ملف الخدمات في عهد السوداني… جسور ترتفع وخدمات تتعثر

تحقيق خاص لـ"مدار الناس"

د. سلام قاسم - رئيس التحرير

لم يكن العراقيون، حين تشكلت حكومة محمد شياع السوداني في السابع والعشرين من تشرين الأول 2022، ينتظرون خطاباً سياسياً جديداً بقدر انتظارهم ماءً صالحاً للشرب، وكهرباء لا تنطفئ في ذروة الصيف، ومدرسة لا يتقاسم صفوفها ثلاثة أفواج من الطلبة، ومستشفى لا يضطر المريض فيه إلى شراء الدواء والقفازات من ماله الخاص.

كان المواطن يريد أن يرى الدولة لا في شاشات التلفاز، بل في الشارع الذي يسلكه، وفي المجاري التي لا تغرق منزله، وفي الجسر الذي يختصر ساعات انتظاره، وفي البيت الذي يستطيع شراءه من دون أن يرهن عمره للمصارف.

تولى السوداني رئاسة الحكومة في بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة، لكنه كان يعاني ضعفاً مزمناً في الخدمات والبنى التحتية، وتراكماً واسعاً للمشاريع المتوقفة والمتلكئة. واستمرت حكومته حتى الرابع عشر من أيار 2026، حين تسلمت الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي مهامها رسمياً، لتكون مدة ولاية السوداني نحو ثلاثة أعوام ونصف العام.

وخلال تلك المدة، حاولت الحكومة أن تجعل ملف الخدمات عنوانها الأكثر حضوراً. فظهرت حركة واضحة في بناء الجسور والمجسرات وتوسعة الطرق، ولا سيما في بغداد، وأُعيد تشغيل عدد من المشاريع الصحية والمائية والتربوية التي بقيت سنوات أسيرة التعطيل والفساد وسوء الإدارة.

ومع ذلك، فإن مشهد الإعمار لم يكن كاملاً. ففي الوقت الذي ارتفعت فيه الجسور فوق شوارع العاصمة، ظلت الكهرباء تتعثر، والمدارس تعاني الاكتظاظ، والسكن يتحول إلى حلم بعيد، والمياه والمجاري تشكلان أزمة يومية في مدن وأحياء كثيرة.

لهذا لا يمكن قراءة تجربة حكومة السوداني من خلال صور افتتاح المشاريع وحدها، كما لا يجوز إنكار ما تحقق بدافع الخصومة السياسية. فالقراءة المهنية تقتضي الفصل بين المشروع المنجز، والمشروع المتلكئ الذي أعيد تشغيله، والمشروع الذي وضع حجر أساسه، والمشروع الذي بقي حبراً على ورق.

تركة ثقيلة من المشاريع المتوقفة

لم تبدأ حكومة السوداني من نقطة الصفر، بل تسلمت دولة مثقلة بآلاف المشاريع التي توقفت لأسباب مالية أو تعاقدية أو إدارية، وبعضها تحول إلى هياكل إسمنتية مهجورة، تآكلت معداتها وضاعت الأموال المصروفة عليها.

وبحسب بيانات وزارة التخطيط، بلغ عدد المشاريع المتلكئة في العراق 2612 مشروعاً، منها 1321 مشروعاً تابعاً للوزارات، و1291 مشروعاً تابعاً للمحافظات. وأعلنت الوزارة معالجة أوضاع 997 مشروعاً في قطاعات مختلفة، بينها مشاريع وزارية ومحلية، فيما أُنجز جزء منها بنسبة كاملة واستمر العمل في البقية.

وهذه الأرقام تكشف حجم المشكلة التي واجهتها الحكومة. فالمشروع المتلكئ لا يعني غياب المقاول أو تأخر العمل بضعة أشهر فقط؛ بل يعني في الغالب سنوات من النزاعات القانونية، وارتفاعاً في الكلف، وتلفاً في المنشآت، وتغيراً في المواصفات، وأحياناً ضياع المسؤولية بين الوزارة والمحافظة والشركة المنفذة.

