مجلة تواصل...

أبرز النقاط

  • من مناسبة فنية إلى مؤسسة إعلامية: وُلدت المجلة عام 1996 مع استضافة الفنان فؤاد سالم، ثم تحولت إلى مشروع ثقافي مستمر.
  • حفظ ذاكرة الجالية وبناء الجسور: وثّقت أنشطة العراقيين وتجاربهم، وربطت ثقافتهم بالمجتمع السويدي وبالوطن الأم.
  • استقلال وتعددية: رفضت التحول إلى منبر حزبي، واعتمدت قيمة المادة الصحفية والمصلحة العامة معياراً للنشر.
  • عمل تطوعي وانتشار عالمي: دعمت مؤلفات الجالية ومنشورات مؤسساتها مجاناً، ووصل حضورها إلى أستراليا واليابان والأميركيتين وجنوب أفريقيا.

ثلاثون عاماً من صحافة الاغتراب تحفظ ذاكرة العراق وتبني جسور الحضارات

بقلم/ د. سلام قاسم

• وُلدت عام 1996 مع استضافة الفنان فؤاد سالم، فتحوّل الحدث الفني إلى مشروع إعلامي مستدام

• "تواصل وطني... التقاء حضاري"، شعار خرج من إطار الكلمات إلى دعم كتاب الجالية ومؤسساتها

• من السويد إلى أستراليا واليابان والأميركيتين... مجلة عراقية تجاوزت حدود الاغتراب

• عمل تطوعي ومطبعة ذاتية ودورة تحرير أسبوعية تنتهي بأربع وعشرين صفحة ثقافية وإخبارية

لم تولد مجلة تواصل عام 1996 لتكون مطبوعة عابرة تُضاف إلى أرشيف الجالية العراقية في السويد، بل انطلقت استجابة لحاجة حقيقية إلى منبر إعلامي يحمل صوت العراقيين، ويحفظ صلتهم بالوطن، ويفتح أمامهم نافذة للحوار مع المجتمع الذي احتضنهم. وجاء عددها الأول بالتزامن مع استضافة الفنان العراقي الراحل فؤاد سالم، فكان الحدث الفني لحظة رمزية التقت فيها الذاكرة بالاغتراب، وتجسّد من خلالها شعار اتحاد الجمعيات العراقية في السويد: "تواصل وطني... التقاء حضاري".

وعلى امتداد ثلاثة عقود، اتسعت رحلة المجلة من السويد إلى أستراليا ونيوزيلندا واليابان وكندا والولايات المتحدة، لتغدو جسراً ثقافياً يصل العراقيين في المنافي بوطنهم، ويعرّف بثقافتهم وتجاربهم وإبداعاتهم. ولم تقتصر رسالتها على إصدار مجلة دورية، بل أسهمت مطبعة الاتحاد في طباعة مؤلفات كتّاب الجالية ومنشورات جمعياتها ومؤسساتها من دون مقابل مالي، في تجربة جعلت من العمل الثقافي مسؤولية جماعية لا مشروعاً ربحياً.

وللوقوف على تجربة مجلة تواصل ومسيرتها الممتدة على مدى ثلاثة عقود، كان لنا هذا اللقاء مع صاحب امتيازها ورئيس تحريرها، الأستاذ عبد الواحد الموسوي، الذي استعاد معنا ظروف التأسيس، ومحطات الاستمرار، وتحديات العمل الصحفي في بلاد الاغتراب.

المحور الأول- البدايات... من أمسية فنية إلى مشروع ثقافي

• كيف وُلدت فكرة إصدار مجلة "تواصل" عام 1996؟ وما الظروف التي رافقت ولادتها؟

بعد تأسيس اتحاد الجمعيات العراقية في السويد عام 1995، كان لا بد لهذه المنظمة المركزية من نافذة إعلامية تعبّر عن رسالتها، وتنقل أنشطتها، وتتيح لأبناء الجالية مساحة للكتابة والحوار والتعبير.

