الكهرباء والغاز الإيراني في العراق: كلفة الاعتماد على الخارج وأزمة البحث عن الاستقلال الطاقوي
بقلم: محمد عبد أحمد الخفاجي
باحث في الشأن السياسي
يمتلك العراق ثروة نفطية وغازية كبيرة، وكان من المفترض أن تشكل هذه الموارد أساساً لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة وضمان استقرار منظومة الكهرباء. إلا أن الواقع يكشف مفارقة اقتصادية واضحة؛ فالعراق لا يزال يعتمد على استيراد الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء، في الوقت الذي تُحرق فيه كميات كبيرة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، بدلاً من استثمارها وتحويلها إلى مورد يخدم الاقتصاد الوطني.
وتطرح هذه المفارقة تساؤلاً جوهرياً: كيف لدولة تمتلك موارد غازية كبيرة أن تنفق مليارات الدولارات سنوياً على الاستيراد، بينما لا تزال عاجزة عن استثمار جزء مهم من ثروتها المحلية؟
أولاً: فاتورة الاستيراد ومخاطر الاعتماد الخارجي
يشكل الغاز الإيراني أحد مصادر الوقود المهمة لمحطات الكهرباء العراقية. ووفقاً لتقرير نشرته وكالة رويترز في 10 آذار 2025، نقلاً عن مسؤولين عراقيين، تتراوح المدفوعات السنوية مقابل استيراد الغاز الإيراني بين 4 و5 مليارات دولار، فيما تصل الإمدادات المتعاقد عليها إلى نحو 50 مليون متر مكعب يومياً بحسب احتياجات العراق.
ولا تقتصر خطورة هذا الاعتماد على الأموال التي تُدفع سنوياً، بل تشمل أيضاً تعرض منظومة الكهرباء لمخاطر تراجع الإمدادات أو توقفها، وما يترتب على ذلك من انخفاض ساعات التجهيز، خصوصاً خلال فصل الصيف، حين يرتفع الطلب على الطاقة إلى مستويات كبيرة.
إن استمرار الاعتماد على مصدر خارجي واحد بهذا الحجم يجعل قطاع الكهرباء عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية، ويحد من قدرة العراق على اتخاذ قرارات مستقلة في إدارة ملف الطاقة.
ثانياً: غاز يُستورد وآخر يُحرق
تكمن المفارقة الأكبر في استمرار حرق الغاز المصاحب في الحقول النفطية العراقية، رغم حاجة محطات الكهرباء إلى الوقود. ووفقاً لدراسة صادرة عن مركز كولومبيا للاستثمار المستدام عام 2025، أحرق العراق نحو 17.7 مليار متر مكعب من الغاز خلال عام 2023، وهي كمية تعكس حجم الفرصة الاقتصادية الضائعة.
إن حرق الغاز بالتزامن مع استيراده لا يمثل هدراً للموارد فحسب، بل يكشف خللاً في التخطيط والاستثمار؛ إذ تتحول ثروة وطنية قابلة للاستفادة إلى انبعاثات ملوثة، بينما تتحمل الموازنة العامة أعباء شراء الغاز من الخارج.
ولا تقتصر أهمية استثمار الغاز المصاحب على توفير الوقود لمحطات الكهرباء، بل تمتد إلى دعم الصناعات البتروكيميائية والأسمدة وتوفير فرص العمل وتعزيز الإيرادات الوطنية.
ثالثاً: هل الغاز العراقي أقل كلفة من الغاز الإيراني؟
لا يمكن اعتبار الغاز المحلي مورداً بلا كلفة، فهو يحتاج إلى استثمارات في عمليات الاستخراج والجمع والمعالجة والنقل، فضلاً عن إنشاء البنية التحتية اللازمة لإيصاله إلى محطات الكهرباء.
لكن تطوير الإنتاج المحلي يمنح العراق فرصة استراتيجية لتقليل فاتورة الاستيراد وتعزيز أمنه الطاقوي على المدى الطويل.
ومن المهم هنا التمييز بين سعر شراء الغاز المستورد وكلفة إنتاج الغاز المحلي؛ فالمقارنة الدقيقة لا يمكن أن تقوم على رقم واحد، وإنما تحتاج إلى بيانات موحدة تشمل كلفة الإنتاج والمعالجة والنقل، وكلفة تطوير الحقول، وشروط عقود الاستيراد، فضلاً عن كميات الغاز الفعلية المجهزة.
ولا تتوافر في البيانات المنشورة بصورة كافية مقارنة مالية تفصيلية تسمح بالجزم بأن كل وحدة من الغاز العراقي أرخص بنسبة محددة من الغاز الإيراني. لذلك فإن نشر تفاصيل العقود والأسعار والكميات وكلف الإنتاج المحلية يمثل ضرورة لتحقيق الشفافية وتقييم الجدوى الاقتصادية بصورة موضوعية.