وقد جعلت حكومة السوداني استكمال المشاريع المتوقفة جزءاً من أولوياتها، وشكلت لجاناً لمراجعة المشاريع الصحية والخدمية، ولا سيما تلك التي تجاوزت نسب إنجازها 70 في المئة، على أساس أن إكمالها أقل كلفة وأكثر فائدة من تركها أو إطلاق مشاريع بديلة عنها.

ويمكن عدّ هذا التوجه خطوة منطقية؛ لأن الدولة التي تبدأ ألف مشروع ولا تكملها لا تبني تنمية، بل تنتج ألف شاهد جديد على سوء الإدارة.

لكن معالجة التعثر لم تكن شاملة، فحتى السنوات الأخيرة من الولاية بقي عدد كبير من المشاريع خارج الخدمة، إما بسبب ضعف التخصيصات، أو المشكلات التعاقدية، أو النزاعات على الأراضي، أو عدم قدرة الشركات على التنفيذ.

بغداد تتنفس عبر الجسور والمجسرات

كان ملف فك الاختناقات المرورية في بغداد المشروع الأكثر وضوحاً في عهد السوداني، وربما كان الإنجاز الذي ارتبط باسمه أكثر من أي ملف آخر.

فالعاصمة التي توسعت سكانياً وعمرانياً على مدى عقود، لم تشهد توسعاً موازياً في الطرق والجسور والنقل الجماعي. وتحولت الرحلة التي كان يمكن أن تستغرق عشرين دقيقة إلى رحلة تمتد ساعة أو أكثر، فيما أصبحت ساعات الذروة اختباراً يومياً لأعصاب المواطنين.

في آذار 2023 أطلقت الحكومة الحزمة الأولى لفك الاختناقات المرورية، وضمت ستة عشر مشروعاً توزعت بين جسور ومجسرات وأنفاق وتطوير تقاطعات وفتح محاور جديدة. وقالت وزارة الإعمار إن المشاريع أُحيلت إلى شركات وصفتها بالرصينة، وإنها وضعت لمعالجة عقد مرورية رئيسة في بغداد.

وشملت الحزمة مشاريع تطوير ساحات النسور وعدن وصنعاء وقرطبة، وتقاطع الدورة–السيدية، وتقاطع معسكر الرشيد، وتقاطع الفنون الجميلة، فضلاً عن إنشاء مجسرات على قناة الجيش وربط عدد من الطرق السريعة والمحاور الرئيسة.

كما تضمنت إنشاء جسر جديد يربط منطقة الكرادة والجادرية باتجاه ساحة النسور، وإنشاء محاور تربط سريع محمد القاسم بطريق بغداد–كركوك، وربط مناطق شرق بغداد بشوارع فلسطين وباب المعظم.

ولم تبق هذه المشاريع في حدود الإعلانات. فقد افتُتحت خلال الولاية مجموعة من المجسرات والجسور والأنفاق، وأصبحت بعض المناطق التي كانت تمثل نقاط اختناق مزمنة أكثر انسيابية من السابق.

ومن أبرز المشاريع التي دخلت الخدمة مجموعة المجسرات المنشأة على قناة الجيش، والتي ربطت منطقة جميلة باتجاه شارع الجهاد وباب المعظم. وافتُتحت هذه المجسرات في آب/أغسطس 2024 بالتزامن مع افتتاح مشروع ماء النهروان وتأهيل مدخل بغداد من جهة ديالى وكركوك.

كما افتُتح مشروع نفق ومجسر تقاطع معسكر الرشيد–الزعفرانية، الذي تضمن مجسراً بطول يقارب 900 متر ونفقاً بممرين للذهاب والإياب. وكان المشروع من أبرز العقد المرورية التي خففت الضغط عن المناطق الواقعة جنوب شرقي بغداد.

وافتُتح مجسر الفضيلية على شارع 77، وهو محور يخدم مناطق الفضيلية والبلديات والنهروان وحي النصر وديالى، ويساعد على ربطها بطريق جسر ديالى القديم ومداخل بغداد الشرقية.

وفي حزيران 2025 افتُتح مجسرا الطوبجي الدواران على مسار شارع 14 تموز؛ يمتد أحدهما باتجاه العلاوي، فيما يتجه الآخر نحو ساحة عدن، ويرتبط المشروع بعدد من المقتربات والمحاور التي تخدم الكاظمية والطوبجي والعطيفية والمناطق المحيطة بها.

