مدار الناس | العراق – إقليم كردستان | الخميس 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2026
كردستان على حافة الانقسام السياسي.. بافل طالباني يعلن الانسحاب من الحكومة ويلوح بتشكيل سلطة موازية في السليمانية
تصعيد غير مسبوق بين الحزبين الكرديين بعد إعادة تفعيل البرلمان في أربيل.. والاتحاد الوطني يرفض الاعتراف بالقرارات الجديدة ويحذر من فرض الأمر الواقع
مدار الناس – تقرير خاص
دخل إقليم كردستان العراق، مساء الخميس 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مرحلة جديدة من التصعيد السياسي، عقب إعلان رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، بافل جلال طالباني، انسحاب حزبه من حكومة الإقليم، ورفض الاعتراف بالجلسة الأخيرة لبرلمان كردستان وما قد يترتب عليها من قرارات أو تعيينات، ملوحاً باتخاذ خطوات مماثلة في مناطق نفوذ حزبه إذا مضى الحزب الديمقراطي الكردستاني في تشكيل مؤسسات الحكم من دون توافق سياسي.
وجاء الإعلان في خطاب مصور أعقب اجتماع المجلس القيادي للاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية، قال طالباني إنه منحه الصلاحيات اللازمة لاتخاذ القرارات المتعلقة بالأزمة المتفاقمة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتزعمه مسعود بارزاني.
ووصف طالباني الحكومة القائمة بأنها فاشلة وعاجزة عن تلبية احتياجات المواطنين، مؤكداً أن حزبه لن يعترف بأي حكومة أو منصب ينتج عن الإجراءات البرلمانية الأخيرة في أربيل.
ويُعد هذا الموقف واحداً من أشد التحديات التي تواجه الشراكة السياسية بين الحزبين منذ توحيد الإدارتين الكرديتين عام 2006، إذ يفتح الباب أمام احتمال قيام مؤسسات حكم متنافسة داخل الإقليم، ويعيد إلى الواجهة مخاوف الانقسام الإداري والسياسي بين أربيل والسليمانية.
أولاً: جلسة برلمانية تشعل الأزمة
بدأ التصعيد المباشر يوم الأربعاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر، عندما عقد برلمان إقليم كردستان جلسة بعد فترة طويلة من التعطيل السياسي، بمشاركة 52 نائباً من أصل 100، أي بفارق مقعد واحد عن النصاب القانوني المطلوب.
وانتخب النواب المشاركون فالا فريد، رئيسة كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني، رئيسة للبرلمان، في خطوة اعتبرها الحزب الديمقراطي استعادة لعمل المؤسسة التشريعية وإنهاءً لحالة الشلل التي عطلتها.
لكن الاتحاد الوطني الكردستاني وحلفاءه، وفي مقدمتهم حراك الجيل الجديد، قاطعوا الجلسة، معتبرين أن عقدها من دون اتفاق سياسي مسبق يمثل محاولة لفرض واقع جديد يتجاوز التفاهمات بين القوى الرئيسية في الإقليم.
وزادت مشاركة ثلاثة نواب انتُخبوا على قائمة الاتحاد الوطني في الجلسة من حدة الخلاف، وسط اتهامات وجهها طالباني إلى خصومه باستخدام المال والضغط السياسي للتأثير في مواقف بعض البرلمانيين.
وهذه الاتهامات لم تُثبت بأدلة مستقلة حتى وقت إعداد التقرير، فيما يؤكد الحزب الديمقراطي أن الجلسة استوفت نصابها القانوني وأن إعادة تفعيل البرلمان ليست موجهة ضد أي طرف سياسي.
ثانياً: طالباني يعلن القطيعة الحكومية
في خطابه، كشف بافل طالباني أنه زار أربيل أكثر من خمس عشرة مرة في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل حكومة جديدة، إلا أن المفاوضات، بحسب روايته، اصطدمت بعراقيل متكررة حالت دون تحقيق نتائج.
واعتبر أن الحكومة التي يترأسها مسرور بارزاني لم تتمكن من معالجة المشكلات الأساسية للمواطنين، ولا سيما الأوضاع المعيشية والخدمات وأسعار الوقود.
وقال إن قرار الاتحاد الوطني الأول هو الانسحاب من الحكومة القائمة اعتباراً من لحظة الإعلان، مع توجيه إمكانات الحزب لخدمة المواطنين في المناطق الواقعة ضمن نفوذه.
