مدار الناس | متابعة سياسية خاصة | 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2026

المؤتمر الثاني عشر للشيوعي العراقي... معركة تجديد القيادة واختبار الديمقراطية الداخلية

قبل أيام من انعقاده، تتصاعد المناقشات بشأن النظام الداخلي وصلاحيات القيادة ومستقبل موقع السكرتير، وسط دعوات إلى مراجعة التجربة السياسية والتنظيمية واستعادة الحضور الجماهيري للحزب.

مدار الناس – متابعة وتحليل سياسي خاص

بقلم/ د. سلام قاسم

يستعد الحزب الشيوعي العراقي لعقد مؤتمره الوطني الثاني عشر، في محطة تنظيمية وسياسية تكتسب أهمية تتجاوز انتخاب لجنة مركزية جديدة أو إقرار وثائق حزبية معدلة. فالمؤتمر يأتي في وقت يواجه فيه الحزب أسئلة تتعلق بموقعه في الحياة السياسية العراقية، وفاعلية خطابه اليساري، وقدرته على تجديد بنيته التنظيمية وتوسيع حضوره بين الأجيال الجديدة.

وتكشف متابعة المناقشات المنشورة في الموقع الرسمي للحزب، وصحيفة "طريق الشعب"، ومقالات عدد من كوادره وأعضائه، عن حوار يتناول طبيعة القيادة، وآليات اتخاذ القرار، وحدود صلاحيات السكرتير، وحقوق الأقلية التنظيمية، ومستقبل العلاقة بين الحزب وجمهوره.

ولا تعني هذه المناقشات بالضرورة وجود انقسام تنظيمي أو صراع معلن على القيادة، لكنها تكشف عن تباينات فعلية في التصورات المطروحة بشأن مستقبل الحزب.

رائد فهمي: تشخيص الأزمة السياسية والدعوة إلى توسيع الاحتجاج

في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، نشرت صحيفة "طريق الشعب" تقريراً عن اللقاء المفتوح الذي استضاف سكرتير اللجنة المركزية رائد فهمي ضمن فعاليات مهرجان الصحيفة الحادي عشر، وأدار الحوار فيه الإعلامي علي المهنا.

وتناول اللقاء تداعيات انتفاضة تشرين، ومستقبل الحركات الاحتجاجية، وأسباب استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية، إلى جانب ملف حصر السلاح والتوترات الإقليمية.

وجاء التقرير بعنوان يؤكد أن استمرار الأزمات يعكس عجز المنظومة الحاكمة عن تقديم الحلول، وأن الاحتجاج سيبقى ما دامت أسبابه قائمة. وهو موقف ينسجم مع الخطاب السياسي الذي يطرحه الحزب بشأن ضرورة تغيير نهج المحاصصة ومواجهة الفساد.

غير أن هذا الموقف يفتح سؤالاً تنظيمياً وسياسياً لا يقل أهمية، كيف يستطيع الحزب تحويل نقده للمنظومة الحاكمة إلى حضور جماهيري منظم، يتجاوز إصدار البيانات والمشاركة في الفعاليات الاحتجاجية؟

فالتمييز بين صحة التشخيص السياسي وفاعلية الأدوات التنظيمية ضروري لفهم التحديات التي تواجه الحزب. وقد ينجح تنظيم سياسي في تحديد أسباب الأزمة، من دون أن يمتلك بالضرورة الوسائل الكافية للتأثير في مسارها.

موقع السكرتير... القضية الأكثر حساسية في مناقشات النظام الداخلي

تُعد مسألة تحديد ولاية سكرتير اللجنة المركزية من أبرز القضايا التي ظهرت في النقاشات التحضيرية.

فالنظام الداخلي المعتمد في المؤتمر الحادي عشر ينص على انتخاب السكرتير لدورتين متتاليتين فقط، بينما تشير المناقشات المنشورة بشأن مسودة النظام الداخلي الجديدة إلى حذف هذا القيد من النص المطروح للنقاش.

