحة التي اتسمت بها إجابات الحسوني ومداخلات الحاضرين مساحة من الفهم المشترك، بعيداً عن القراءة المغلقة أو الأحكام الجاهزة.

لم تكن الأمسية احتفاءً بكتاب جديد فحسب، بل محاولة لاستعادة حقبة مضطربة من التاريخ العراقي من خلال أصوات من عاشوها. فالتاريخ لا يتكون من القرارات الكبرى والمعارك المعروفة وحدها، بل من حقيبة صغيرة، وشماغ بقي من صاحبه، ومسبحة حملت ذكرى رفيق، وطريق عبره شبان لم يعرفوا إن كانوا سيبلغون نهايته.

وفي ختام الأمسية، وقّع مازن الحسوني نسخاً من كتابه لعدد من الحاضرين، وقدمت الجمعية المندائية باقات من الورد إلى الكاتب ومدير الندوة، في نهاية لائقة بأمسية جمعت بين الكتاب والذاكرة وشهادة الطريق.