غير أن الانسحاب السياسي المعلن يثير تساؤلات عملية بشأن مصير الوزراء والمسؤولين المنتمين إلى الاتحاد الوطني، ومن بينهم نائب رئيس حكومة الإقليم قوباد طالباني، شقيق بافل طالباني، فضلاً عن آليات إدارة المؤسسات المشتركة.
ولم تتضح بعد جميع الإجراءات التنفيذية للانسحاب أو الكيفية التي ستُدار بها الملفات الحكومية والأمنية والخدمية المشتركة.
ثالثاً: التلويح بحكومتين داخل إقليم واحد
كان أخطر ما ورد في خطاب طالباني إعلانه الاستعداد للرد بالمثل على أي تعيينات أو قرارات تتخذها القوى السياسية في أربيل.
فإذا جرى تعيين رئيس للإقليم، هدد الاتحاد الوطني بتعيين رئيس آخر، وإذا شُكّلت حكومة جديدة، فإنه قد يتجه إلى تشكيل حكومة مقابلة، بما يشمل المناصب الوزارية.
وهذا الموقف يتجاوز الخلاف التقليدي على توزيع المناصب، لأنه يضع وحدة المؤسسات السياسية في الإقليم أمام اختبار بالغ الحساسية.
ويستند النظام السياسي في كردستان إلى مؤسسات إقليمية موحدة دستورياً، لكن النفوذ الحزبي والجغرافي ظل موزعاً بصورة كبيرة بين الحزب الديمقراطي في أربيل ودهوك، والاتحاد الوطني في السليمانية وحلبجة.
ومن الناحية الدستورية، لا يوفر الدستور العراقي إجراءً مباشراً يسمح لجزء من إقليم قائم بالانفصال عنه إدارياً بقرار حزبي منفرد. ولذلك فإن تشكيل مؤسسات موازية، إذا انتقل من التهديد إلى التنفيذ، قد يفضي إلى نزاع قانوني وسياسي واسع بشأن شرعية المؤسسات وصلاحياتها.
رابعاً: ذاكرة الانقسام الكردي تعود إلى الواجهة
لا يمكن فهم خطورة التصعيد الحالي من دون العودة إلى تاريخ العلاقة بين الحزبين الكرديين.
فقد شهدت تسعينيات القرن الماضي صراعاً مسلحاً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بلغ ذروته خلال الحرب الداخلية بين عامي 1994 و1998.

وانتهت تلك المرحلة باتفاق سلام رعته الولايات المتحدة في واشنطن عام 1998، غير أن الإقليم بقي عملياً تحت إدارتين منفصلتين، قبل أن تُوحَّدا رسمياً عام 2006.
وعلى الرغم من توحيد الحكومة والبرلمان، احتفظ الحزبان بنفوذ واسع داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية في مناطق سيطرتهما التقليدية.
وقد شهد أيلول/سبتمبر 2026 خطوات باتجاه توحيد القيادة العسكرية لقوات البيشمركة ضمن وزارة شؤون البيشمركة، لكن الانقسام التاريخي في هياكل النفوذ لم يُعالج بصورة كاملة.
ولهذا فإن التهديد بتشكيل إدارتين متنافستين لا يثير مخاوف سياسية فحسب، بل يطرح أيضاً أسئلة بشأن مستقبل التنسيق الأمني وإدارة الموارد العامة.
خامساً: الأزمة في ضوء نتائج انتخابات 2024
تعود جذور الأزمة الحالية إلى الخلافات التي أعقبت انتخابات برلمان كردستان في تشرين الأول/أكتوبر 2024، والتي لم تمنح أي حزب أغلبية منفردة.
حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 39 مقعداً، مقابل 23 مقعداً للاتحاد الوطني، فيما نال حراك الجيل الجديد 15 مقعداً.
وفي وقت لاحق، شكل الاتحاد الوطني وحراك الجيل الجديد تحالفاً برلمانياً يضم 38 نائباً، ما أدى إلى تعقيد التفاوض بشأن توزيع المناصب العليا وتشكيل الحكومة.
وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا تتعلق فقط بالخلاف الشخصي بين القيادات، وإنما بغياب اتفاق مستقر على قواعد تشكيل السلطة وتوزيع صلاحياتها داخل الإقليم.
سادساً: بغداد أمام اختبار سياسي جديد
تتجاوز تداعيات الأزمة حدود إقليم كردستان، نظراً إلى ارتباط مؤسساته بالحكومة الاتحادية في بغداد، ولا سيما في ملفات الموازنة العامة والرواتب والإيرادات النفطية.
