مركز الحضارات للثقافة والآداب… حين يتحوّل الحوار إلى مشروعٍ لصناعة الوعي
د. سلام قاسم
رئيس تحرير جريدة مدار الناس
في زمنٍ تتكاثر فيه المنابر، لكنها تقل من حيث القيمة والتأثير، وتزدحم الساحة العامة بالأصوات المتشنجة والخطابات السطحية، تبرز الحاجة إلى مؤسسات ثقافية لا تكتفي بتنظيم الفعاليات العابرة، بل تحمل مشروعاً فكرياً واضحاً، وتؤمن بأن بناء الدولة يبدأ من بناء الإنسان، وأن إصلاح المجتمع لا يتحقق من دون عقل حر، وثقافة مسؤولة، وحوار يحترم الاختلاف ويبحث عن المشتركات.
وسط هذا المشهد، يبرز مركز الحضارات للثقافة والآداب بوصفه تجربة ثقافية واعدة، استطاعت خلال مدة وجيزة أن ترسم لنفسها حضوراً متميزاً في المشهد الثقافي العراقي، وأن تنتقل بالنشاط الثقافي من حدود المناسبة التقليدية إلى فضاء المشروع المعرفي المنظم، القائم على التخطيط والاختيار الواعي للموضوعات والمتحدثين والجمهور.
فالمركز لا ينظر إلى الثقافة باعتبارها زينة تُضاف إلى واجهة المجتمع، ولا نشاطاً موسمياً ينتهي بانتهاء الندوة أو المهرجان، بل يراها قوة حقيقية لصناعة الوعي، وحماية الهوية، وترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز التماسك المجتمعي، ومواجهة خطابات الكراهية والتطرف والانغلاق.
وتكمن أهمية التجربة في أن القائمين عليها أدركوا مبكراً أن المجتمعات لا تنهض بالإعمار المادي وحده، وأن تشييد الجسور والطرقات والمؤسسات لا يكفي ما لم يرافقه بناء ثقافي وفكري يعيد للإنسان ثقته بعقله، ويمنحه القدرة على قراءة الماضي وفهم الحاضر والمشاركة في صناعة المستقبل.
منصةٌ ثقافية تستعيد دور العقل
ينطلق مركز الحضارات للثقافة والآداب، وهو أحد مراكز مؤسسة نبض الوطن للدراسات والثقافة والإعلام، من رؤية تسعى إلى أن يكون المركز منصة ثقافية رائدة، تسهم في بناء مجتمع واعٍ ومتماسك، منفتح على المعرفة، وقادر على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية بروح وطنية وإنسانية مسؤولة.
ولا تقف هذه الرؤية عند حدود الشعارات العامة، بل تتجسد في رسالة واضحة تقوم على صناعة بيئة ثقافية ومعرفية متوازنة، تحتضن الحوار والإبداع، وتدعم الوعي والتنمية الفكرية من خلال برامج وندوات وأنشطة نوعية تخدم الإنسان والمجتمع، وتسهم في تنشيط الحراك الثقافي بروح من المسؤولية والانفتاح.
ويضع المركز في مقدمة أهدافه ترسيخ الثقافة الوطنية الجامعة، وتعزيز قيم الانتماء والتعايش السلمي، ودعم الطاقات الفكرية والثقافية والإبداعية، فضلاً عن نشر ثقافة الحوار والتفاهم، وإحلال خطاب التسامح محل خطابات الكراهية والتعصب والتطرف.
كما يولي اهتماماً مسؤولاً بالقضايا الفكرية والاجتماعية والإعلامية المعاصرة، ويسعى إلى توثيق المنجز الثقافي والمعرفي، وإبراز أدوار الشخصيات الفكرية والإبداعية، ودعم المشاريع الثقافية والتعليمية والتطويرية، إلى جانب توظيف الإعلام الرقمي والتكنولوجيا الحديثة في نشر المعرفة والوصول بها إلى أوسع شريحة ممكنة من الجمهور.
ولعل أكثر ما يميز مشروع المركز هو سعيه إلى تقديم خطاب ثقافي رصين يجمع بين الأصالة المعتدلة والانفتاح المسؤول؛ فلا ينقطع عن الموروث والهوية، ولا يتحول في الوقت نفسه إلى أسيرٍ للماضي أو منغلقٍ عن التحولات الفكرية والإنسانية الحديثة.