وفي الثالث من تموز/يوليو 2026، أثار الكاتب حكمة إقبال هذه المسألة في مقال بعنوان "سكرتير اللجنة المركزية - حوار هادئ نحو المؤتمر الوطني الثاني عشر"، متسائلاً عن مستقبل موقع السكرتير، وإمكان اختيار قيادة جديدة، أو تعديل القاعدة التنظيمية بما يسمح باستمرار رائد فهمي لدورة أخرى.

وطرح الكاتب تساؤلات بشأن إعداد الكوادر القيادية وتجديد المواقع التنظيمية، معتبراً أن الحفاظ على تحديد الولاية يمكن أن يعزز تداول المسؤوليات داخل الحزب.

وفي المقابل، تكشف وثيقة منشورة باسم محلية الثورة الجديدة، تتضمن ملاحظات على مسودة النظام الداخلي، أن غالبية المشاركين في المناقشات التي لخصتها الوثيقة اقترحوا حذف القيد المتعلق بدورتين، فيما اقترح اثنان تحديد الولاية بثلاث دورات.

وهنا تكمن أهمية التمييز بين المواقف، فمقترح حذف القيد ليس قراراً نهائياً، كما أن المطالبة بالإبقاء عليه لا تمثل بالضرورة موقف جميع المعترضين على التعديل.

ولم أعثر، حتى تاريخ إعداد هذه المتابعة، على إعلان رسمي يتضمن قائمة المرشحين لموقع السكرتير أو لعضوية اللجنة المركزية الجديدة، ولا على تصريح مباشر لرائد فهمي يعلن فيه موقفه الشخصي من الترشح لدورة جديدة.

ومن ثم، فإن الحديث عن أسماء محسومة لخلافته، أو عن اتفاق نهائي على استمراره، لا يستند حالياً إلى معلومات منشورة يمكن التحقق منها.

الديمقراطية الداخلية... من المبادئ إلى آليات التطبيق

لا تقتصر المناقشات التحضيرية على اختيار القيادة، بل تمتد إلى بنية الحزب التنظيمية وطريقة إدارة الاختلاف.

ففي العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، نشر الكاتب رزكار عقراوي دراسة بعنوان "التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي"، وقد نشرتها منصة مدار الناس الاعلامية، تناول فيها مسودة النظام الداخلي المطروحة للمؤتمر، واقترح تطويرها باتجاه توسيع صلاحيات القاعدة الحزبية، وتعزيز القيادة الجماعية، وتنظيم حق الاختلاف، وتوسيع استخدام الاستفتاءات الداخلية.

كما انتقد النص الذي يتيح للجنة المركزية تسمية نسبة من مندوبي المؤتمر، معتبراً أن اختيار جزء من الهيئة التي ستقيّم عمل القيادة المنتهية ولايتها يستحق إعادة النظر لضمان تمثيل أوسع للمنظمات القاعدية.

وتضمنت الدراسة مقترحات لفصل المسؤوليات التنظيمية والرقابية، وتحديد مدد شغل المواقع القيادية، وإقرار آليات أوضح للمساءلة وسحب الثقة.

وفي المقابل، أظهرت ملاحظات أخرى منشورة على موقع الحزب تحفظات بشأن بعض صور التعبير العلني عن رأي الأقلية، ودعوات إلى تنظيم هذا الحق ضمن الأطر الحزبية.

وهذا الاختلاف يطرح مسألة جوهرية، هل ينبغي أن تبقى الديمقراطية الداخلية محكومة أساساً بوحدة القرار التنظيمي بعد اتخاذه، أم تتسع لتعدد الاتجاهات الفكرية والتعبير العلني عنها ضمن ضوابط متفق عليها؟

إن الإجابة التي سيقدمها المؤتمر، سواء عبر تعديل النصوص أو الإبقاء عليها، ستكون ذات دلالة على طبيعة التطور التنظيمي الذي يختاره الحزب.

البرنامج السياسي... هل تكفي الشعارات لإنتاج بديل قابل للتطبيق؟

في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر، نشر الموقع الرسمي للحزب ملاحظات هيئات محلية المثقفين بشأن مسودة البرنامج السياسي المقدمة إلى المؤتمر الثاني عشر.

