مدار الناس | الشؤون الدولية – تركيا والشرق الأوسط

من زنزانة إيمرالي إلى منزل داخل السجن… هل تبدأ مرحلة جديدة في قضية عبد الله أوجلان؟

خاص – مدار الناس | 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026

بعد نحو 27 عاماً من اعتقاله، انتقل عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني وزعيمه التاريخي، من زنزانته في سجن جزيرة إيمرالي إلى مقر سكني جديد أُعدّ له داخل المجمع السجني، في خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز مجرد تغيير ظروف الاحتجاز، وتثير تساؤلات بشأن مستقبل الصراع التركي الكردي، ومسار المفاوضات الرامية إلى إنهاء واحد من أطول النزاعات المسلحة في المنطقة.

ولا يعني الانتقال إطلاق سراح أوجلان، أو انتهاء محكوميته بالسجن المؤبد، لكنه يأتي في توقيت حساس تشهد فيه تركيا تحركات سياسية لإعادة فتح ملف التسوية مع حزب العمال الكردستاني، وسط تداخل معقد بين الاعتبارات الأمنية، والحقوق القومية الكردية، والتوازنات السياسية الداخلية والإقليمية.

من هو عبد الله أوجلان؟ من الفكر اليساري إلى قيادة التمرد الكردي

وُلد عبد الله أوجلان عام 1949 في قرية أومرلي جنوب شرقي تركيا، ونشأ في بيئة ريفية شهدت التوترات القومية والاجتماعية التي طبعت العلاقة بين الدولة التركية وقطاعات واسعة من المجتمع الكردي.

وخلال دراسته في أنقرة، تأثر بالحركات اليسارية والماركسية التي انتشرت في تركيا خلال سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يتجه إلى تأسيس تنظيم سياسي مسلح يتبنى القضية القومية الكردية.

وفي عام 1978، أسس حزب العمال الكردستاني، الذي جمع في بداياته بين الفكر الماركسي اللينيني والمشروع القومي الرامي إلى إقامة دولة كردية مستقلة. وفي عام 1984، بدأ الحزب تمرده المسلح ضد الدولة التركية، لتدخل البلاد صراعاً استمر أكثر من أربعة عقود وأودى بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص، بينهم مدنيون وعسكريون ومقاتلون من الطرفين.

وتصنف تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، فيما يرى مؤيدوه أنه نشأ في سياق طويل من التمييز القومي وتقييد الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد.

غير أن تجربة أوجلان الفكرية لم تبقَ عند حدود المشروع الانفصالي الأول؛ فقد انتقل تدريجياً، ولا سيما خلال سنوات سجنه، إلى طرح تصورات تقوم على الحكم المحلي واللامركزية والتعددية الثقافية، تحت مفهوم "الأمة الديمقراطية" و"الكونفدرالية الديمقراطية"، بدلاً من الإصرار على إقامة دولة قومية كردية مستقلة.

كيف اعتُقل أوجلان؟ رحلة انتهت في نيروبي

تعود ظروف اعتقال أوجلان إلى عام 1998، عندما تصاعد التوتر بين أنقرة ودمشق بسبب وجوده في الأراضي السورية، التي اتخذها مقراً لنشاطه السياسي والتنظيمي لسنوات.

وهددت تركيا باتخاذ إجراءات عسكرية ضد سوريا ما لم توقف دعمها لحزب العمال الكردستاني وتُبعد زعيمه عن أراضيها. وتحت هذا الضغط، غادر أوجلان سوريا في تشرين الأول/أكتوبر 1998، لتبدأ رحلة تنقل معقدة بين روسيا وإيطاليا واليونان، في محاولة للعثور على ملاذ سياسي.

لكن هذه الرحلة انتهت في العاصمة الكينية نيروبي، حيث اعتقلته أجهزة الأمن التركية في 15 شباط/فبراير 1999، في عملية استخباراتية أثارت جدلاً دولياً واسعاً.

وقد تحدثت تقارير عن دور معلومات استخباراتية أمريكية في تعقبه، لكن ذلك لا يكفي لإثبات جميع الروايات المتداولة بشأن مشاركة أجهزة استخبارات أجنبية في تنفيذ عملية الاعتقال.

