حين يرتفع الدولار... من يحمي قوت العراقيين؟
أبرز النقاط
- 1- ارتفاع الدولار وتراجع القدرة الشرائية: تؤكد الكاتبة أن ارتفاع سعر الدولار ينعكس على أسعار السلع الأساسية، ويزيد الأعباء المالية على الأسر العراقية.
- 2- استغلال التجار لاضطراب الأسواق: تنتقد رفع أسعار البضائع المخزونة والمشتراة سابقاً بأسعار أقل، معتبرة ذلك استغلالاً لحاجة المواطنين وغياب الرقابة الفعالة.
- 3- الفقراء الأكثر تضرراً من الغلاء: تسلط الضوء على معاناة العمال اليوميين والعاطلين عن العمل وأصحاب الدخل المحدود، الذين يجدون صعوبة متزايدة في تأمين احتياجات أسرهم.
- 4- مسؤولية الحكومة عن حماية المواطن: تدعو إلى التخطيط الاقتصادي السليم، وضبط الأسواق، ومحاسبة المستغلين، واتخاذ إجراءات تحمي المواطنين من تقلبات الأسعار.
بقلم: د. رشا علي السلطاني
في العراق، لا يحتاج المواطن إلى نشرات اقتصادية معقدة ليدرك حجم الأزمة المعيشية. يكفي أن يدخل السوق حاملاً راتبه المحدود، ليكتشف أن ما كان يشتريه بالأمس لم يعد يستطيع شراءه اليوم. وبين ارتفاع سعر الدولار وتقلبات الأسواق وضعف الرقابة على الأسعار، يجد العراقي نفسه أمام معركة يومية لتأمين أبسط متطلبات الحياة، في بلد يمتلك من الثروات ما يكفي لتوفير حياة أكثر استقراراً وكرامة لأبنائه.
لم يعد السؤال مقتصراً على أسباب ارتفاع الدولار، بل أصبح أكثر إلحاحاً، من يحمي المواطن من تداعياته؟ ومن يتحمل مسؤولية الأسعار التي ترتفع سريعاً، لكنها نادراً ما تعود إلى مستوياتها السابقة عندما تتحسن ظروف السوق؟ وأين تقف الدولة من موجات الغلاء التي تلتهم دخول المواطنين وتضع آلاف العائلات أمام خيارات معيشية قاسية؟
إن أخطر ما في اضطراب سعر الصرف ليس الرقم الذي يظهر على شاشات شركات الصيرفة، بل انعكاساته المباشرة على موائد الفقراء، ورواتب الموظفين، وأجور العمال، وحياة العائلات التي باتت تحسب نفقاتها بالدينار، بينما تتحرك أسعار احتياجاتها الأساسية تحت تأثير الدولار.
فما إن تتردد أخبار ارتفاع سعر الصرف حتى تبدأ موجة جديدة من زيادة الأسعار في الأسواق المحلية. بعض التجار لا ينتظرون نفاد بضائعهم القديمة أو شراء بضائع جديدة بأسعار أعلى، بل يسارعون إلى تعديل الأسعار على مخزونات اشتُريت قبل الارتفاع، وكأن السوق لا تعرف من القواعد الاقتصادية سوى تلك التي تضمن زيادة الأرباح، بينما يُترك المواطن وحيداً في مواجهة النتائج.
وهنا تكمن إحدى المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد العراقي؛ إذ يتحول اضطراب العملة إلى فرصة للمضاربة وتحقيق أرباح إضافية لدى بعض المتعاملين في الأسواق، بينما يتحمل المستهلك الجزء الأكبر من الأعباء. وليس من الإنصاف تحميل الدولار وحده مسؤولية كل ارتفاع في الأسعار، فهناك عوامل أخرى تتعلق بتكاليف النقل والاستيراد وضعف المنافسة والرقابة، لكن ذلك لا يعفي الجهات الحكومية من مسؤولية متابعة الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية والاستغلالية.
