رسالة إلى الحسين عليه السلام

أبرز النقاط

  • • مسرحية سياسية–روحية في ثلاثة فصول وسبعة مشاهد.
  • • تناقش استغلال الدين والشعائر لتغطية الفساد والنفوذ السياسي.
  • • تستحضر شهداء الاحتجاجات العراقية من خلال شخصية سجاد وأمه.
  • • تنتقد الصمت، والخوف، وتحويل الحقيقة إلى "فتنة" والمحاسبة إلى "تهديد".
  • • تقدم كربلاء بوصفها ميزاناً للعدل وموقفاً إنسانياً، لا موسماً للحزن وحده.
  • • تؤكد أن الانتساب إلى الحسين يُقاس بالعدل والنزاهة والانحياز إلى المظلوم.
  • • يتحول بطلها من صحفي يكتب نصف الحقيقة إلى شاهد يكشف الفساد ويدفع ثمن موقفه.
  • • تعتمد "صوت كربلاء" رمزاً للضمير والذاكرة، من دون تجسيد شخصية مقدسة.
  • • تنتهي برسالة مركزية "الإنسان كلمة وموقف، فإذا اتحدا بدأ الطريق".

مسرحية سياسية– روحية في ثلاثة فصول

إعداد مسرحي

د. سلام قاسم

"كربلاء ليست مكاناً نعود منه، بل ميزاناً نعود به"

الشخصيات

حيدر: صحفي عراقي في أواخر الثلاثينيات، يحمل خوفاً قديماً وضميراً لم يمت.

أم سجاد: أمّ خمسينية فقدت ابنها في ساحات الاحتجاج، الحزن عندها وثيقة اتهام.

مناف: بائع شاي شاب، يمثل المواطن الذي يعرف الحقيقة ويخشى ثمنها.

الشيخ ناصر: خطيب لبق، يخلط الحكمة بالصمت، ويجيد حماية السلطة باللغة.

الحاج غيث: مقاول ووجه سياسي نافذ، يتخذ من الشعائر واجهة للمصلحة.

الضابط: مسؤول أمن في الحائر، ممزق بين الأمر والضمير.

صوت كربلاء: صوت رمزي لا يُجسَّد ولا يُنسب إلى شخص مرئي، صوت الذاكرة والعدل والضمير.

الجوقة: أصوات الزائرين والفقراء والموظفين والشهداء، تتحول أحياناً إلى صوت العراق.

ملاحظة إخراجية

لا يظهر "صوت كربلاء" في هيئة بشرية، ولا يُقدَّم بوصفه تجسيداً لشخص مقدس. إنه صوت رمزي مركب، ضمير حيدر، وذاكرة الشهداء، والمعنى الأخلاقي لكربلاء. يمكن توزيعه على أصوات متعددة من جهات المسرح، مع ضوء أبيض هادئ بعيد عن المؤثرات الاستعراضية.

الطريق إلى السؤال

الفصل الأول

المشهد الأول: باب النجف

المكان: زقاق قريب من المرقد.غروب. رائحة بخور تختلط بدخان المولدات. صور مرشحين على الجدران، وتحتها عبارات عن العدل والزهد. في طرف الخشبة تجلس أم سجاد، تحمل صورة ولدها. حيدر يقف أمام القبة البعيدة. الجوقة تعبر ببطء.

الجوقة: يا مدينة العدل، كم ظلماً يختبئ في ظل الكلمات الجميلة؟

حيدر: في هذا البلد، صارت الجدران أكثر إيماناً من أصحابها. عليها يُكتب العدل، وخلفها تُباع الحقوق. يا أبا الحسن... كم مرة استنجدنا بك، ثم عدنا فسلّمنا رقابنا للجلادين؟

أم سجاد: لا تنادِ بعيداً يا ولدي. الجلاد يسمعك من أقرب مكتب.