كانت هناك، قبل صدور المجلة، تجارب ومنشورات متعددة، من بينها: "الوطن"، و"ليلي"، و"الاتحاد في أسبوع"، و"خبر"، و"اليوم". غير أن استضافة الفنان العراقي الراحل فؤاد سالم شكّلت اللحظة التي دفعتنا إلى التفكير في إصدار مجلة تحمل طابعاً أكثر شمولاً واستمراراً.

كان حضور فؤاد سالم أكثر من مناسبة فنية، فقد مثّل تواصلاً وجدانياً وثقافياً مع العراق. ومن هنا صدر العدد الأول تحت اسم "تواصل"، منسجماً مع الهدف الذي تأسس عليه الاتحاد وشعاره: "تواصل وطني... التقاء حضاري".

هكذا وُلدت المجلة من رحم حدث فني، لكنها لم تبقَ أسيرة المناسبة، بل تحولت تدريجياً إلى مشروع إعلامي وثقافي يعبّر عن الجالية العراقية ويحفظ جانباً من ذاكرتها.

• لماذا اخترتم اسم "تواصل" تحديداً؟

جاء الاسم من صميم شعار الاتحاد ورسالته. أردنا كلمة قصيرة، لكنها تحمل مشروعاً واسعاً، تواصل العراقي مع وطنه، وتواصل أبناء الجالية بعضهم مع بعض، وتواصل الثقافة العراقية مع المجتمع السويدي، فضلاً عن وصل الأجيال الجديدة بذاكرتها وهويتها وجذورها.

لقد جسدت استضافة فؤاد سالم هذا المعنى بوضوح، فالفن يومها لم يكن مجرد مناسبة، بل نافذة مفتوحة على الوطن. لذلك بدا اسم "تواصل" التعبير الأقرب إلى روح المجلة والغاية التي أُنشئت من أجلها.

والاسم، بطبيعته، لا يسمح بالانغلاق أو التعصب، فمن يختار التواصل رسالة له، يصبح ملزماً بالإنصات إلى الآخرين واحترام التنوع وبناء المساحات المشتركة بينهم.

• هل كنتم تتوقعون أن تستمر المجلة ثلاثين عاماً؟

في البدايات، لم نكن نفكر في ثلاثين عاماً بقدر ما كنا نفكر في إصدار عدد أول يليق بالحدث، ويعبّر عن ثقة أبناء الجالية. غير أن اختيار اسم "تواصل" وضعنا أمام مسؤولية أخلاقية ومهنية، لأن من يحمل هذا الاسم لا يستطيع أن يتعامل مع عمله بوصفه تجربة عابرة.

حين وصلنا إلى العدد الخمسمئة، اخترنا عبارة تعبّر عن رؤيتنا: "لسنا الأوائل، ولكننا المتميزون". لم تكن العبارة ادعاءً بالأفضلية، بل تعبيراً عن الرغبة في أن يكون لكل إصدار طابعه ونكهته وقيمته الخاصة.

• ما أصعب المراحل التي مرت بها المجلة؟

لا نستطيع القول إن مسيرة امتدت ثلاثة عقود كانت خالية من الصعوبات، لكن المجلة لم تواجه، في معظم تاريخها، أزمة وجودية تهدد استمرارها. ويرجع ذلك إلى طبيعتها التطوعية وإيمان العاملين فيها بأن استمرارها جزء من مسؤوليتهم تجاه الجالية.

برزت الصعوبة الأكبر خلال العامين الأخيرين، بسبب أعمال ترميم مبنى مقر اتحاد الجمعيات العراقية. فقد أثرت هذه الأعمال في انتظام الحضور والعمل داخل المقر، ولا سيما أن المطبعة الآلية التي تُنجز فيها النسخة الورقية موجودة في المبنى نفسه.

ومع ذلك، لم تتوقف المجلة عن أداء رسالتها، بل حاولت التكيف مع الظروف، والاستفادة من النشر الإلكتروني للحفاظ على صلتها بالقراء إلى حين استعادة انتظام العمل بصورة كاملة.

