كاظم الساهر... حين يصبح النجاح تهمة

بقلم: وسام قاسم

منذ سنوات طويلة، يتعرض الفنان العراقي كاظم الساهر إلى موجات متكررة من التشكيك والانتقاص، تتخذ في كل مرة شكلاً مختلفاً. تارةً يُسأل عن هويته وانتمائه، وتارةً أخرى يُختزل تاريخه الفني كله في نقاش حول مساحة صوته وقدراته الطربية. وفي الحالتين، يغيب عن كثير من هذه الأحكام أبسط معايير النقد الفني الموضوعي.

إن كاظم الساهر ليس مجرد مطرب نجح في الوصول إلى الشهرة العربية، بل هو حالة موسيقية عراقية نادرة. فالرجل درس الموسيقى أكاديمياً في معهد الدراسات الموسيقية ببغداد، وتشكل وعيه الفني على معرفة عميقة بالمقامات والإيقاعات العربية، وعلى فهم دقيق لبنية اللحن والعلاقة العضوية بين الموسيقى والكلمة والأداء.

في النقد الموسيقي، لا تُقاس قيمة الفنان بمساحة صوته وحدها. فالتاريخ الفني العربي والعالمي عرف أصواتاً محدودة المساحة لكنها أحدثت ثورات جمالية في الغناء. إن الغناء ليس استعراضاً للقوة الصوتية فحسب، بل هو قدرة على توظيف الصوت في خدمة المعنى وإيصال الإحساس. وهنا تكمن خصوصية كاظم الساهر.

صحيح أن صوته لا ينتمي إلى المدرسة الطربية التقليدية التي تقوم على التطريب المديد والارتجال واستعراض الجوابات والقرارات، لكنه يمتلك ما هو أهم بالنسبة إلى مشروعه الفني: شخصية صوتية خاصة، وإحساساً عالياً، وقدرة استثنائية على أداء الجملة اللحنية وتلوينها درامياً بما يخدم النص.

لقد صنع الساهر هويته الفنية من خلال التقاء ثلاثة عناصر نادراً ما تجتمع في فنان واحد: الثقافة الموسيقية، والموهبة اللحنية، والذكاء في اختيار النصوص. ولذلك لم تكن أعمال مثل "أنا وليلى" و"مدرسة الحب" مجرد أغانٍ ناجحة، بل محطات مفصلية في تاريخ الأغنية العربية الحديثة. ففيهما ظهر نموذج جديد للأغنية الطويلة التي تمزج القصيدة بالمشهد الدرامي، وتمنح اللحن دوراً سردياً لا يقل أهمية عن الكلمة.

ومن هنا جاءت شهرته العربية والعالمية. فانتشاره لم يكن نتاج مؤسسة إعلامية أو حملة ترويجية عابرة، بل نتيجة تراكم فني طويل جعل الملايين في مختلف البلدان العربية تحفظ ألحانه وتردد أغانيه. وقد استطاع أن يقدم صورة مشرقة للفنان العراقي في زمن كانت صورة العراق في الإعلام العالمي ترتبط غالباً بالحروب والأزمات.

أما الجدل حول هويته وانتمائه، فهو في جوهره جدل خارج الفن. فالفنان الذي حمل العراق في صوته ولهجته ومقاماته وألحانه، والذي ظل يعرّف نفسه دائماً بوصفه فناناً عراقياً، لا يمكن اختزال تجربته الإنسانية والفنية في حملات تشكيك أو أحكام انفعالية. فالإبداع الحقيقي لا تحدده الشعارات، بل تحدده المنجزات.

ولا يعني هذا أن كاظم الساهر فوق النقد؛ فهو، كأي فنان كبير، له تجارب متفاوتة المستوى، وله خيارات يمكن الاتفاق أو الاختلاف معها. غير أن النقد المهني يقتضي قراءة التجربة كاملة، لا تحويل النجاح إلى تهمة، ولا تحويل الاختلاف في الذائقة إلى محاولة للنيل من قيمة منجز فني استثنائي.

لقد صنع كاظم الساهر نفسه بنفسه، وشق طريقه بجهد وموهبة ومعرفة. وهو اليوم يمثل إحدى اللحظات النادرة في تاريخ الأغنية العراقية والعربية؛ لحظة استطاع فيها فنان عراقي أن يحول الثقافة الموسيقية إلى مشروع إبداعي متكامل، وأن يثبت أن الفن الحقيقي لا يقاس بعلو الصوت فقط، بل بعمق الأثر، وبقدرة الفنان على أن يبقى حاضراً في وجدان الناس جيلاً بعد جيل.