والأشد إيلاماً أن هذه الزيادات تأتي في وقت ينتظر فيه كثير من الموظفين فروقات الترقية والترفيع والمستحقات المالية المتأخرة، أملاً في تحسين أوضاعهم المعيشية وتسديد ما تراكم عليهم من التزامات. لكن ماذا تعني زيادة الراتب إذا سبقتها زيادة أكبر في تكاليف الحياة؟ وما قيمة المستحقات التي ينتظرها الموظف أشهراً، إذا كان الغلاء قد استهلك قدرتها الشرائية قبل وصولها إلى يده؟
إن القيمة الحقيقية للدخل لا تُقاس بعدد الدنانير التي يتسلمها الموظف، بل بما يستطيع شراءه بها. وحين ترتفع أسعار الغذاء والدواء والنقل والخدمات بوتيرة تفوق نمو الرواتب، تتراجع القدرة الشرائية، حتى وإن بقي الدخل النقدي ثابتاً أو شهد زيادة محدودة.
وإذا كان الموظف الذي يمتلك راتباً شهرياً يجد صعوبة في مواجهة الغلاء، فكيف يكون حال العامل الذي ينتظر فرصة عمل كل صباح؟ وكيف تعيش الأسرة التي لا تمتلك دخلاً ثابتاً، أو الأرملة التي تعيل أطفالها، أو المتقاعد الذي تتوزع مستحقاته بين الدواء والغذاء وفواتير الخدمات؟ ومن أين يأتي الأجير البسيط بما يسد رمقه ورمق أطفاله، وهو يبدأ يومه مثقلاً بهموم يوم لم يبدأ بعد؟
هؤلاء لا يتعاملون مع الدولار بوصفه مؤشراً اقتصادياً، ولا تعنيهم كثيراً المصطلحات النقدية التي يتداولها المسؤولون والخبراء، بل يشعرون بتأثيره عندما يعجزون عن شراء احتياجاتهم الأساسية، أو حين تضطر الأسرة إلى الاستغناء عن بعض متطلباتها الضرورية حتى تتمكن من توفير الطعام لأطفالها.
والمفارقة المؤلمة أن كل ذلك يحدث في العراق، البلد الذي يمتلك ثروات نفطية وموارد بشرية وطبيعية كبيرة، لكنه ما زال يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة، تتجلى في البطالة والفقر وضعف الخدمات والاعتماد الواسع على الاستيراد. وهي مفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا لا تنعكس ثروات البلاد بصورة أكثر عدالة واستقراراً على حياة المواطنين؟
إن الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وضعف القطاعات الإنتاجية، ومحدودية فرص العمل المستدامة، تجعل الاقتصاد أكثر عرضة للاختلالات، وتزيد حساسية الأسواق تجاه تقلبات سعر الصرف. وحين يصبح الاستيراد الوسيلة الأساسية لتلبية جانب كبير من احتياجات المواطنين، فإن أي ارتفاع في كلفة الحصول على الدولار قد ينتقل إلى أسعار السلع، ويضعف قدرة الأسر على مواجهة متطلبات الحياة.
ولا يمكن معالجة هذه المشكلات بإجراءات مؤقتة أو تصريحات تطمينية، بل بسياسة اقتصادية واضحة تعيد الاعتبار للإنتاج الوطني، وتدعم الزراعة والصناعة، وتحد من المضاربة والاحتكار، وتوفر حماية اجتماعية للفئات الأكثر هشاشة. فالدولة القوية اقتصادياً ليست تلك التي تعلن حجم إيراداتها، وإنما التي تستطيع تحويل مواردها إلى فرص عمل وخدمات واستقرار معيشي.
قال تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.
إن المسؤولية العامة ليست امتيازاً تمنحه المناصب، بل أمانة تفرض على أصحاب القرار النظر إلى حياة المواطنين قبل اتخاذ أي إجراء اقتصادي قد يؤثر في معيشتهم. فكل قرار مالي أو نقدي ينبغي أن تُدرس انعكاساته الاجتماعية، ولا سيما على الفئات التي لا تمتلك مدخرات أو مصادر دخل إضافية تمكّنها من امتصاص الصدمات الاقتصادية.
ولا يكفي أن تعلن الجهات المعنية إجراءات نقدية أو مالية، ما لم ترافقها سياسات واضحة لحماية القدرة الشرائية وضبط الأسواق ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار. فالمواطن لا يريد وعوداً جديدة بقدر ما يحتاج إلى إجراءات يشعر بنتائجها في السوق، وفي فاتورة الدواء، وفي أسعار الغذاء، وفي قدرته على تأمين حياة كريمة لأسرته.
والمطلوب ليس فرض أسعار عشوائية أو تعطيل حركة التجارة، وإنما بناء منظومة رقابية شفافة، وتفعيل قوانين حماية المستهلك والمنافسة، وضمان وصول السلع الأساسية بأسعار عادلة، مع توفير شبكات حماية اجتماعية قادرة على تخفيف الأعباء عن الأسر الفقيرة.