وأشار طالباني في خطابه إلى الجهود التي يبذلها حزبه في بغداد لمعالجة أزمة الرواتب وتحسين الأوضاع المعيشية، في إشارة إلى استمرار قنوات التواصل مع الحكومة الاتحادية رغم تصاعد الخلاف داخل الإقليم.
ومن المرجح أن تجد بغداد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً إذا تحولت الأزمة إلى انقسام مؤسسي فعلي، خصوصاً في ما يتعلق بتحديد الجهات المخولة بإدارة الأموال الاتحادية وتوزيع الرواتب والتفاوض بشأن الموارد.
لكن لا توجد حتى الآن مؤشرات مؤكدة على أن الحكومة الاتحادية اعترفت بأي سلطة موازية أو تبنت موقفاً رسمياً يدعم تقسيم المؤسسات الإقليمية.
سابعاً: هل يتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة؟
على الرغم من حدة الخطاب، حرص بافل طالباني على تأكيد رفضه إراقة الدماء، ووجّه رسالة تطمين إلى المواطنين، مشدداً على أن الاتحاد الوطني لا يسعى إلى مواجهة مسلحة.
وهذه الإشارة تحمل أهمية خاصة في ضوء التاريخ الأمني للعلاقة بين الحزبين، لكنها لا تلغي مخاطر التصعيد إذا امتد الخلاف إلى المؤسسات الأمنية أو الموارد المالية أو إدارة المناطق المتنازع على نفوذها.
ويمكن تحديد ثلاثة مسارات محتملة للأزمة:
- العودة إلى التفاوض: التوصل إلى تسوية بشأن رئاسة البرلمان والحكومة وتوزيع المناصب، بما يحفظ وحدة المؤسسات.
- استمرار القطيعة السياسية: بقاء المؤسسات القائمة في أربيل مع امتناع الاتحاد الوطني عن الاعتراف بقراراتها الجديدة، وتصاعد التنافس الإداري.
- قيام مؤسسات موازية: انتقال التهديدات إلى خطوات تنفيذية، وهو السيناريو الأكثر خطورة بسبب تداعياته الدستورية والاقتصادية والأمنية.
ولا يمكن الجزم بأي من هذه السيناريوهات قبل اتضاح القرارات العملية للطرفين وردود الفعل السياسية والقضائية.
قراءة "مدار الناس": أزمة شراكة أم أزمة نظام حكم؟
تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة الكردستانية ليست مجرد خلاف على رئاسة البرلمان أو توزيع الحقائب الوزارية، وإنما تعبير عن اختلال أعمق في العلاقة بين الشرعية الانتخابية والتوافقات الحزبية.
فالحزب الديمقراطي يستند إلى تصدره نتائج الانتخابات وإلى النصاب الذي تحقق في الجلسة البرلمانية، بينما يرى الاتحاد الوطني أن إدارة الإقليم لا يمكن أن تستقر بقرارات أحادية تتجاوز التوازنات السياسية التي قامت عليها الشراكة بين الحزبين.
وهنا تبرز إشكالية جوهرية، هل تُدار مؤسسات الإقليم بمنطق الأغلبية البرلمانية، أم وفق تفاهمات تقاسم السلطة بين القوى الرئيسية؟
الاحتكام إلى الأغلبية ليس خروجاً على الديمقراطية بحد ذاته، كما أن التوافق ليس بديلاً دائماً عن المؤسسات الدستورية. لكن الأزمة تتفاقم عندما تتحول الأغلبية إلى وسيلة لإقصاء الشركاء، أو يتحول اشتراط التوافق إلى حق تعطيل مفتوح.
كما أن مسؤولية التعثر الحكومي لا يمكن تحميلها لطرف واحد من دون مراجعة دور القوى المشاركة في إدارة الإقليم خلال السنوات الماضية، بما فيها الاتحاد الوطني نفسه.
والأخطر أن يتحول الخلاف على إدارة السلطة إلى نزاع على شرعية الدولة ومؤسساتها، بما يهدد مصالح المواطنين الذين يتحملون أصلاً أعباء الأزمات المالية والخدمية.
إن الاختبار الحقيقي أمام الحزبين اليوم ليس القدرة على تشكيل حكومتين، وإنما القدرة على الحفاظ على حكومة واحدة تستمد شرعيتها من القانون والانتخابات، وتخضع للمساءلة وتضمن حقوق جميع مواطني الإقليم.








التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.