حيدر: أعرف هذه الصورة... سجاد؟

أم سجاد: كان اسمه سجاداً قبل أن يسموه مندساً. خرج يطلب وطناً، فعاد ملفوفاً بعلم الوطن. قالوا إن الرصاصة طائشة. لكن الرصاصة التي تعرف القلب ليست طائشة.

حيدر: كنت هناك. رأيت الدخان، وسمعت الرصاص... ثم كتبت نصف الحقيقة.

أم سجاد: ولماذا نصفها؟

حيدر: لأن نصف الحقيقة يُنشر، والحقيقة كاملةً قد تدفن صاحبها.

أم سجاد: إذن أنت لم تنجُ يا حيدر، أنت فقط أخّرت موتك. من يدفن كلمته حياً، يحمل قبره معه.

"يدخل الشيخ ناصر، يحيّي الناس بثقة وابتسامة مدروسة".

الشيخ ناصر: الرحمة لولدك يا أم سجاد. ولكن الجرح يحتاج إلى حكمة، لا إلى من يزيد النار اشتعالاً. البلد محاط بالأعداء، والكلمة غير المحسوبة فتنة.

أم سجاد: ابني كان كلمة محسوبة. حسب عمره، وحسب خطوته، وحسب أن صدره أعزل. وحدها الرصاصة لم تحسب حساب أمه.

حيدر: يا شيخ، متى صار السؤال فتنة؟

الشيخ ناصر: حين يهدد السلم الأهلي.

حيدر: وأي سلم هذا الذي ينام فيه القاتل، وتسهر أم القتيل؟

الشيخ ناصر: لا تتهموا أحداً بلا دليل. الأعداء كثيرون.

أم سجاد: وهذا وجهي قليل؟ وهذه الصورة قليلة؟ والنعش الذي حملته بيدي لا يصلح دليلاً؟

"يصمت الشيخ، يعدل عمامته".

الشيخ ناصر: بعض الحقائق إذا قيلت في غير وقتها صارت ضرراً.

حيدر: وبعض الصمت إذا طال صار شريكاً في الجريمة.

"يخرج الشيخ. ترفع أم سجاد الصورة نحو حيدر".

أم سجاد: كنت أريد أن أضع رسالة عند الحسين، ثم خفت أن يقرأها الذين سرقوا اسمه قبل أن تصل. خذها أنت.

حيدر: ماذا كتبتِ؟

أم سجاد: لم أكتب. الأمهات حين يكبر وجعهن تضيق به الحروف. اكتب أنت، ولكن هذه المرة لا تكتب نصف الحقيقة.

"تسلمه ورقة بيضاء. إظلام".

المشهد الثاني: الكوفة – سوق الخوف

المكان: استراحة صغيرة على طريق الكوفة. مناف يبيع الشاي. مذياع قديم يبث خطاباً عن النزاهة. كلما وردت كلمة "النزاهة" ضحك المذياع بتشويش كهربائي.

مناف: شاي ثقيل؟

حيدر: اجعله مرّاً. الحلاوة في هذه الأيام تثير الشبهة.

مناف: المرّ مجاني، نحن ندفع ثمن السكر فقط.

"يلاحظ الورقة البيضاء في يد حيدر".

مناف: رسالة؟

حيدر: إلى معنى لا أعرف إن كنا ما زلنا نستحقه.

مناف: كلنا نحب الحسين، لكن الحب عندنا لا يطلب إجازة من الخوف. عمي موظف في البلدية. وضعوا أمامه عقداً مسروقاً وقالوا، وقّع أو نقطع رزق أولادك. وقّع وهو يبكي.

حيدر: صار شريكاً.

مناف: وصار ضحية أيضاً.

حيدر: الضحية التي تكرر الجريمة على غيرها تبدأ مظلومة وتنتهي ظالمة.

مناف: الكلام سهل لمن لا ينتظرونه عند الباب.

حيدر: وأنا انتظروني. لهذا كتبت نصف الحقيقة.

"صمت. يناوله مناف كأس الشاي دون أن يأخذ ثمنه".