كذلك، ينبغي التمييز بين معالجة اضطرابات السوق الموازية للدولار وبين تغيير سعر الصرف الرسمي؛ فلكل منهما أسبابه وأدواته وتداعياته، ولا يجوز أن تصبح الفوضى في الأسواق ذريعة لرفع الأسعار دون مبررات اقتصادية حقيقية.
وليس مقبولاً أن يتحول كل اضطراب اقتصادي إلى مناسبة جديدة لزيادة أرباح البعض على حساب الغالبية، أو أن يُطلب من المواطن الصبر على الغلاء، بينما لا تُتخذ إجراءات كافية لمواجهة الاحتكار والتلاعب. فالصبر الذي يُطالب به الفقير لا ينبغي أن يكون بديلاً عن مسؤولية الدولة، ولا يجوز أن تتحول معاناة الناس إلى واقع مألوف تتعايش معه المؤسسات وكأنه قدر لا يمكن تغييره.
لقد أصبح تأمين الاحتياجات اليومية عبئاً ثقيلاً على عائلات كثيرة، ولم تعد المشكلة مجرد أرقام في الموازنة العامة أو بيانات تصدر عن المؤسسات الاقتصادية، بل قضية تمس كرامة الإنسان وحقه في حياة مستقرة. فالطفل الذي يُحرم من احتياجاته، والمريض الذي يعجز عن شراء دوائه، والعامل الذي لا يكفي أجره لإطعام أسرته، جميعهم يدفعون ثمناً اجتماعياً لا يظهر بالضرورة في الجداول المالية والتقارير الرسمية.
وما أحوج العراق اليوم إلى مسؤول يستحضر المعنى الإنساني للحكم، ويتذكر المقولة المتداولة: «انثروا القمح على رؤوس الجبال حتى لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين»، بما تحمله من دلالة أخلاقية على مسؤولية الحاكم تجاه الضعفاء والمحتاجين. فالحكم الرشيد لا يُقاس بقوة الخطابات ولا بكثرة الوعود، وإنما بقدرته على حماية الناس، وتحقيق العدالة، ومنع تحول الأزمات الاقتصادية إلى أزمات اجتماعية أشد خطورة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل أصحاب القرار ليس فقط: إلى أين سيصل سعر الدولار؟ بل: إلى أين ستصل معاناة المواطن إذا استمرت الأسعار في الارتفاع دون حماية حقيقية لدخله؟ وهل تستطيع السياسات الاقتصادية أن تحقق أهدافها إذا كان ثمنها مزيداً من الضغوط على الفئات التي تعاني أصلاً من صعوبة تأمين احتياجاتها الأساسية؟
العراق لا تنقصه الموارد بقدر ما يحتاج إلى إدارة اقتصادية رشيدة، وتخطيط طويل الأمد، ورقابة مؤسسية فاعلة، وإرادة تجعل الإنسان محور السياسات العامة. فالثروة الوطنية لا تكتسب قيمتها الحقيقية بمجرد وجودها في باطن الأرض أو تسجيل عائداتها في حسابات الدولة، وإنما بما تحققه من تنمية وعدالة وفرص عمل وحياة كريمة للمواطنين.
وحين يصبح الراتب عاجزاً عن تأمين الحياة الكريمة، وحين يخشى العامل من يوم لا يجد فيه عملاً، وحين تضطر الأسرة إلى الاستغناء عن احتياجات أساسية، فإن الأزمة تتجاوز حدود الاقتصاد لتصبح اختباراً لعدالة الدولة ومسؤوليتها.
إن ارتفاع الدولار قد يكون أزمة نقدية قابلة للمعالجة، لكن الأخطر أن يتحول إلى باب دائم لإفقار المواطنين. فالدولة التي لا تحمي قوت شعبها لا تستطيع أن تتحدث عن الاستقرار الاقتصادي بمعزل عن الاستقرار الاجتماعي، ولا يمكن أن تقاس نجاحات السياسات المالية بمعزل عن آثارها في حياة الناس.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرق أبواب المؤسسات الحكومية قبل أن يطرقه الجائعون، إذا كان العراق غنياً بثرواته، فلماذا يظل المواطن الفقير أول من يدفع ثمن أزماته؟


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.