ومع ذلك، فإن امتلاك العراق موارد غازية كبيرة يمنحه فرصة لتقليل الاعتماد الخارجي، خصوصاً إذا اقترن الاستثمار المحلي بتخطيط طويل الأمد وإدارة اقتصادية فعالة.
رابعاً: مسؤولية الحكومات والحاجة إلى استراتيجية وطنية
لا يمكن فصل أزمة الكهرباء والغاز عن أداء الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003. فعلى الرغم من الأموال الكبيرة التي خُصصت لقطاع الطاقة، بقيت المشكلة حاضرة، واستمرت المعالجات الموسمية بدلاً من بناء استراتيجية مستقرة طويلة الأمد.
ولا يتعلق الأمر بتحميل حكومة واحدة كامل المسؤولية، بل بمساءلة تراكمية عن تأخر المشاريع، وضعف استثمار الغاز المصاحب، وعدم تحقيق تقدم يتناسب مع حجم الموارد والإمكانات المتاحة.
إن إدارة قطاع الطاقة لا ينبغي أن تخضع للحلول المؤقتة أو الحسابات السياسية الضيقة، بل يجب أن تستند إلى رؤية اقتصادية واضحة تضع المصلحة الوطنية وأمن الطاقة في مقدمة الأولويات.
خامساً: الاستقلال الطاقوي يبدأ من الداخل
إن تقليل الاعتماد على الغاز الإيراني لا يعني وقف الاستيراد بصورة مفاجئة، لأن ذلك قد يعرض إنتاج الكهرباء لمخاطر إضافية ويؤثر بصورة مباشرة في حياة المواطنين.
وإنما يتطلب الأمر خطة تدريجية تقوم على استثمار الغاز المصاحب، وتطوير الحقول الغازية، وتوسيع منشآت المعالجة والنقل، فضلاً عن تنويع مصادر الطاقة والتوسع في مشاريع الطاقة الشمسية.
كما أن تطوير البنية التحتية لقطاع الغاز، وتشجيع الاستثمار، ونشر تفاصيل العقود والكلف، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن تأخر المشاريع، تمثل جميعها عناصر أساسية في أي إصلاح حقيقي لقطاع الطاقة.
ولا يعني الاستقلال الطاقوي الانغلاق عن الأسواق الخارجية، بل امتلاك القدرة على تنويع مصادر الإمداد وتقليل المخاطر، بحيث لا يصبح استقرار الكهرباء مرتبطاً بقرار خارجي أو ظرف سياسي عابر.
الخاتمة
إن أزمة الكهرباء في العراق ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة إدارة وتخطيط واستثمار. فالدولة التي تمتلك النفط والغاز لا ينبغي أن تبقى رهينة إمدادات الطاقة الخارجية، ولا أن تستمر في حرق ثروتها المحلية بالتزامن مع إنفاق مليارات الدولارات على الاستيراد.
لقد آن الأوان للانتقال من سياسة معالجة الأزمات إلى بناء استراتيجية وطنية تحقق الاستقلال الطاقوي تدريجياً، وتضمن تحويل الثروات العراقية إلى خدمات وفرص اقتصادية يستفيد منها المواطن.
فالاستقلال الطاقوي ليس شعاراً سياسياً، بل ضرورة اقتصادية وسيادية، وشرط أساسي لبناء دولة قادرة على إدارة مواردها وتحقيق مصالح شعبها.
المصادر والمراجع
1.
وكالة
رويترز – 10 آذار 2025: تقرير عن
اعتماد العراق على الغاز الإيراني وقيمة المدفوعات السنوية.
https://www.reuters.com/business/energy/after-us-move-iraq-iran-power-trade-baghdad-looks-replace-iranian-gas-2025-03-10/
2. وكالة رويترز – 19 أيلول 2025:
تقرير عن واردات الغاز الإيراني إلى العراق خلال عام 2024 وتعثر استيراد الغاز
التركمانستاني.
https://www.reuters.com/ar/business/6NJI7I44GRIENAZCT6GU2VSIGY-2025-09-19/
3. إدارة معلومات
الطاقة الأميركية (EIA):
تحليل قطاع الطاقة والغاز الطبيعي في العراق.
https://www.eia.gov/international/analysis/country/IRQ
4.
مركز
كولومبيا للاستثمار المستدام – حزيران 2025:
دراسة حول حرق الغاز المصاحب في العراق وإقليم كردستان.
https://ccsi.columbia.edu/sites/ccsi.columbia.edu/files/content/docs/publications/CCSI-Capterio-Flaring-Case-Study-Iraq-June-2025.pdf
5.
شركة
غاز البصرة:
الموقع الرسمي – عمليات جمع ومعالجة الغاز.
https://www.basrahgas.com/our-operations/gas-gathering-treatment/?lang=ar







التعليقات (0)
سجّل الدخول للمشاركة بتعليق.
لا توجد تعليقات منشورة بعد.