مناف: إذن نحن اثنان. أنا بعت خوفي في أكواب، وأنت بعته في مقالات ناقصة.

حيدر: تعال معي إلى كربلاء.

مناف: وماذا سيتغير؟

حيدر: لا أعرف. لكن الطريق الذي لا يغيرنا ليس زيارة، إنه دوران حول أنفسنا.

"يطفئ مناف المذياع. يسود صمت أوضح من الخطاب. يخرج معه".

المشهد الثالث: مدن في مرآة واحدة

"المشهد تركيبي. تتحرك ثلاثة ألواح على الخشبة. شباك دائرة في الكاظمية، حاجز تفتيش في سامراء، وجسر في بغداد. تنتقل الإضاءة بينها، بينما تمشي الشخصيات في المكان كأن الطريق يمر تحت أقدامها.

صوت موظف: المعاملة ناقصة.

صوت عجوز: أكملتها ثلاث مرات.

صوت موظف: ينقصها مَن يعرف الطريق.

الجوقة: في الكاظمية، صار الحق ورقة تبحث عن واسطة.

صوت جندي: الهوية! افتح الحقيبة! إلى أين؟ لماذا؟

مناف: إلى زيارة بلدنا، إن كان المرور فيه لا يحتاج إلى كفيل.

الجوقة: في سامراء، يُفتَّش السلام كأنه متهم.

" تظهر على الجسر ظلال شبان يرفعون أعلاماً، ثم ينطفئ أحدها إثر صوت طلقة".

أم سجاد، من العتمة: في بغداد، لا تدفنوا أحلامهم تحت الإسفلت. الإسفلت يتشقق، والدم يتذكر طريقه إلى الضوء.

حيدر: المدن ليست مذنبة. نحن الذين نحمّل الحجر خطايانا، ثم نزوره طالبين الغفران.

مناف: وما الذي ستكتبه؟

حيدر: سأكتب أن الانتظار ليس نوماً، وأن الصبر ليس خضوعاً، وأن القداسة التي لا تحمي الإنسان تتحول في يد التاجر إلى ستار.

" إظلام على صوت خطوات تتجه إلى كربلاء".

رسالة إلى الحسين عليه السلام

الفصل الثاني: الحائر

المشهد الرابع: خادم الراية وخادم العقد

" المكان: مدخل الحائر. زحام وأصوات أدعية. الحاج غيث محاط بمصور ورجلين. يوزع الماء أمام الكاميرا. على شاشة خلفية تظهر صور مشاريعه وشعارات خدمة الزائرين".

الحاج غيث: صور من هنا، اجعل القبة خلفي، والكأس في يدي. الفقير لا يظهر وجهه كاملاً، نريد المشهد مهيباً.

حيدر: حتى العطش صار يحتاج إلى مخرج؟

الحاج غيث: أهلاً بالصحافة الوطنية. نحن نخدم، وأنتم تشككون.

مناف: يقولون إن شركتك أخذت عقد الماء، وإن أحياءً كاملة ما زالت عطشى.

الحاج غيث: المشاريع تمر بتعقيدات. الدنيا ليست قصيدة.

حيدر: صحيح. القصيدة لا تحتاج إلى عمولة كي تصل إلى الناس.

"تدخل أم سجاد، وقد سبقتهم إلى كربلاء. تحمل الصورة والورقة البيضاء".

الحاج غيث: الله يرحمه. لكن لا تلوثوا الزيارة بالسياسة. الحسين يريد الناس هادئة.

أم سجاد: ولدي ليس سياسة. ولدي وطن. ومن قتل الوطن لا يطهر يده بكأس ماء أمام الكاميرا.

الحاج غيث: انتبهي لكلامك. للحرم حرمته، وهناك خطوط حمراء.

حيدر: الخط الأحمر الحقيقي هو الدم. أما خطوطكم فمرسومة حول العقود والمناصب.

الحاج غيث: أنت شاب متحمس. الدولة لا تدار بالشعارات.