هذه المشاريع غيرت أجزاء من المشهد المروري في بغداد، وأثبتت أن تنفيذ مشاريع كبيرة خلال مدد زمنية محددة ممكن عندما تتوافر المتابعة السياسية والتمويل والعمل المتواصل.

لكن الادعاء بأن الجسور والمجسرات ستحل أزمة المرور نهائياً ينطوي على مبالغة. فالازدحام في بغداد ليس ناتجاً من نقص الجسور فقط، بل من ارتفاع أعداد السيارات، وضعف النقل العام، وغياب المترو والقطارات الحضرية، وسوء تخطيط استعمالات الأرض، وانتشار التجاوزات والأسواق والمحال على الطرق، وعدم وجود مواقف كافية للسيارات.

وقد رأت مديرية المرور أن مشاريع الحزمة الأولى يمكن أن تخفف جزءاً كبيراً من الزخم، لكنها أشارت أيضاً إلى الحاجة إلى إجراءات موازية تشمل تنظيم الطرق السريعة وتقليل الحوادث وإدارة حركة المركبات.

وبذلك تكون الجسور قد منحت بغداد فسحة تنفس، لكنها لم تمنحها بعد منظومة نقل حديثة.

مداخل بغداد… صورة العاصمة المؤجلة

لم تكن مداخل بغداد طوال سنوات تليق بعاصمة بلد غني. فالداخل إليها من المحافظات كان يمر غالباً عبر طرق ضيقة ومتضررة، وسيطرات مزدحمة، وشاحنات ثقيلة، ومشاهد عمرانية غير منظمة.

وخلال ولاية السوداني جرى العمل على تأهيل عدد من مداخل العاصمة، وكان من أبرزها مدخل بغداد من جهة ديالى وكركوك، الذي جرى توسيعه من عشرة أمتار إلى ستة عشر متراً وتأهيله وفق مواصفات الطرق السريعة.

كما استمر العمل في مداخل بغداد من اتجاهات الأنبار وبابل وكركوك والموصل، إلا أن بعض هذه المداخل شهد تأخيراً وتلكؤاً، واضطرت الحكومة إلى توجيه الجهات المعنية بالإسراع في الإنجاز ومحاسبة المقصرين.

وتبقى مشكلة المداخل مرتبطة أيضاً بحركة الشاحنات والأوزان الزائدة التي تتسبب بتدمير الطرق الجديدة. وقد شددت الحكومة على تفعيل محطات الوزن ومحاسبة المركبات المخالفة، لأن الطريق الذي تنفق الدولة عليه مليارات الدنانير يمكن أن يتضرر خلال وقت قصير إذا غابت الرقابة والصيانة.

ماء النهروان… مشروع انتظر اثني عشر عاماً

في آب 2024 افتتحت الحكومة مشروع ماء النهروان جنوب شرقي بغداد، بطاقة إنتاجية تبلغ أربعة آلاف متر مكعب في الساعة، ليخدم أكثر من 350 ألف نسمة.

وكان المشروع متلكئاً منذ عام 2012، أي إنه انتظر نحو اثني عشر عاماً قبل أن يدخل الخدمة. وقد رافق شح المياه في النهروان سنوات من المعاناة، واضطرت بعض العائلات إلى مغادرة مناطقها أو شراء الماء بأسعار مرتفعة.

ويقدم مشروع النهروان مثالاً واضحاً على طبيعة إنجازات حكومة السوداني: فهو لم يبدأ في عهدها، لكنه أُنجز بعد معالجة المشكلات القانونية والفنية التي كانت تعطل تنفيذه.

ولا يقل إكمال مشروع متوقف أهمية عن إطلاق مشروع جديد، بشرط ألا تُمحى المراحل السابقة من تاريخه، وألا يُقدَّم للرأي العام بوصفه نتاجاً حصرياً لحكومة واحدة.

