معركة يوم الكُلاب الثاني

أبرز النقاط

  • دارت المعركة في وادي الكُلاب بمنطقة نجد التاريخية.
  • تحالف يمني قوامه نحو 8000 مقاتل هاجم بني تميم بعد إضعافهم في يوم الصفقة.
  • نجحت تميم في توحيد قيادتها بقيادة قيس بن عاصم بناءً على نصيحة أكثم بن صيفي.
  • انتهت المعركة بانتصار حاسم لبني تميم وأسر قائد الحلف عبد يغوث الحارثي.
  • رسخت المعركة مبدأ أن وحدة القيادة والتنظيم أقوى من كثرة العدد.

موقع المعركة: دارت المعركة في وادي الكُلاب، وهو الوادي الذي يقع بين ظهري جبل ثهلان في ديار بني العرجاء من بني نمير، ويُعرف اليوم بشعيب الشعراء وهذا الوادي شهد معركتين مشهورتين من أيام العرب هما الكُلاب الأول والكُلاب الثاني، وهو يقع في منطقة عالية نجد التاريخية حالياً بالمملكة العربية السعودية، وسُمي بهذا الاسم كما ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان لما لقي فيه المتحاربون من الشدة والمشقة، لا لكونه جمع كلب كما يظن كثيرون خطأً، (الكُلاب هو ألة حديدية معقوفة الرأس ولها طرف مدبب تستخدم لتعليق الأشياء وغالباً تستخدم في الجزارة لتعليق اللحوم).

أسباب المعركة: يعود السبب المباشر لوقوع يوم الكُلاب الثاني إلى ما أصاب بني تميم قبل ذلك في يوم الصفقة، حين نكّل بهم الملك الفارسي كسرى، فأضعفهم ذلك وأنهك قواهم وحين وصل خبر هذه النكبة إلى القبائل اليمنية، طمعت في اغتنام الفرصة للانقضاض على تميم ونهب أموالها وسبي نسائها، فكما تذكر المصادر فإن قبيلة بني الحارث بن كعب من نجران بلغها ما حل بتميم، فطمعت بخيلهم وإبلهم ونسائهم، فأرادت اغتنام الفرصة للسطو عليهم، فجمعت جموعها وانضمت إليها مذحج وقضاعة وغيرها من قبائل اليمن، وقد بلغ حجم الجيش اليمني الحاشد رقماً ضخماً جداً بمقاييس تلك الحقبة، إذ يذكر ابن الأثير أن هذا الجيش بلغ ثمانية آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش عرفته الجاهلية، حتى فاق في ضخامته جيش كسرى في ذي قار وجيش يوم جبلة.

كيف تهيأت القبائل للمعركة: حين وصلت أخبار الحشد اليمني إلى بني تميم، وهم في حالة ضعف بعد يوم الصفقة، عمّ الذعر والاضطراب في صفوفهم، فاختلفت الآراء واشتد الجدل بين أشرافهم حول كيفية مواجهة هذا الخطر الداهم، فلجأ عدد من زعمائهم إلى أكثم بن صيفي التميمي، وكان يُعرف بقاضي العرب ومن أشهر حكامها وحكمائها، فطلبوا منه المشورة، فقدّم لهم أكثم نصيحة حكيمة تتلخص في ضرورة الوحدة ونبذ الخلاف، إذ قال لهم كما تنقل الروايات أزيلوا الخصومة والخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الشجار والخلاف من الفشل، والمرء يعجز لا محالة، يا قوم بني تميم وفروعها تثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين، ورب عجلة تهب ريثاً، واتزروا للحرب، وادرعوا الليل فإنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف، وقد كانت هذه الكلمات بمثابة نقطة التحول التي وحّدت صف بني تميم، إذ استجابوا لنصيحة حكيمهم واتفقوا على تولية القيادة لرجل واحد بدلاً من التشرذم بين عدة زعامات، فاجتمعت كلمتهم على قيس بن عاصم المنقري التميمي، الملقب بـ سيد أهل الوبر، ليكون قائداً عاماً لجيشهم، وبذلك تلافوا مشكلة تعدد القيادات التي أنهكت خصومهم لاحقاً.

أما على الجانب اليمني، فقد جاءت الروايات مختلفة بعض الشيء في تفاصيل التنظيم، لكن المتفق عليه أن التحالف اليمني على ضخامته لم يوحّد قيادته كما فعلت تميم، بل جُعل على كل قبيلة من قبائله رئيس مستقل يقود رجاله، وهذا التشتت في القيادة كان أحد أهم أسباب الهزيمة لاحقاً رغم التفوق العددي الساحق.

أعداد المقاتلين في الطرفين: جيش الحلف اليمني بلغ نحو ثمانية آلاف مقاتل، وهو رقم استثنائي جعله أكبر جيش عرفته الجاهلية عموماً، متفوقاً حتى على جيش كسرى في ذي قار وجيش يوم جبلة.