حيدر: ولا تدار بالسرقة. أنتم تجعلون المظلومية سلّماً، ثم تسحبونه كي لا يصعد غيركم. تسرقون المال، وتعيدون جزءاً منه صدقةً مصورة، ثم تطلبون من الجائع أن يشكركم.

الحاج غيث: هذه إساءة إلى الشعائر.

أم سجاد: الشعيرة التي تخاف من سؤال أمٍّ ليست شعيرة، إنها حراسة لمصلحة.

"يتقدم الضابط".

الضابط: خفضوا أصواتكم. لدي أوامر بمنع أي تجمع أو خطاب.

حيدر: وهل الحزن تجمع غير مرخص؟

الضابط: لا تجعلوني أختار بين واجبي وضميري.

أم سجاد: الضمير الذي لا يُستعمل يصدأ يا ولدي.

"يصمت الضابط. يشير لهم بالمرور. ينظر إليه الحاج غيث بغضب مكتوم".

المشهد الخامس: الرسالة

"قرب الشباك. تخفت الأصوات حتى تصبح نبضاً. حيدر يفتح الورقة، وأم سجاد تقف إلى جانبه. لا يخاطب الضريح بوصفه حجراً، بل يخاطب المعنى الذي قام من أجله الحسين".

حيدر: يا سيد الشهادة... جئنا لا لنحمّلك خطايانا، بل لنفضح الذين حملوا اسمك فوقها. في بلادنا يلعنون يزيد في الخطب، ثم يصنعون يزيديات صغيرة كل يوم، رشوة تُذل، ورصاصة تُسكت، ووظيفة تُباع، وفقيراً يُجبر على تقبيل اليد التي سرقته.

الجوقة: يسمّون المحاصصة توازناً، والنهب استحقاقاً، والخوف حكمة.

حيدر: بعد سقوط الطاغية، ظننا أن أبواب الدولة ستُفتح للمواطن، فإذا بالأحزاب تدخلها كغزاة، تقسم الوزارة غنيمة، والمنصب إقطاعاً، والنفط ميراث عائلة. لم يسرقوا الخزائن وحدها، سرقوا أسماء الأشياء، حتى صار الصادق ساذجاً، والمعترض خائناً، والقاتل حامياً.

أم سجاد: وهذا ولدي. لم يطلب سوى دولة. قتلوه، ثم وضعوا صورتك فوق نعشه كي يضيع اسم القاتل في زحام القداسة.

حيدر: إن كانوا من أهل الحسين، فليدلّوا على نسبهم بالعدل. فالقرب من الدم لا يغني عن القرب من الموقف، ومن سرق خبز الفقير لا يصير طاهراً بكثرة الزيارة.

"يضع الورقة. لا تحدث معجزة. لا ضوء خارق. يسمع فقط بكاءً بعيداً، ثم يخرج الجميع ويبقى حيدر وحده في بقعة ضوء".

المشهد السادس: محكمة النور

"ليل. غرفة ضيقة. كرسي وسرير ونافذة. ينام حيدر جالساً. تتحول الجدران ببطء إلى فضاء أبيض. لا تظهر هيئة. يأتي صوت كربلاء من الجهات كلها، هادئاً، لا يقلد صوتاً مقدساً ولا ينسب إليه قولاً مباشراً، إنه صوت الذاكرة حين تستيقظ".

صوت كربلاء: جئتَ تشكو العراق. فهل جئتَ تشكو نفسك؟

حيدر: كتبت نصف الحقيقة لأنني خفت.

صوت كربلاء: والخوف؟

حيدر: سجن بلا جدران.

صوت كربلاء: بل جدرانه أسماء مزيفة. تسمون الذل صبراً، والصمت حكمة، والقيد نظاماً، فتستريحون من مقاومة الشيء بعد أن تغيّروا اسمه.

حيدر: هم يملكون المال والمنابر والسلاح.