ونُقل أوجلان إلى تركيا، حيث حوكم بتهم تتعلق بالخيانة والانفصال والمسؤولية عن أعمال العنف المرتبطة بتمرد حزب العمال الكردستاني. وفي حزيران/يونيو 1999 صدر بحقه حكم بالإعدام، قبل تحويل العقوبة إلى السجن المؤبد بعد الإصلاحات القانونية التي ألغت عقوبة الإعدام في تركيا.

ومنذ ذلك الحين، ظل محتجزاً في جزيرة إيمرالي الواقعة في بحر مرمرة، وسط قيود مشددة على اتصالاته وزياراته، مع فترات سُمح خلالها لمحاميه وأفراد أسرته ووفود سياسية بلقائه.

من السجين المعزول إلى طرف أساسي في مفاوضات السلام

رغم مرور أكثر من ربع قرن على اعتقاله، لم يفقد أوجلان مكانته الرمزية والسياسية داخل قطاعات من الحركة الكردية، بل تحول سجنه نفسه إلى أحد الملفات الأساسية في المفاوضات مع أنقرة.

وشهدت الفترة بين عامي 2013 و 2015  محاولة بارزة للتوصل إلى تسوية سلمية، عندما جرت اتصالات بين الحكومة التركية وأوجلان، وأسفرت عن دعوات لوقف القتال والبحث عن حل سياسي. غير أن تلك العملية انهارت عام 2015، وعادت المواجهات المسلحة، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية الكردية جنوب شرقي تركيا.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2024، حدث تحول سياسي لافت عندما طرح دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية وحليف الرئيس رجب طيب أردوغان، إمكانية منح أوجلان دوراً في إنهاء التمرد، رغم مواقف بهتشلي القومية المتشددة تاريخياً تجاه حزب العمال الكردستاني.

وجاء التحول الأبرز في 27 شباط/فبراير 2025، عندما دعا أوجلان الحزب إلى إلقاء السلاح وحل تنظيمه، معتبراً أن مرحلة الكفاح المسلح قد استنفدت مبرراتها التاريخية والسياسية.

وفي أيار/مايو من العام نفسه، أعلن الحزب قرار حل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح، لتبدأ مرحلة جديدة من البحث في آليات نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين ومعالجة الآثار القانونية والسياسية للصراع.

صورة من الخبر

لماذا نُقل أوجلان الآن؟

بحسب ما أعلنه مدحت سنجار، عضو الوفد السياسي الذي يزور أوجلان، فإن انتقاله إلى المقر الجديد يأتي في وقت تعرضت فيه عملية السلام لحالة من الجمود خلال الشهرين الماضيين.

وأكد سنجار ضرورة تسريع الخطوات السياسية والقانونية، فيما أوضحت بروين بولدان، العضو الآخر في الوفد، أن المقر الجديد لا يزال جزءاً من السجن، وأن الانتقال إليه لا يعني تغيير الوضع القانوني لأوجلان.

وكانت تقارير صحفية تركية قد تحدثت قبل الإعلان الأخير عن بناء مقر جديد داخل مجمع إيمرالي، وعن خلافات تتعلق بالدور الذي يمكن أن يؤديه أوجلان في متابعة عملية حل حزب العمال الكردستاني.

ومع ذلك، لم تتضح بصورة رسمية جميع التفاصيل المتعلقة بطبيعة المبنى أو الامتيازات التي يوفرها، كما لم يصدر ما يثبت أن الانتقال يمثل اتفاقاً نهائياً بشأن مستقبل أوجلان.

قراءة سياسية خاصة: ما الذي تريده أنقرة وما الذي ينتظره الأكراد؟

يمكن فهم الخطوة الأخيرة من خلال ثلاثة مستويات مترابطة.

أولاً: الحسابات التركية. تسعى أنقرة إلى إنهاء التهديد المسلح الذي مثله حزب العمال الكردستاني لعقود، خصوصاً في المناطق الحدودية مع العراق وسوريا. ومن شأن تفكيك البنية العسكرية للحزب أن يخفف الأعباء الأمنية ويمنح الدولة التركية مجالاً أوسع لمعالجة القضية الكردية سياسياً. لكن ذلك لا يعني بالضرورة استعداد الحكومة لتقديم جميع الإصلاحات التي تطالب بها القوى السياسية الكردية.