كما أطلقت الحكومة مشروعاً لشبكات الصرف الصحي ومحطة معالجة في النهروان، بهدف إنشاء بنى تحتية متكاملة بدلاً من الاكتفاء بتوفير الماء من دون معالجة مياه الصرف.

الجهد الخدمي… دخول إلى الأحياء المنسية

بعد أيام من تشكيل الحكومة، باشر فريق الجهد الخدمي والهندسي عمله في عدد من الأحياء المحرومة، ثم توسعت أعماله لتشمل بغداد ومحافظات أخرى.

وتكون الفريق من إمكانات وآليات تابعة لوزارات ومؤسسات حكومية مختلفة، بهدف تجاوز الروتين وتقديم خدمات عاجلة تشمل الماء والمجاري والكهرباء والتبليط وتأهيل المدارس والمراكز الصحية.

وفي عامه الأول عمل الفريق في 95 مشروعاً متفاوت الحجم، أنجز منها نحو 60 مشروعاً، فيما استمر العمل في المشاريع الأخرى. وشملت الأعمال أحياءً في الشعلة والبساتين والثعالبة وبوب الشام والنهروان وسبع البور، إلى جانب مناطق في الديوانية والمثنى وميسان وصلاح الدين ونينوى وبابل.

ومن أهم ما ميز هذا الفريق دخوله إلى مناطق عشوائية أو محرومة لم تكن مشمولة بالخدمات سابقاً بسبب وضعها القانوني أو الإداري. وقد عمل على مد شبكات الماء والمجاري وتأهيل الكهرباء وتبليط الطرق في عدد من هذه المناطق.

غير أن عمل الجهد الخدمي حمل إشكالية أخرى: هل يمكن أن تتحول الاستثناءات والطوارئ إلى بديل دائم عن المؤسسات البلدية؟

فالجهد الخدمي استطاع التحرك بسرعة لأنه تجاوز بعض الإجراءات التقليدية واستفاد من آليات الدولة ومواردها، لكن استمرار الخدمات لا يمكن أن يعتمد على فرق استثنائية فقط. المطلوب هو إصلاح البلديات ودوائر الماء والمجاري والكهرباء، ورفع قدرتها على التخطيط والصيانة والاستجابة.

وإلا فإن الدولة ستبني شارعاً في عام، ثم تعود بعد عامين إلى إصلاحه، لأن المؤسسة المسؤولة عن صيانته ما زالت ضعيفة.

المدارس… ألف بناية لا تغلق فجوة العقود

أولت حكومة السوداني اهتماماً واضحاً بملف المدارس، وتابعت تنفيذ مشروع الأبنية المدرسية ضمن الاتفاق العراقي–الصيني، فضلاً عن مشاريع المحافظات وصندوق الإعمار والجهد الخدمي.

وشهدت سنوات الولاية افتتاح مئات المدارس الجديدة، مع استمرار خطط إنشاء مدارس أخرى. وفي العام الدراسي 2024 قدّرت وزارة التربية أن نحو 600 مدرسة دخلت الخدمة، مع إمكان ارتفاع العدد إلى قرابة ألف مدرسة حتى نهاية العام.

لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تعني انتهاء الأزمة. فقد قدرت وزارة التربية العجز بنحو ثمانية آلاف بناية مدرسية، بينما أشارت تقديرات سابقة إلى وجود نحو 26 ألف مدرسة عاملة داخل ما يقارب 16 ألفاً و600 بناية، ما يعني أن آلاف المدارس تشترك في المبنى نفسه بنظام الدوام الثنائي أو الثلاثي.

وهذا يفسر لماذا لا يشعر المواطن بانتهاء المشكلة رغم افتتاح المدارس الجديدة. فالحكومة لا تسابق العجز القديم فقط، بل تسابق أيضاً النمو السكاني المتواصل ودخول مئات الآلاف من الأطفال إلى التعليم كل عام.

وفي كثير من المناطق لا تزال الصفوف مكتظة، والمدارس تفتقر إلى المختبرات والمكتبات والمرافق الصحية والتبريد، فيما تختصر بعض الإدارات زمن الحصة لتتمكن من استيعاب أكثر من دوام في البناية الواحدة.