يؤمن القائمون على المركز بأن العمل الثقافي والمعرفي يشكل واحداً من أهم المرتكزات التي تُبنى عليها نهضة المجتمعات واستقرارها. ومن هذا المنطلق، يسعى المركز إلى أن يكون منبراً فكرياً وثقافياً فاعلاً في المجتمع العراقي، يعمل على تنمية الطاقات الإبداعية، ونشر الوعي المجتمعي، وتعزيز الحراك الثقافي، واحتضان الحوار بين المثقفين والأكاديميين وصناع الرأي.
ولا يقتصر نشاطه على فئة ثقافية بعينها، بل ينفتح على الأدباء والفنانين والباحثين والإعلاميين والأكاديميين وأصحاب الخبرات، إيماناً منه بأن الثقافة ليست اختصاصاً مغلقاً، بل مساحة مشتركة تتقاطع فيها المعرفة مع الفن، والفكر مع الإعلام، والتاريخ مع علم الاجتماع، والهوية مع أسئلة المستقبل.
ومن خلال برامجه، يعمل المركز على بناء بيئة حوارية تقوم على احترام التعددية الفكرية والثقافية، وإشاعة روح التسامح والتفاهم بين مختلف شرائح المجتمع، وتوفير مساحة آمنة للتفاعل البناء بين الأفكار، بعيداً عن الإقصاء والتعصب والتخندق.
وتتجلى نضج هذه الرؤية في إدراك المركز أن الثقافة ليست أداةً للتسلية أو الاستعراض، بل وسيلة للإصلاح والتنمية وصناعة المستقبل، وأن المثقف الحقيقي ليس مراقباً للأزمات من بعيد، وإنما شريك في تشخيصها، وتحليل أسبابها، واقتراح السبل الكفيلة بمعالجتها.
تحولات الثقافة العراقية… قراءة في الذاكرة والهوية
في إطار مشروعه الثقافي، نظم المركز في الرابع من تموز ندوة حملت عنوان "تحولات الثقافة العراقية"، شارك فيها كل من الدكتور عبد الأمير العبودي، والأستاذ علي حسن الفواز، والدكتور عباس عبود، فيما أدارها مدير المركز الدكتور محمد الكاظم.
وقد جاءت الندوة في توقيت بالغ الأهمية؛ فالثقافة العراقية واجهت خلال العقود الماضية تحولات سياسية واجتماعية وفكرية عميقة، انعكست بصورة مباشرة على بنية المجتمع، وعلاقة الإنسان بهويته وذاكرته وموروثه.
وناقش المشاركون المسارات التي مرت بها الثقافة العراقية، وما تركته التحولات المتعاقبة من أثر في تشكيل الهوية الوطنية والمشهد الثقافي المعاصر. كما توقفوا عند قدرة الثقافة العراقية على مقاومة التهميش والانكسار، والحفاظ على ذاكرة المجتمع، رغم الحروب والأزمات والانقسامات السياسية والاجتماعية.
لقد كشفت الندوة أن الثقافة العراقية لم تكن في يوم من الأيام هامشاً في حياة المجتمع، بل كانت مرآةً لتحولاته، وسجلاً حياً لصراعاته وطموحاته، ووسيلةً للدفاع عن هويته في أشد المراحل تعقيداً.
كما أكدت المداخلات أن النهضة الثقافية لا تتحقق من خلال تكرار الخطابات التقليدية، وإنما تبدأ من إعادة الاعتبار إلى المثقف ودوره في بناء الإنسان، وتوفير مؤسسات مستقلة قادرة على احتضان الفكر النقدي، وتشجيع الإبداع، وربط الثقافة بقضايا المجتمع الحقيقية.
وكان لإدارة الدكتور محمد الكاظم أثر واضح في منح الحوار طابعاً علمياً هادئاً؛ إذ لم تقتصر الندوة على إلقاء المحاضرات، بل فتحت المجال أمام الأسئلة والنقاشات وتبادل الرؤى، وهو ما منحها حيويةً وعمقاً، وحوّل الحاضرين من متلقين إلى شركاء في إنتاج الحوار.



التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.