وتكتسب هذه الوثيقة أهمية خاصة لأنها لا تكتفي بتأكيد الأهداف التقليدية للحزب، بل تتضمن مطالب بتحديد الأولويات التنفيذية، وتقدير مصادر تمويل البرامج الاجتماعية والاقتصادية، ووضع مؤشرات قابلة للقياس لمكافحة الفساد وخلق فرص العمل وتحسين الخدمات.

كما تناولت الملاحظات مجانية التعليم، والعلاقة بين القطاعين العام والخاص، والتنويع الاقتصادي، والبيئة، والتحول الرقمي، وحقوق المكونات العراقية، وتحديات بناء الدولة المدنية الديمقراطية.

وتكشف هذه المقترحات عن إدراك لدى المشاركين في إعدادها بأن صياغة الأهداف العامة، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لإقناع الجمهور بجدوى البديل السياسي.

ومن الناحية التحليلية، فإن التحدي هنا لا يتعلق بالتخلي عن الهوية الفكرية للحزب، وإنما بقدرته على تحويل تلك الهوية إلى سياسات اقتصادية واجتماعية محددة، يستطيع المواطن تقييمها ومقارنتها بالسياسات الحكومية القائمة.

فالدفاع عن العدالة الاجتماعية، مثلاً، يكتسب مضموناً عملياً عندما يقترن بسياسات واضحة للأجور والضرائب والضمان الاجتماعي والسكن والخدمات، مع تحديد مصادر التمويل وآليات التنفيذ.

وهذه واحدة من القضايا التي قد تحدد طبيعة الخطاب السياسي للحزب خلال المرحلة المقبلة.

مراجعة التجربة التنظيمية... دعوات إلى إشراك أوسع للكوادر

وفي السادس من تشرين الثاني/نوفمبر أيضاً، نشر الكاتب ناظم ختاري مقالاً بعنوان "آلية صياغة وثائق المؤتمر الوطني"، دعا فيه إلى تطوير طريقة إعداد الوثائق الأساسية، بحيث لا تبقى عملية الصياغة محصورة في نطاق ضيق، وإنما تستفيد من الآراء المتراكمة لدى الهيئات والكوادر الحزبية.

واقترح تشكيل لجان متخصصة لإعداد البرنامج والنظام الداخلي والتقرير السياسي، مع إشراك أصحاب الخبرة والاختصاص، وتوفير وقت كافٍ لمناقشة المسودات قبل عرضها على المؤتمر.

وتعكس هذه الدعوة اتجاهاً نقدياً يرى أن التجديد لا يتحقق بمجرد تغيير الأشخاص أو تعديل بعض الفقرات التنظيمية، بل يحتاج إلى تطوير الآليات التي تُنتج بها السياسات والقرارات.

غير أن المقال يمثل موقف صاحبه، ولا يمكن اعتباره إقراراً رسمياً من الحزب بوجود أزمة تنظيمية شاملة أو تبنياً لهذه المقترحات.

استعادة الجمهور... من التنظيم التاريخي إلى تحديات الأجيال الجديدة

في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر، نُشرت على الموقع الرسمي للحزب رسالة موجهة إلى أعضاء المؤتمر الثاني عشر، تناولت تراجع الحضور الجماهيري للحزب، وربطته بعوامل تاريخية وسياسية، إلى جانب أخطاء ذاتية في العمل السياسي والتنظيمي.

ودعت الرسالة إلى تبسيط الخطاب السياسي، وتوسيع التواصل المباشر مع المواطنين، والاستفادة من المنصات الرقمية، وتنشيط العمل الثقافي والإعلامي، وإيجاد وسائل عملية لاستعادة العلاقة مع الأعضاء السابقين والأصدقاء.

وتكتسب هذه الملاحظات أهمية في ضوء التحولات التي شهدها المجتمع العراقي منذ عام 2003، وتغير أنماط المشاركة السياسية لدى الشباب، واتساع دور الحركات الاحتجاجية والمبادرات المدنية خارج الأطر الحزبية التقليدية.

لكن استعادة الحضور الجماهيري لا يمكن قياسها بعدد الفعاليات أو المنشورات وحده، فهي تتطلب أيضاً معرفة مدى قدرة الحزب على استقطاب أعضاء جدد، وتنظيم نشاط مستدام في الجامعات والنقابات والأحياء، وتحويل التأييد السياسي إلى مشاركة فعلية.