ومن الخطأ كذلك احتساب جميع مدارس المشروع الصيني بوصفها مشاريع بدأت في عهد السوداني، لأن التعاقد والتخطيط للمشروع يعودان إلى فترة سابقة. لكن يحسب للحكومة تسريع التنفيذ، وتوفير الأراضي، ومعالجة التعارضات، ومتابعة استلام المدارس.

الإنجاز هنا حقيقي، لكنه لا يزال أقل من حجم الفجوة.

المستشفيات… استكمال الأبنية لا يكفي

في القطاع الصحي، واجهت الحكومة عدداً من المستشفيات المتوقفة منذ سنوات، بعضها وصل إلى نسب إنجاز مرتفعة، لكنه لم يدخل الخدمة بسبب خلافات مالية وتعاقدية أو نقص الأجهزة والتجهيزات.

وضعت الحكومة أولوية لاستكمال المشاريع التي تجاوزت نسبة إنجازها 70 في المئة، وتحدثت خططها عن إنجاز وافتتاح عشرة مستشفيات كبرى في بغداد والبصرة وميسان وتكريت والموصل والرمادي، إضافة إلى مراكز صحية وعيادات شعبية.

وفي نهاية عام 2023 أعلنت وزارة الصحة إكمال إعادة تأهيل أكثر من خمسين مشروعاً وإضافة نحو 1700 سرير إلى المؤسسات الصحية.

كما شارك الجهد الخدمي في إعادة تأهيل مستشفى الطفل المركزي في بغداد، بكلفة بلغت نحو ثمانية مليارات ونصف المليار دينار، بعد سنوات طويلة من ضعف الصيانة.

غير أن أزمة الصحة في العراق لا تتعلق بالأبنية فقط. فقد يُفتتح المستشفى ويظهر في الصورة بممراته اللامعة، لكن المريض لا يستفيد منه إذا غابت الأدوية أو الأجهزة أو الكوادر المتخصصة.

كما أن التوسع في المستشفيات يجب أن يترافق مع نظام إحالة صحي، ورعاية أولية فعالة، وتأمين للأدوية، وإدارة مهنية، ومنع تسرب الأطباء إلى القطاع الخاص في أوقات الدوام الرسمي.

إن بناء المستشفى خطوة ضرورية، لكنه ليس الخدمة الصحية كلها. فالصحة تبدأ من المركز الصحي القريب وتنتهي بالعلاج المتخصص، ولا تختصر بشريط افتتاح يقص أمام الكاميرات.

المدن الجديدة… مواجهة أزمة السكن بالمخططات

تبنت حكومة السوداني مشروع إنشاء مدن سكنية جديدة حول بغداد والمحافظات، وطرحت مدناً مثل علي الوردي والجواهري والغزلاني والجنائن وضفاف كربلاء للاستثمار.

وكانت مدينة علي الوردي من أكبر المشاريع المعلنة، إلى جانب مدينة الجواهري في بغداد، مع خطط لإحالة ست مدن جديدة إلى الاستثمار.

وتقوم فكرة هذه المدن على إنشاء تجمعات عمرانية متكاملة تضم السكن والمدارس والمستشفيات والطرق والخدمات، بدلاً من إضافة مجمعات صغيرة إلى مدن تعاني أصلاً ضغطاً سكانياً وخدمياً.

لكن معظم هذه المشاريع لم يكتمل خلال ولاية السوداني، ولذلك ينبغي تصنيفها باعتبارها مشاريع أُطلقت أو تعاقدت عليها الحكومة، لا وحدات سكنية منجزة تسلمها المواطنون.

كما أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بعدد الوحدات المعلنة فقط، بل بأسعارها وقدرة أصحاب الدخل المحدود على شرائها.

فالعراق يعاني عجزاً حاداً يقدر بنحو 2.5 مليون وحدة سكنية، وفق خريطة فرص الاستثمار المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، في ظل نمو سكاني سريع وتوسع العشوائيات وارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات.

ولذلك فإن مدينة جديدة تضم عشرات الآلاف من الوحدات قد تبدو رقماً كبيراً، لكنها تبقى جزءاً من حل واسع يحتاج إلى سياسة إسكان اجتماعي، وقروض ميسرة، وتوزيع أراضٍ مخدومة، ومنع المضاربة والاحتكار.