 مجلة تواصل...  ثلاثون عاماً من صحافة الاغتراب تحفظ ذاكرة العراق وتبني جسور الحضارات

المحور الثاني: الرسالة والهوية... الجميع داخل دائرة التواصل

• ما الرسالة الأساسية التي تحملها المجلة؟

تتمثل رسالة المجلة في تحويل شعار "تواصل وطني... التقاء حضاري" من عبارة مكتوبة على لافتة إلى ممارسة فعلية. فالتواصل، بالنسبة إلينا، ليس كلمة للاستهلاك، بل مسؤولية تتطلب عملاً يومياً وانفتاحاً على الناس واحتراماً لاختلافاتهم.

وقد رافق نشر الثقافة سياسة المجلة منذ تأسيسها. ولم يقتصر دورها على تقديم المقالات والأخبار، بل ساهمت مطبعة الاتحاد في دعم كتّاب الجالية العراقية من خلال طباعة مؤلفاتهم وإصداراتهم. كما ساعدت في إنجاز مجلات ونشرات فرعية لبعض الجمعيات الأعضاء في الاتحاد.

وامتد هذا الدعم إلى إعادة طباعة منشورات صادرة عن منظمات عراقية مركزية، من بينها جريدة التيار الديمقراطي ورابطة المرأة العراقية، إلى جانب منشورات أخرى، من دون عوائد مالية. وكان الهدف هو خدمة العمل الثقافي والمدني، ومساندة الأصوات التي لا تمتلك دائماً الإمكانات اللازمة لإيصال رسالتها إلى الجمهور.

• هل تعدّون "تواصل" مجلة ثقافية أم اجتماعية أم إعلاماً للجالية العراقية؟

هي مجلة للجميع، ولا نرغب في حصرها داخل تصنيف واحد. فهي ثقافية بما تنشره من أدب وفكر وفنون، واجتماعية باهتمامها بشؤون الجالية، وإعلامية من خلال متابعتها للأخبار والأنشطة والقضايا العامة.

كما أن جمهورها لم يعد محصوراً داخل السويد، فقد امتدت متابعتها من أستراليا ونيوزيلندا إلى الولايات المتحدة وكندا، ووصلت إلى مراكز جامعية عراقية وأقسام معنية بالدراسات العربية والاستشراق في جامعات باليابان وجنوب أفريقيا وكندا.

• كيف تحافظون على استقلالية المجلة وسط اختلاف الانتماءات السياسية والفكرية بين أبناء الجالية؟

حافظنا على استقلالية المجلة من خلال عدم تحويلها إلى منبر لحزب أو تيار أو جماعة بعينها. إنها مجلة تصدر عن اتحاد يضم جمعيات وأفراداً ينتمون إلى اتجاهات فكرية وسياسية واجتماعية متعددة، ولذلك كان عليها أن تتسع للاختلاف، من دون أن تتحول إلى ساحة للصراعات أو تصفية الحسابات.

نعتمد في النشر على قيمة المادة وأهميتها للقارئ، لا على هوية الكاتب أو انتمائه. ونفرّق بين حرية الرأي والإساءة، وبين النقد المسؤول والتشهير، وبين الاختلاف الفكري والخصومة الشخصية.

واستقلال المجلة لا يعني أنها بلا موقف، بل يعني أن مواقفها تُبنى على المصلحة العامة، واحترام الإنسان، والدفاع عن الثقافة والتعددية وحق الاختلاف. فالحياد المهني لا يعني الصمت إزاء الخطأ، مثلما لا يبرر اتخاذ الموقف تحويل المجلة إلى أداة حزبية.

ولا يمكن إنكار أن أطماع المحاصصة قد تمتد أحياناً إلى مؤسسات الجالية الناجحة. وفي وصف هذه الحالة نستحضر قول الشاعر معروف الرصافي:

لا يَخدعَنَّكَ هُتافُ القومِ بالوطنِ

فالقومُ في السرِّ غيرُ القومِ في العلنِ

لكننا أدركنا أن المؤسسة الناجحة تشبه الشجرة المثمرة، قد تُرمى بالحجارة، غير أنها تواصل منح ثمارها.

