مواجهة إعلام العدو في جميع الوسائل.
أبرز النقاط
- حرب الرواية والوعي: الصراع الإعلامي يدور حول تفسير الأحداث وتشكيل الذاكرة والرأي العام، وليس نقل الوقائع وحدها، لذلك تصبح المصداقية والقدرة على تقديم الرواية المقنعة عنصرين أساسيين.
- المبادرة بالمعلومة: التأخر في تقديم المعلومات الموثوقة يترك فراغاً تملؤه رواية الطرف الآخر، فيما يمنح السبق المدعوم بالحقائق قدرة أكبر على تشكيل الانطباع الأول لدى الجمهور.
- الفضاء الرقمي والحرب النفسية: وسائل التواصل والمحتوى المرئي القصير أصبحت من أهم ساحات التأثير، ما يستدعي خطاباً واضحاً ومتعدد اللغات، مع تجنب الشائعات والحسابات الوهمية والسجالات الرقمية غير المنتجة.
- التوثيق والمصداقية: نجاح المواجهة الإعلامية يتطلب التحقق من المصادر، وأرشفة الصور والفيديوهات والوقائع، والاستفادة منها إعلامياً وحقوقياً، لأن المصداقية والسرعة والقدرة على الإقناع أكثر فاعلية من مجرد رفع الصوت.
جاكوب شامايا
في عصرٍ باتت فيه الكلمة تسبق الرصاصة، والصورة تصنع الواقع أو تزيفه، لم تعد الحروب تقتصر على ساحات الميدان والمواجهات العسكرية فحسب، بل انتقلت إلى شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي فيما يُعرف بـحرب الوعي إن مواجهة إعلام العدو ليست مجرد ترف فكري أو رد فعل عابر، بل هي معركة وجودية تهدف إلى حماية العقل الجمعي من التضليل، وتحصين الجبهة الداخلية من الهزيمة النفسية فالعدو لا يسعى فقط لاحتلال الأرض، بل يهدف أولاً إلى احتلال الرواية وتزييف التاريخ وقلب الحقائق، مستخدماً في ذلك أحدث تقنيات الدعاية ووسائل الحرب النفسية تأتي أهمية هذا الموضوع من كون الإعلام اليوم هو السلاح الأكثر فتكاً والأوسع انتشاراً، فبإمكان خبر كاذب أو مقطع فيديو مجتزأ أن يهدم معنويات جيوش، أو يشوه عدالة قضية أمام الرأي العام العالمي لذا، فإن بناء استراتيجية إعلامية مضادة تعتمد على الصدق والمبادرة والذكاء التقني، أصبح ضرورة حتمية لكل من يسعى للدفاع عن هويته وحقوقه في وجه آلات التزييف الممنهجة.
1-حرب الرواية:- العدو يعتمد على تزييف الحقائق أو قولبتها لخدمة أهدافه المواجهة تبدأ من عصر السيولة المعلوماتية والحروب الهجينة، لم يعد الانتصار يُقاس فقط بالسيطرة على الأرض، بل القدرة في السيطرة على الوعي ما يمثل الأركان الأربعة لما يعرف ب القوة الناعمة والحروب الإدراكية، وحرب الرواية هي الصراع على من يملك القصة لا يهم ما حدث بقدر ما يهم كيف يحكى ما حدث.
وتهدف حرب الرواية إلى بناء الشرعية الأخلاقية على أفعال طرف وشيطنة الطرف الآخر، وتسعى حرب الرواية السيطرة على الذاكرة الجمعية والتاريخ الماضي لتبرير قرارات الحاضر، وتجزء الرواية عادة إلى رواية للاستهلاك المحلي للجمهور المستهدف لرفع المعنويات، وتأليف رواية دولية لكسب التعاطف للضغط السياسي.
2- المبادرة بالخبر:- في عالم الصحافة الرقمية من يكون له السبق هو الذي يحدد سقف التوقعات، وقوة الصدمة الأولى هو في الخبر الأول الذي يترسخ في ذهن المتلقي، وأي محاولة للتصحيح لاحقاً تسمى دفاعا وتكون أقل تأثيرا في ملئ الفراغ، وإذا لم تقدم روايتك فورا سيقوم خصمك بمليء هذا الفراغ بروايته مما يجعلك في موقف المبرر لا المبادر، واستخدام تكتيك في الإغراق المعلوماتي الخبر السريع والمستمر لتشتيت انتباه الخصم ومنعه من بناء رد متماسك.