فالبيت الذي يبنى ولا يستطيع المواطن شراءه لا يحل أزمة السكن، بل يتحول إلى سلعة استثمارية جديدة.

الكهرباء… الملف الذي بقي خارج ضوء الجسور

إذا كانت الجسور والمجسرات أبرز نجاحات حكومة السوداني، فإن الكهرباء بقيت أحد أكثر ملفاتها تعقيداً وتعثراً.

دخلت الحكومة وهي تحمل إرث عقدين من الإنفاق الضخم على قطاع الطاقة، من دون الوصول إلى تجهيز مستقر. وظل العراق يعتمد على الغاز والكهرباء المستوردين من إيران لتغطية جزء مهم من حاجته، ما جعل الشبكة عرضة للانقطاع كلما تراجعت الإمدادات أو تعقدت العقوبات والتحويلات المالية.

وعلى الرغم من زيادة القدرة الإنتاجية وتوقيع عقود لاستثمار الغاز المصاحب والطاقة الشمسية وربط الشبكة بدول الجوار، بقي المواطن يعتمد في معظم المدن على المولدات الأهلية، ويدفع فاتورتين: واحدة للدولة وأخرى لصاحب المولد.

وتشير تقارير دولية إلى أن نقص الكهرباء والغاز ظل يؤثر في الاقتصاد والخدمات، وأن العراقيين استمروا في الاعتماد على مولدات خاصة مكلفة وملوثة.

وفي عام 2025 واجه العراق خسارة آلاف الميغاواط بسبب نقص الغاز المستورد، في وقت بلغ فيه الطلب ذروته الصيفية، وأثّر ذلك في تجهيز ملايين المنازل.

وقد دفعت الحكومة بمشروع تنمية الغاز المتكامل بالتعاون مع شركات دولية لاستثمار الغاز المصاحب وتقليل الحرق والاستيراد، إلى جانب مشروعات للطاقة المتجددة والربط الكهربائي.

لكن نتائج هذه المشاريع تحتاج إلى سنوات حتى تظهر، ولهذا غادرت حكومة السوداني والملف الكهربائي لم يصل بعد إلى الحل الذي يشعر به المواطن في منزله.

إن مأساة الكهرباء في العراق لا تكمن في غياب الخطط والعقود، بل في المسافة الهائلة بين الطاقة المعلنة على الورق والطاقة الواصلة إلى المقبس.

الماء والمجاري… الخدمات التي لا تظهر في الصور

من السهل تصوير الجسر والمجسر، لكن من الصعب تصوير شبكة مجارٍ مدفونة تحت الأرض. ولهذا حظيت مشاريع الطرق باهتمام إعلامي أكبر، رغم أن الماء والصرف الصحي أكثر ارتباطاً بصحة الإنسان وكرامته.

واصلت حكومة السوداني تنفيذ مشاريع ماء ومجاري ومحطات معالجة في بغداد والمحافظات، وأعادت العمل في مشاريع متوقفة، ومنها مشروع ماء النهروان ومشاريع الصرف الصحي المرتبطة به.

كما شملت مشاريع الجهد الخدمي مد شبكات الماء والمجاري في أحياء عديدة من بغداد والديوانية والمثنى وميسان وصلاح الدين ونينوى.

لكن أزمة المياه بقيت حاضرة، ولا سيما في المحافظات الجنوبية والمناطق الطرفية. فشح المياه وتلوث الأنهار وتقادم الشبكات والتجاوزات والهدر وسوء الإدارة كلها عوامل تجعل توفير الماء الصالح للشرب أكبر من مجرد بناء محطة.

وتشير تقارير دولية إلى أن تدهور نوعية المياه في العراق يمثل خطراً صحياً، وأن البلاد تعد من الدول الأكثر عرضة لتراجع توافر المياه والغذاء وارتفاع درجات الحرارة.

أما المجاري، فما زالت اختبارات الأمطار تكشف هشاشة شبكاتها في عدد من المدن. فكل موسم مطر يعيد المشهد نفسه: شوارع تغرق، ومياه تدخل المنازل، ومضخات تتوقف أو تعجز عن استيعاب الكميات.