• هل تعرضتم لضغوط أو محاولات للتأثير في الخط التحريري؟

لم تكن الضغوط، في الغالب، على هيئة أوامر مباشرة، لكنها ظهرت أحياناً في صورة محاولات لفرض أولويات معينة، أو الاعتراض على نشر رأي مخالف، أو المطالبة بتمثيل يقوم على المحاصصة بدل الكفاءة والقيمة الصحفية. كما واجهنا انتقادات نابعة من مواقف سياسية أو شخصية أكثر من كونها ملاحظات مهنية.

تعاملنا مع ذلك بهدوء، فنستمع إلى النقد حين يكون موضوعياً، ونراجع أنفسنا ونصحح الخطأ عندما يثبت، لكننا لا نسمح بأن تصبح المجلة ملكاً لفئة أو أداة في نزاع عابر.

وكان معيارنا الدائم هو، هل تخدم هذه المادة القارئ؟ وهل تنسجم مع رسالة المجلة؟ وهل تحترم قواعد العمل الصحفي وكرامة الأشخاص وحق المجتمع في المعرفة؟

لقد اخترنا أن نتحمل كلفة الاستقلال، لأن المجلة التي تفقد قرارها التحريري قد تحتفظ باسمها وغلافها، لكنها تفقد روحها ومبرر وجودها.

المحور الثالث: الإدارة والتحرير... رحلة العدد من الفكرة إلى القارئ

• كيف يتسلسل إصدار المجلة عملياً؟

تتكون مواد المجلة، في الغالب، من عدة مصادر، منها مقالات الكتّاب، وتقارير المراسلين، والقراءة الانتقائية لما تنشره المواقع ووكالات الأنباء والثقافة، والبحث المخصص في بعض الموضوعات، فضلاً عن المساهمات التي تصل إلى هيئة التحرير.

وتوزع مواد المجلة، في صورتها المعتادة، على أربع وعشرين صفحة:

• ثماني صفحات للمقالات والقضايا الآنية.

• ثماني صفحات للأخبار والمتابعات.

• ثماني صفحات للثقافة العامة والفنون والآداب.

• ثلاثون عاماً... حين تصبح المجلة ذاكرة لجالية

لا تُقاس تجربة "تواصل" بعدد السنوات أو الأعداد التي أصدرتها فحسب، بل بما راكمته من ذاكرة ثقافية واجتماعية للجالية العراقية في السويد. ففي صفحاتها عبرت أسماء وتجارب وأخبار وفعاليات وأفكار كان يمكن أن يطويها النسيان لولا أن وجدت من يوثقها ويحفظها.

وعلى الرغم من أن المجلة وُلدت في سياق الاغتراب، فإنها لم تنغلق داخل حدود الحنين إلى الوطن، بل حاولت أن تجعل من وجود العراقيين في السويد فرصة للالتقاء الحضاري وتبادل المعرفة والانفتاح على المجتمع الجديد. وبذلك أصبح التواصل لديها طريقاً باتجاهين: من الجالية إلى العراق، ومن الثقافة العراقية إلى العالم المحيط بها.

تبقى أمام "تواصل" مهمة الحفاظ على إرثها، وفي الوقت نفسه الاقتراب من الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها وأسئلتها. فالتحدي الحقيقي ليس أن تصل المجلة إلى عامها الثلاثين، بل أن تجعل من هذا العمر بداية لمرحلة جديدة أكثر حضوراً وتأثيراً.

وفي نهاية المطاف، ليست حكاية "تواصل" حكاية مجلة فقط، بل حكاية جالية حاولت، وسط المسافات وتبدل الأزمنة، ألا تفقد صوتها أو ذاكرتها. وبين عددها الأول وصفحاتها الراهنة، ظل الاسم يؤدي رسالته. أن يبقى العراق حاضراً في الوجدان، وأن يظل الحوار ممكناً، وأن تتحول الغربة من جدار يفصل الإنسان عن وطنه إلى جسر يعيده إليه بالكلمة والثقافة.