صوت كربلاء: وكل ذلك يثبت ما يملكون، لا ما يستحقون. القوة التي تخاف كلمة ليست قوة، إنها خوف يرتدي الحديد.

حيدر: وماذا يملك الأعزل؟

صوت كربلاء: يملك ألا يكذب. وتلك بداية لا يستهين بها إلا من يعرف أن سلطانه مبني على الكذب.

حيدر: الناس متعبة. الفقير يخاف على خبزه، والموظف على راتبه، والأم على ابنها.

صوت كربلاء: لا تطلب منهم بطولة بلا رحمة. نظّم خوفهم كي لا يبقوا فرادى. فالحق إذا ظل خطبة أتعب السامعين، وإذا صار تضامناً حمى الضعفاء.

حيدر: أتكفي الكلمة؟

صوت كربلاء: الكلمة التي لا يعقبها فعل زينة، والفعل الذي لا يهديه وعي تهور. اجمعهما، تكن الكلمة موقفاً والموقف طريقاً.

حيدر: أخشى أن أعود كما جئت، زائراً للحزن.

صوت كربلاء: الزيارة التي لا تغيّر صاحبها سياحة في الذاكرة. لا تسأل ماذا قال لك المكان، اسأل ماذا ستفعل حين تغادره.

حيدر: لدي وثائق عن عقود الحاج غيث. أخفيتها حين هددوني.

صوت كربلاء: إذن رسالتك ليست عند الشباك. رسالتك في الملف الذي تخفيه.

حيدر: وإن دفعت الثمن؟

صوت كربلاء: كل إنسان يدفع ثمناً، بعضهم يدفعه ليحفظ كرامته، وبعضهم يدفع كرامته ليحفظ راحته.

"صمت طويل. يظهر على الجدار ظل أم سجاد وهي تحمل صورة ولدها".

صوت كربلاء: لا تجعلوا البكاء نهاية الحكاية. الدمع الذي لا يغسل ظلماً قد يتحول، من حيث لا يدري، إلى عزاء للظالم.

حيدر: فهمت. كربلاء ليست مكاناً نعود منه، بل ميزاناً نعود به.

صوت كربلاء: انهض. الإنسان كلمة وموقف، فإذا افترقا صار الكلام قناعاً، وصار الموقف أعمى.

"ظلام كامل".

الفصل الثالث: الطريق من كربلاء

المشهد السابع: الامتحان

"صباح. الساحة خارج الحائر. الحاج غيث يعقد مؤتمراً صحفياً لإعلان مشروع خيري. الشيخ ناصر إلى جواره، والضابط خلفهما. الجوقة جمهور متردد. يدخل حيدر ومناف وأم سجاد".

الحاج غيث: نعلن اليوم مشروع "ماء الوفاء" لخدمة الفقراء والزائرين، استمراراً لنهج التضحية والعطاء.

الشيخ ناصر: من يشكر خادم الناس يشكر النعمة، ومن يثير الشبهات في هذا الوقت يخدم أعداء البلاد.

حيدر: لدي سؤال.

الحاج غيث: الصحافة الوطنية مرحب بها.

حيدر: هل تشمل الوطنية نشر حسابات المشروع؟

" يسود اضطراب. يخرج حيدر ملفاً".

حيدر: هذه عقود تثبت أن الماء الذي تمنحونه كأساً أمام الكاميرا، دفع الناس ثمنه نهراً. شركة باسم قريبك، وأخرى باسم حارسك، وثالثة لم تحفر بئراً واحداً رغم قبضها كامل المبلغ.

الحاج غيث: أوراق مزورة! هذا تشهير بالمقدسات.

حيدر: أنت لست مقدساً. وهذه أول حقيقة يجب أن يسمعها العراق، لا أحد يصبح فوق السؤال لأنه وقف تحت راية.

الشيخ ناصر: ليس هذا مكاناً مناسباً.

أم سجاد: كل مكان قُتل فيه ابني مناسب للسؤال، وكل مكان يقف فيه القاتل مناسب للحقيقة.