ثانياً: الحسابات الكردية. لا تنحصر مطالب قطاعات واسعة من الحركة السياسية الكردية في تحسين ظروف احتجاز أوجلان، بل تشمل الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية، وتعزيز المشاركة السياسية، وإصلاح التشريعات المتعلقة بالإرهاب والحريات العامة. ولذلك فإن أي تسوية تقتصر على نزع السلاح، من دون معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية للنزاع، قد تواجه صعوبات في تحقيق سلام مستدام.

ثالثاً: البعد الإقليمي. تتجاوز القضية الكردية الحدود التركية، نظراً إلى وجود تجمعات كردية كبيرة في العراق وسوريا وإيران، وإلى التشابك بين حزب العمال الكردستاني وبعض القوى الكردية المسلحة في المنطقة. ومن هنا فإن مسار السلام التركي قد يترك آثاراً على الترتيبات الأمنية في شمال العراق، وعلى مستقبل العلاقة بين أنقرة والقوى الكردية في سوريا.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين حزب العمال الكردستاني وسائر الأحزاب والقوى الكردية؛ فهذه التنظيمات تختلف في أهدافها وعلاقاتها بالدول الإقليمية، ولا يصح التعامل معها باعتبارها كتلة سياسية واحدة.

هل يمهد الانتقال إلى الإفراج عن أوجلان؟

يبقى مستقبل أوجلان القانوني من أكثر الملفات حساسية في العملية السياسية.

فقد أثارت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية سابقاً مسألة السجن المؤبد المشدد من دون وجود إمكانية حقيقية لمراجعة العقوبة، وهو ما يرتبط بالمبدأ القانوني المعروف باسم "الحق في الأمل".

لكن هذا المبدأ لا يعني الإفراج التلقائي عن السجين، وإنما يتطلب وجود آلية قانونية تسمح بمراجعة استمرار احتجازه وفق شروط محددة.

وتشير التقارير المتاحة إلى أن التشريعات التركية المتعلقة بعملية السلام لم تمنح أوجلان حتى الآن حقاً مباشراً في الإفراج المشروط. وبالتالي، فإن الانتقال إلى المبنى الجديد يبقى إجراءً يتعلق بظروف الاحتجاز، لا قراراً بتغيير العقوبة.

سلام يحتاج إلى أكثر من تغيير مكان السجن

بعد 27 عاماً من اعتقاله، تبدو المفارقة السياسية واضحة: الرجل الذي اعتقلته تركيا عام 1999 باعتباره أحد أبرز خصومها الأمنيين، أصبح اليوم طرفاً يُنظر إلى دوره باعتباره مهماً لإنهاء الصراع المسلح الذي ارتبط باسمه لعقود.

غير أن نقل أوجلان من زنزانته إلى مقر جديد في إيمرالي لا يكفي وحده للحكم على مستقبل عملية السلام.

فالاختبار الحقيقي لا يتعلق بمكان إقامة أوجلان داخل السجن، بل بقدرة الدولة التركية والحركة السياسية الكردية على الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره، ومن التفاهمات الأمنية إلى ضمانات سياسية وقانونية قابلة للتنفيذ.

وقد يكون انتقال أوجلان خطوة رمزية في هذا الاتجاه، لكنه لن يتحول إلى إنجاز تاريخي إلا إذا ترافق مع تقدم ملموس في نزع السلاح، وتوسيع الحقوق، وبناء الثقة بين الدولة ومواطنيها الأكراد.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تنتهي قضية أوجلان بتغيير ظروف سجنه، أم تبدأ من إيمرالي مرحلة جديدة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة التركية والقضية الكردية؟

إعداد: القسم السياسي – مدار الناس | تقرير وتحليل خاص، بالاستناد إلى تقارير وكالة أسوشيتد برس ورويترز وفرانس برس، والتغطية الصحفية التركية، وتصريحات أعضاء وفد إيمرالي. ويُميّز التقرير بين الوقائع المؤكدة والقراءة السياسية لاحتمالات تطورها.

دأ كتابة متن الخبر هنا... يمكنك اللصق من الوورد مع حفظ التنسيق وتغيير الاتجاه لكل فقرة

صورة من الخبر