والمبادرة بالخبر حيث لا يجوز ترك الساحة للخصم ليملأها بروايته، في السبق الصحفي الموثوق يكون أول مسمار في نعش الدعاية الكاذبة، واستخدام مصطلحات تعبر عن هويتنا وحقوقنا مثل احتلال بدلا من النزاع أو دفاع عن النفس بدلا من العنف والكلمات هي السلاح الأول، وهنا علنا تفكيك تحليل المحتوى لرسائل العدو الإعلامية وكشف التناقضات فيها للجمهور المحلي والدولي وهنا تبرز الأداة الاستخباراتية والإعلامية لفهم نوايا الخصم وقياس مدى تأثير الرواية، وعليه يجب تحليل اتجاهات ومعرفة المحتوى هل هو إيجابي، سلبي، محايد تجاه قضيتنا أو قضية معين، ورصد الثغرات والبحث عن التناقضات في رواية الخصم لضرب مصداقيته.
الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي هو ميدان الأكثر تأثيرا وسرعة ويحتاج إلى جيوش إلكترونية واعية، وليس فقط تكرار في سيل المعلومات، ولكن نشر الحقائق بأساليب بسيطة ومفهومة من عامة الشعب وتغليفها بتصاميم جذابة كي تلفت نظر المتلقي وبجميع اللهجات إن كان على صعيد بلد معين وإذا على الصعيد الدولي فعلينا نشر المعلومة باللغات الأكثر انتشارا عالميا لكسر احتكار العدو للمعلومة أمام الرأي العام العالمي، وأيضا المحتوى البصري أي مقاطع من الفيديو مختصر كي تصل أسرع وتنتشر بسرعة يكون أفضل من المقالات الطويلة.
3- العامل النفسي:- يهدف إعلام العدو دائما زعزعة الثقة وإحباط الروح المعنوية لخصمه ولمواجهة هذا الأسلوب يجب أن يكون الرد في تعزيز الجبهة الداخلية ونشر وحث الجميع على قرأة وتثقيف في قصص الصمود والنجاحات لرفع المعنويات، وكشف ضعف العدو وتسليط الضوء على الأزمات الداخلية لدى العدو وتناقضاته القاتلة في نشر المعلومات الكاذبة مما يفقده هيبته أمام الرأي العام الدولي وبدرجة أكبر على الصعيد الداخلي في البلد المعني.
ومع كل هذه الوسائل علينا توثيق قانوني وحقوقي لهذه الأحداث كي تكون الحجة القانونية هي الغاية في المحافل الدولية، وأيضا الأرشفة وتوثيق كل الانتهاكات بالصوت والصورة لتكون مادة إعلامية وقانونية جاهزة للاستخدام في أي وقت، وعلينا التعاون مع المؤثرين الدوليين وتزويد النشطاء والحقوقيين حول العالم بالحقائق الموثقة ليتحدثوا هم بها صوتهم يصل لدوائر أحيانا لا نصل إليها، وبالمقابل على صعيد البلد هناك أدوات عملية تصل للمواطن بشكل سريع وسلس هو الهاتف المحمول وكل هاتف هو حساب تواصل اجتماعي فبطبيعة الحال هو وسيلة إعلامية ومزود بكامرة للتوثيق، وعلينا التحقق من المعلومات التي تصلنا أو نتلقاها وهنا يجب التأكيد من مصادر المعلومة كي لا نساهم في نشر الشائعات الكاذبة والتي قد يغذيها العدو لأثارة البلبلة، وعلينا تجنب الانجرار وراء الحسابات الوهمية أي ما يسمى الذباب الإلكتروني، ويجب أن يكون التركيز على نشر قضيتنا وليس مجرد الشجار الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويكون تواصلنا تفاعل ذكي لإيصال قضيتنا، وعلينا أن نبدع في استخدام الفن، الرسومات الساخرة أي الكاريكاتير، والموسيقى لإيصال رسالتنا بطريقة إنسانية تلمس مشاعر المتلقي الداخلي والدولي وبجميع اللغات إن وجدت الإمكانات.
وأخيرا حرب الرواية هي معركة شرعية الوجود من يملك المصطلح ويبادر بالخبر ويحلل المحتوى بذكاء يستطيع أن يحول الهزيمة إن كانت (عسكرية أو سياسة) إلى نصر أو العكس في هذا الصراع الحقيقة ليست ما حدث فعلا، بل هي ما يقتنع الناس أنه حدث، والمواجهة الإعلامية الناجحة هي التي تجمع بين صدق المعلومة وسرعة الانتشار والذكاء في التوجيه، نحن لا نحتاج فقط لرفع الصوت، بل نحتاج لأن يكون صوتنا مسموعا ومقنعا.


التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.