الحاج غيث، للضابط: اعتقله.

"يتقدم الضابط. يناوله حيدر نسخة من الملف".

حيدر: قبل أن تعتقلني، اقرأ. الأوامر تحميك ساعة، لكن توقيعك يعيش أطول منك.

" يتردد الضابط. يفتح الملف. يخلع قبعته ببطء".

الضابط: أمرتُ بمنع الفوضى، لا بحراسة السرقة.

الحاج غيث: ستخسر عملك.

الضابط: والعمل الذي يطلب مني أن أخسر نفسي ليس رزقاً، إنه رشوة مؤجلة.

"يتحرك رجال الحاج غيث. يقف مناف إلى جوار حيدر، ثم يتقدم أفراد من الجوقة واحداً بعد آخر".

مناف: كنت أظن أن الشجاع هو الذي لا يخاف. الآن عرفت أن الشجاع هو الذي لا يترك خوفه يقرر وحده.

صوت من الجوقة: لدي نسخة من عقد آخر.

صوت ثانٍ: وأنا شاهد على الرشوة.

صوت ثالث: وأنا أمّ لا تريد نعشاً آخر.

"تتسع الدائرة حول حيدر. يتراجع الحاج غيث. الشيخ ناصر يحاول المغادرة، فتوقفه أم سجاد بنظرتها".

أم سجاد: لا أخاف من كثرة الخطباء يا شيخ. أخاف من قلة الأحرار.

الشيخ ناصر: وماذا تريدين مني؟

أم سجاد:لا أريد منك أن تهتف. قل فقط إن السرقة سرقة، وإن دم ولدي ليس فتنة.

"يصمت طويلاً. ينظر إلى الجمهور، ثم إلى الحاج غيث".

الشيخ ناصر: السرقة... سرقة. والدم الذي يُراق ليحميها جريمة.

"يعلو همس الجمهور. يحاول الحاج غيث الكلام، لكن الميكروفون يصمت. للمرة الأولى لا تخونه الكهرباء، يخونه الناس".

الجوقة: سمّوا الأشياء بأسمائها، فهذه أول الحرية.

"يمد أحدهم كأس ماء إلى أم سجاد. تنظر إليه، ثم تسقي نبتة صغيرة نابتة بين شقوق الرصيف".

أم سجاد: الماء الذي لا يصل إلى العطشان دعاية. والدم الذي لا يوقظ الأحياء خسارة ثانية.

حيدر، متجهاً إلى الجمهور: جئنا إلى كربلاء نسأل معنى النجاة، فعرفنا أن النجاة ليست أن نخرج سالمين، بل أن نخرج أقل كذباً. لا تجعلوا الحسين موسماً للحزن، ولا راية فوق عقد، ولا اسماً يحرس اللصوص. اجعلوه ميزاناً، من عدل اقترب، ومن ظلم ابتعد، ولو التصق بالأبواب.

الجوقة: الوطن لا يحتاج إلى زائرين فقط، يحتاج إلى شهود.

"تُسمع صفارة سيارة أمن من بعيد. لا يعرف الجمهور أآتية لاعتقال حيدر أم الحاج غيث. لا يتحرك حيدر. تقف أم سجاد عن يمينه، ومناف عن يساره، والضابط أمامه لا خلفه".

صوت كربلاء: الإنسان كلمة وموقف.

حيدر: وإذا اتحدا... بدأ الطريق.

"تضاء في الخلفية طرق تمتد من كربلاء إلى النجف والكوفة وبغداد وسامراء. لا تُضاء القباب وحدها، تُضاء معها مدرسة ومستشفى وبيت فقير. تسقط صورة الحاج غيث من الشاشة، وتبقى صورة سجاد بين أيدي الناس لا فوقهم".

الجوقة، بهدوء يتصاعد: هيهات أن تكون الذلة طريقة حياة.

"إظلام بطيء".

ستار