أما جيش بني تميم لم تحدد المصادر رقماً دقيقاً لعدد مقاتلي تميم، لكن المرجّح أنه كان أقل عدداً بكثير من الحلف اليمني، خصوصاً أن تميم كانت لا تزال تعاني من آثار الهزيمة التي لحقت بها في يوم الصفقة قبل ذلك بوقت قصير ومع هذا التفاوت الكبير في العدد، كانت الوحدة والقيادة الموحدة والحماس بعد استشهاد أحد قادتهم من العوامل التي رجّحت كفة تميم، من الجدير بالذكر أن المعركة لم تشارك فيها جميع بطون تميم، فقد كانت المواجهة الأساسية من نصيب سعد والرباب، وهما إحدى بطون تميم الرئيسية، ولم تشارك بقية بطون بني تميم مثل حنظلة وعمرو في المعركة.

قبائل وأفخاذ بني تميم المشاركة: بنو تميم قبيلة عدنانية كبرى تنقسم إلى عدة بطون رئيسية هي سعد، وحنظلة، والرباب، وعمرو، وفي يوم الكُلاب الثاني، كانت المشاركة الفعلية والرئيسية لبطنَي، سعد بن زيد مناة بن تميم، ومن أفخاذها التي برزت في المعركة بنو عبشمس الذين ينسب إليهم أسر قائد الحلف اليمني، وبنو ضبة وهي في بعض الروايات تُلحق بالرباب.

الرباب، وهي حلف قبلي يضم عدة بطون صغيرة من تميم مثل ضبة وثور وعدي وعكل وتيم، وقد ظهر منهم في المعركة رجال أمثال قبيصة بن ضرار الضبي، أما بطنا حنظلة وعمرو بن تميم، فلم يشاركا في هذا اليوم بحسب المصادر والروايات، ما يدل على أن الحرب كانت في الأساس مواجهة موضعية بين جزء من تميم القريب من ديار اليمنيين وبين الحلف الزاحف عليهم، لا حرباً عامة شاركت فيها القبيلة بأسرها.

قبائل وأفخاذ الحلف اليمني القحطاني:

تكوّن الحلف من عدة قبائل يمانية كبرى، وأبرزها مذحج، وهي القبيلة الأبرز في قيادة الحلف، ومنها بنو الحارث بن كعب النجرانيون الذين كانوا الشرارة الأولى للتحريض على الغزو، همدان، إحدى كبرى قبائل اليمن، كندة، ومنها فرسان معروفون شاركوا في القتال، قضاعة، ومن أبرز فرسانها الذين شاركوا علة الجرمي القضاعي، حميّر، وهي من أعرق الممالك اليمنية القديمة، هذا التحالف الخماسي هو ما جعل الجيش اليمني بهذا الحجم الهائل، لكنه في الوقت نفسه جعله أقل تماسكاً من الناحية القيادية، إذ كان كل زعيم قبلي يقود رجال قبيلته بشكل شبه مستقل عن الآخرين.

أحداث المعركة وقادتها:

بعد أن اتفقت كلمة تميم على قيادة قيس بن عاصم، توجه الحلف اليمني الزاحف نحو ديارهم، والتقى الجيشان في وادي الكُلاب، تولى القيادة الميدانية إلى جانب قيس بن عاصم فارس آخر هو النعمان بن الحسحاس التميمي، الذي كان من أشد المحرضين على الصمود والمقاومة وفي اليوم الأول اشتد القتال، وسقط النعمان بن الحسحاس قتيلاً، لكن مصرعه بدلاً من أن يكسر عزيمة تميم أشعل فيهم روح الثأر والاستماتة في القتال، أما القائد الأكبر لجيش الحلف اليمني فكان عبد يغوث بن صلاءة الحارثي، وهو فارس وشاعر معروف، وفي اليوم الثاني تجدد القتال بضراوة أكبر، وانقلبت الدفة لصالح تميم بشكل حاسم، فسقط عدد كبير من زعماء الحلف اليمني، إذ تذكر المصادر والروايات أن أحد رجال بني سعد من تميم قتل علة الجرمي وعقر بطنه، وقُتل تيم بن أوبر الحارثي وآخر من بني الحارث يقال له معاوية على يد النعمان بن جساس التميمي، وقُتل من أشراف الحلف اليمني خمسة، وقتلت بنو ضبة الكاهن ضمرة بن لبيد الحماسي على يد قبيصة بن ضرار الضبي، أما القائد الأكبر عبد يغوث، فقد وقع في الأسر على يد فتى مغمور من بني عبشمس من تميم، وهي حادثة مشهورة في التراث العربي، إذ نُسب إلى عبد يغوث في أسره أبيات شعرية معروفة يرثي فيها نفسه ومصيره، وهي من عيون الشعر الجاهلي.

نتيجة المعركة وأهميتها التاريخية: انتهى يوم الكُلاب الثاني بانتصار ساحق لبني تميم على الرغم من الفارق الهائل في الأعداد، وتبعثرت قوات الحلف اليمني وتفرقت شذر مذر بعد سقوط قادتها وأسر كبيرهم، وقد اعتُبر هذا اليوم من أعظم أيام العرب قبل الإسلام، حتى وصفه صاحب كتاب الأغاني بأنه أحد أعظم ثلاثة أيام في تاريخ العرب، إلى جانب يوم ذي قار ويوم جبلّة، وقد رسّخ هذا الانتصار مكانة بني تميم بين القبائل العربية، وأثبت أن الوحدة تحت قيادة واحدة كما أوصى أكثم بن صيفي أقوى أثراً من كثرة العدد المفتقرة إلى التنظيم، وهي عبرة استفاد منها العرب في حروبهم اللاحقة.

جاكوب شامايا