وهنا يظهر الفارق بين المشروع المرئي والمشروع الفعال. فالشارع قد يكون مبلطاً حديثاً، لكنه يتحول إلى نهر بعد أول عاصفة إذا لم تُنجز شبكات التصريف قبل تبليطه.

ملف الخدمات في عهد السوداني… جسور ترتفع وخدمات تتعثر

لماذا تعثرت الخدمات رغم الأموال؟

لا يمكن تفسير ضعف الخدمات في العراق بنقص المال وحده. فالبلد أنفق خلال العقدين الماضيين مئات المليارات من الدولارات، لكنه لم يبنِ منظومة خدمات تتناسب مع ثروته وعدد سكانه.

وتعود أسباب التعثر إلى مجموعة متداخلة من العوامل.

أولها غياب التخطيط المستقر. فكل حكومة تأتي بأولويات ومشاريع جديدة، من دون أن تلتزم دائماً باستكمال خطط الحكومة السابقة.

وثانيها الفساد في الإحالات والعقود، والمغالاة في الأسعار، ومنح المشاريع لشركات لا تمتلك الخبرة أو القدرة المالية والفنية.

وثالثها تعدد الجهات المسؤولة عن الخدمة الواحدة. فقد يتبع الشارع إلى البلدية، والماء إلى دائرة أخرى، والمجاري إلى جهة ثالثة، والكهرباء إلى وزارة، فيما تتبع الأرض إلى جهة رابعة. وعندما يحدث التعارض تضيع المسؤولية بين الجميع.

ورابعها غياب الصيانة. فالدولة تخصص الأموال للبناء، لكنها لا تخصص دائماً ما يكفي للتشغيل والصيانة، فيتدهور المشروع بعد سنوات قليلة.

وخامسها التوسع العشوائي للمدن. فقد ظهرت أحياء كاملة خارج التخطيط الرسمي، ثم اضطرت الدولة إلى إدخال الماء والكهرباء والمجاري إليها بعد أن أصبحت واقعاً سكانياً كبيراً.

وسادسها الاقتصاد الريعي. فالموازنات الاستثمارية ترتفع حين ترتفع أسعار النفط، وتتراجع أو تتوقف حين تنخفض الإيرادات، ما يجعل المشاريع رهينة سوق عالمي لا تسيطر عليه الدولة.

تفاوت بين بغداد والمحافظات

حظيت بغداد بالحصة الأوضح من مشاريع حكومة السوداني، وهو أمر يمكن فهمه جزئياً بسبب عدد سكان العاصمة وحجم أزمتها المرورية ومكانتها السياسية.

لكن التركيز الكبير على جسور بغداد خلق انطباعاً لدى بعض سكان المحافظات بأن الإعمار يتركز في العاصمة، فيما تعاني مدنهم طرقاً متهالكة ومستشفيات متوقفة وماءً مالحاً ومدارس مزدحمة.

والواقع أن المحافظات شهدت مشاريع متعددة في الطرق والماء والصحة والتعليم، لكن حضورها الإعلامي كان أقل، كما أن تفاوت القدرات الإدارية بين المحافظات انعكس على سرعة التنفيذ.

فبعض المحافظات استطاعت إعداد مشاريع وإحالتها ومتابعتها، بينما بقيت محافظات أخرى أسيرة النزاعات السياسية وضعف الإدارة المحلية.

إن العدالة في توزيع الخدمات لا تعني توزيع الأموال بالتساوي الحسابي فقط، بل توزيعها وفق عدد السكان ونسب الفقر ومستوى الحرمان والحاجة الفعلية.

بين الإنجاز والدعاية

امتلكت حكومة السوداني آلة إعلامية نشطة رافقت المشاريع منذ وضع حجر الأساس حتى الافتتاح. وقد ساعد ذلك في إبراز العمل الحكومي، لكنه أدى أحياناً إلى خلط بين المشروع الذي بدأ، والمشروع الذي أُحيل، والمشروع الذي بلغت نسبة إنجازه مرحلة معينة، والمشروع الذي دخل الخدمة فعلاً.