المؤتمر بين الاستمرارية والتجديد

يمكن استخلاص ثلاثة اتجاهات رئيسية من المناقشات المنشورة، من دون افتراض أنها تمثل تكتلات تنظيمية متمايزة داخل الحزب.

الاتجاه الأول... يركز على الاستمرارية التنظيمية والحفاظ على الخبرة القيادية، ويرى في تعديل بعض القيود التنظيمية مجالاً لتوفير مرونة أكبر في اختيار المسؤولين.

أما الاتجاه الثاني... فيشدد على تداول المواقع القيادية وتحديد مدد المسؤولية، باعتبار ذلك وسيلة لتجديد الكوادر وتوسيع فرص المشاركة.

ويذهب اتجاه ثالث... إلى أن تغيير القيادة، على أهميته، لا يكفي ما لم يترافق مع مراجعة أوسع للبنية التنظيمية وآليات اتخاذ القرار وصياغة السياسات والعلاقة مع المجتمع.

ولا تسمح المواد المنشورة بتحديد الوزن التنظيمي لكل اتجاه، أو الجزم بأن أصحاب هذه الآراء يتحركون ضمن قوائم انتخابية متنافسة.

ماذا ينتظر الحزب بعد المؤتمر؟

تكتسب نتائج المؤتمر أهميتها من طبيعة القرارات التي ستصدر عنه، وليس من أسماء أعضاء القيادة الجديدة وحدها.

وسيكون من المهم متابعة ما إذا كان المؤتمر سيقر تعديلات على مدة ولاية السكرتير، وكيف سيعالج مقترحات توسيع المشاركة الداخلية، وما إذا كان البرنامج الجديد سيتضمن أولويات سياسية واقتصادية قابلة للتنفيذ والتقييم.

كذلك تبرز أهمية مراجعة تجربة التحالفات السياسية، وتحديد طبيعة العلاقة المستقبلية بين الحزب والقوى المدنية واليسارية والحركات الاحتجاجية، خصوصاً في ظل استمرار الخلافات بشأن آليات التغيير السياسي في العراق.

ومن منظور دراسة الأحزاب السياسية، فإن المؤتمر الوطني يؤدي وظيفتين متلازمتين:

- تجديد الشرعية التنظيمية للقيادة.

- مراجعة قدرة الحزب على تمثيل المصالح الاجتماعية التي يعلن الدفاع عنها.

وقد يتحقق التجديد في إحدى الوظيفتين من دون الأخرى، ولذلك لا يكفي انتخاب قيادة جديدة للحكم على عمق التغيير، كما لا يعني استمرار بعض القيادات غياب التجديد بالضرورة.

مؤتمر انتخابي أم محطة للمراجعة السياسية؟

يصل الحزب الشيوعي العراقي إلى مؤتمره الثاني عشر حاملاً إرثاً سياسياً وتنظيمياً طويلاً، وفي الوقت نفسه يواجه تحديات تتعلق بموقعه في مجتمع تغيرت بنيته السياسية والاجتماعية ووسائل التعبير فيه.

وتظهر المناقشات المنشورة أن هناك اهتماماً فعلياً بقضايا تداول القيادة، والديمقراطية الداخلية، وتحديث البرنامج، واستعادة الصلة بالجمهور. لكنها لا تكفي، قبل انعقاد المؤتمر وصدور قراراته، للحكم على مدى التحول الذي سيحدث.

ويبقى السؤال الأهم، هل ستتحول المراجعات والمقترحات المطروحة إلى قواعد تنظيمية وسياسات عملية، أم ستظل جزءاً من النقاش الدوري الذي يسبق المؤتمرات الحزبية؟

الإجابة لن يقدمها البيان الختامي وحده، بل ستظهر أيضاً في ممارسات القيادة الجديدة، وفي طبيعة العلاقة بين الهيئات الحزبية وقواعدها، وفي قدرة الحزب على ترجمة مواقفه السياسية إلى عمل ملموس داخل المجتمع العراقي.

ملاحظة تحريرية ومصادر المتابعة

أُعدّت هذه المتابعة استناداً إلى مواد منشورة حتى 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وأبرزها: