مجتمع الأقنعة: حين يضيع الجوهر بين الأوهام

سعد عزيز دحام

في مجتمعاتٍ تتكاثر فيها الأقنعة، يصبح الجسد عنوانًا للفضيلة، بينما يُترك الفكر جائعًا على أرصفة النسيان، تُسلب المرأة حقها في أن تُرى كإنسانة، ليصبح جسدها محور النقاش، يُراقب ويُقيد وكأنه ميدانٌ لمعركةٍ لم تخترها.

يُهمل الجهل، يُبرَّر الفقر، ويُعذَر الفساد، لكن لباسها يصبح القضية الكبرى، وكأن شرف الأمة متوقفٌ على قطعة قماش.

إن المجتمع الذي يُفرط في تقديس الشكل، بينما يغضّ الطرف عن المضمون، هو مجتمعٌ مأزوم، تغلب عليه القشور، ويتحايل على جوهر الأخلاق الحقيقية.

فالأخلاق ليست في اللباس، بل في الضمير، في العدل، في الحرية، في الكرامة التي تُصان لا في الملابس التي تُراقَب.

ولكن كيف لمجتمعٍ اعتاد على الهروب من أزماته الحقيقية أن يواجه المرآة؟ كيف له أن يعترف بأن العورة ليست في جسد المرأة، بل في عقلٍ ضاق بالرأي، وخضع للخرافة، واستسلم للجمود؟

قالها علي الوردي يومًا: المجتمع الذي ينشغل بالقشور الأخلاقية ويدع المضمون الفاسد هو مجتمع منافق.

تلك الكلمات، رغم قِدَمها، تصدح اليوم بألمٍ متجدد.

فما أكثر الأصوات التي ترفع راية الفضيلة، بينما تعيث في الأرض ظلمًا وفسادًا.

وما أكثر من يرفع شعار الأخلاق، بينما الأخلاق منه براء.

المجتمع السليم لا يحاسب المرأة على مظهرها، بل يُعلي من شأن فكرها.

لا يُحاصرها بقوانين العيب، بل يفتح أمامها أبواب الحرية والاختيار.

لا يختزلها في جسد، بل يراها إنسانة كاملة، لها الحق في أن تعيش كما تريد، لا كما يُراد لها.

حين يستفيق هذا المجتمع من غيبوبته، ويفهم أن القيم لا تُقاس بثياب، وأن الفضيلة ليست في غطاء الرأس بل في عمق الفكر، سنشهد ولادة مجتمعٍ جديد، أكثر صدقًا، أكثر وعيًا، وأكثر إنسانية. حتى ذلك الحين، ستظل الأقنعة تسقط، لكن العيون العمياء ستظل تبحث عن عورةٍ في المكان الخطأ.