كما أن الإعلان عن إنجاز مئات أو آلاف المشاريع لا يكفي وحده لتقييم الأداء؛ لأن المشروع قد يكون جسراً استراتيجياً بكلفة كبيرة، وقد يكون ترميم بناية صغيرة أو تبليط شارع قصير.

ولهذا ينبغي أن تعتمد الدولة منصة شفافة تُدرج فيها جميع المشاريع، وكلفها، وشركاتها المنفذة، ونسب إنجازها، وتواريخ بدئها وافتتاحها، وأسباب تأخيرها، مع تحديث دوري متاح للمواطن والصحفي والباحث.

فالشفافية لا تقل أهمية عن البناء. والمواطن الذي يعرف أين أُنفقت أمواله يصبح شريكاً في حماية المشروع، لا متلقياً للدعاية فقط.

حصيلة الولاية

يمكن القول إن حكومة محمد شياع السوداني نجحت في إحداث حركة عمرانية ملموسة، ولا سيما في بغداد. وقدمت مشاريع الجسور والمجسرات والأنفاق صورة مختلفة عن سنوات كان فيها العمل بطيئاً أو غائباً.

ويحسب لها كذلك إعادة تشغيل عدد من المشاريع المتلكئة، وتفعيل الجهد الخدمي، وإكمال مشروع ماء النهروان، وتحريك مشاريع المدارس والمستشفيات والمدن الجديدة ومداخل بغداد.

كما أظهرت أن الجهاز الحكومي العراقي قادر على الإنجاز عندما تكون هناك متابعة مباشرة وقرارات واضحة وتمويل متاح.

لكن الحكومة لم تتمكن من إحداث التحول نفسه في جميع القطاعات. فالكهرباء ظلت أزمة مفتوحة، والمدارس بقيت أقل من الحاجة، والمستشفيات لم تتحول بعد إلى منظومة صحية متكاملة، والسكن بقي بعيداً عن متناول شرائح واسعة، فيما استمر التفاوت بين العاصمة والمحافظات.

الإعمار ليس إسمنتاً فقط

حين يرتفع جسر جديد فوق بغداد، يشعر المواطن أن شيئاً من أموال بلده عاد إليه. وحين يختصر الطريق نصف ساعة من حياته، يصبح المشروع أكثر من كتلة إسمنتية؛ يصبح وقتاً مستعاداً وهدوءاً أقل ضياعاً.

لكن الدولة لا تُقاس بعدد الجسور وحدها.

الدولة هي الكهرباء التي لا تجبر الفقير على دفع اشتراك المولد، والماء الذي لا يحمل المرض إلى البيوت، والمدرسة التي لا تكدس خمسين طفلاً في غرفة واحدة، والمستشفى الذي لا يحيل المريض إلى الصيدلية لشراء أبسط المستلزمات.

لقد تركت حكومة محمد شياع السوداني أثراً خدمياً لا يمكن إنكاره، وخصوصاً في شبكة الطرق والجسور وفك الاختناقات المرورية. لكنها تركت أيضاً ملفات ثقيلة لم تُحسم، ومشاريع لم تكتمل، وأزمات كانت أعمق من أن تعالج خلال ولاية واحدة.

والمعيار الحقيقي لنجاح تجربتها لن يكون في عدد حفلات الافتتاح، بل في عمر المشاريع، وجودة تنفيذها، وعدالة توزيعها، وقدرة الحكومات اللاحقة على صيانتها وإكمال ما بقي منها.

إن العراق لا يحتاج إلى موسم إعمار مؤقت، بل إلى دولة تبني باستمرار؛ دولة لا تبدأ من جديد مع كل حكومة، ولا تترك المشاريع تموت عند كل أزمة سياسية أو انخفاض في أسعار النفط.

وحين تصبح الخدمة حقاً مستقراً لا منّة حكومية، وحين يثق المواطن بأن المدرسة والمستشفى والجسر ستُبنى لأنها جزء من خطة الدولة لا من حملة انتخابية، يمكن عندها القول إن العراق لم يعبر جسراً مرورياً فحسب، بل عبر فعلاً من دولة الوعود إلى دولة المؤسسات.