من التنظيم الهرمي إلى التنظيم الديمقراطي الشبكي، التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي

رزكار عقراوي

روزا لوكسمبورغ: "الحرية هي دائما وحصرا حرية من يفكر على نحو مختلف".

كيف ندير الحزب اليوم يعكس كيف سندير المجتمع غدا

أنطلق في هذا النص من قناعة بأن الحزب اليساري صورة مصغرة للمجتمع الذي يسعى إلى بنائه وإدارته، وأن نظامه الداخلي يعكس بصورة مبكرة شكل الإدارة التي سيقدمها إذا تولى القيادة في الدولة. فالطريقة التي تتخذ بها القرارات داخل الحزب، وموقع القاعدة فيها، وحدود صلاحيات القيادة وشكل انتخابها، ومدى احترام الرأي المختلف، كلها تقدم للجماهير إجابة عملية عن سؤال جوهري: هل تكون السلطة في المجتمع الذي ننشده بيد الجماهير نفسها وتحت رقابتها المستمرة، أم تتركز في يد هيئات محدودة مهما حسنت نواياها؟ وعلى سبيل المثال، فإن الحزب الذي تنتخب قاعدته قيادته وتحاسبها، وتتداول فيه المواقع، ويصان فيه حق الأقلية في التعبير بشكل علني، يقدم صورة عملية لدولة ينتخب فيها الشعب من يحكمه ويحاسبه، وتتداول فيها السلطة، وتصان فيها حقوق المعارضة. ومن هنا تأتي أهمية أن يجسد النظام الداخلي منذ اليوم قيم الديمقراطية والمشاركة والشفافية والتداول التي نعد بها المجتمع غدا.

جاءت فكرة هذا النص من نقاش يدور اليوم في اليسار العراقي، بعد أن طرح الحزب الشيوعي العراقي مسودة نظامه الداخلي للحوار العام قبل مؤتمره الوطني الثاني عشر. غير أن ما أطرحه رأي في التنظيم اليساري عموما، يتصل بأحزاب اليسار وتنظيماته كافة، في الجنوب العالمي وفي الغرب على السواء. وأكتب من تجربة شخصية في صفوف الحركة اليسارية منذ ثمانينات القرن الماضي، عرفت فيها العمل السري بما فرضه من مركزية شديدة كانت في حينها شرطا للبقاء، وأقدرها في سياقها التاريخي تقديرا كاملا.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الشرق الأوسط وبلدان الجنوب العالمي، حيث ما زال كثير من تنظيمات اليسار يعيد إنتاج آليات تنظيمية صيغت في ظروف العمل السري والمطاردة تحت الأنظمة الديكتاتورية. وقد خدمت تلك الآليات قوى اليسار في زمنها، وقد تبقى بعض عناصرها ضرورية حيث ما زال القمع قائما، غير أن كثيرا منها أصبح متقادما وعاجزا عن مواكبة عصره. وأحزاب اليسار في أوروبا وأمريكا الشمالية تواجه بدورها أسئلة قريبة، من تراجع العضوية إلى ابتعاد الجيل الجديد عن الأشكال الحزبية التقليدية. وفي المقابل تجدد الرأسمالية آليات عملها وأشكال تنظيمها على مدار الدقيقة، وقد يكون من الصعب أن نواجهها ببنى تنظيمية لم تتطور بالشكل المناسب منذ عقود.

ويقوم التجديد الذي أدعو إليه على أربعة مرتكزات:

  1. الأفكار والتجارب الاشتراكية المختلفة، السابقة منها والحالية، عبر قراءة نقدية منفتحة لها، تستفيد من إيجابياتها وإنجازاتها وتتعلم من نواقصها وإخفاقاتها، على الصعيدين الفكري والتنظيمي معا.
  2. المعرفة، التي صارت متاحة ومفتوحة ولم تعد حكرا على مجموعة معينة تحتكر تفسير الواقع.
  3. الوعي الحقوقي، الذي تقدم كثيرا في مسائل حرية التعبير والمساواة الكاملة للمرأة وحقوق الإنسان والأقليات والبيئة والحريات الشخصية.
  4. الثورة الرقمية، التي أعادت تشكيل طريقة تواصل الناس وتنظيمهم وتعبيرهم عن آرائهم.

ويستند النص إلى مفاهيم اليسار الرقمي التي أعني بها تطوير اليسار فكريا وتجديد آلياته التنظيمية والقيادية على أساس هذه المرتكزات. وأرى في طرح الوثائق الحزبية للحوار الجماهيري العلني ممارسة ديمقراطية إيجابية أتمنى أن تصبح منهجا لكل أحزاب اليسار. ويقتصر هذا النص على الجانب التنظيمي، ولا يتناول السياسات والبرامج الحزبية، التي يمكن أن نتفق أو نختلف معها في هذه النقطة أو تلك، فالظروف المعقدة التي يمر بها العالم اليوم تفسح المجال لاجتهادات يسارية متعددة.

وأعتقد أن كثيرا من القواعد الموروثة عن النموذج التنظيمي الذي تشكل في أعقاب ثورة أكتوبر الاشتراكية، وساد إلى حد كبير في القرن العشرين، بحاجة اليوم إلى تطوير من داخلها من دون قطيعة معها. وقد نبهت روزا لوكسمبورغ مبكرا إلى مخاطر هذا النموذج في كتابها "الثورة الروسية"، الذي كتبته في زنزانتها عام 1918 وانتقدت فيه لينين وتروتسكي، وهي تكتب من موقع المدافعة عن الثورة الروسية أمام خصومهما، وهو ما يمنح نقدها قيمة مضاعفة.

رأت روزا أن الديمقراطية الواسعة شرط لبناء الاشتراكية منذ يومها الأول، وأن المشاركة الفعلية للجماهير هي ما يصحح الأخطاء ويجدد المؤسسات. وكتبت أنه من دون انتخابات عامة، ومن دون حرية غير مقيدة للصحافة والاجتماع، ومن دون صراع حر بين الآراء، تخبو الحياة في كل مؤسسة عامة ولا يبقى فيها عنصر فاعل سوى البيروقراطية. ووصفت ما يؤول إليه التنظيم الحزبي في هذه الحالة: بضع عشرات من قادة الحزب يوجهون ويحكمون، ولا يتولى القيادة فعليا من بينهم سوى عدد قليل، وتدعى نخبة من الطبقة العاملة بين حين وآخر لتصفق للخطب وتقر القرارات بالإجماع. وخلاصتها المعروفة أن "الحرية هي دائما وحصرا حرية من يفكر على نحو مختلف". ونقدها هذا يصح اليوم على كل تنظيم يساري تغيب عنه الانتخابات الحرة والتنافس المفتوح بين الآراء، إذ يتحول دور قاعدته إلى المصادقة على ما تقرره هيئات محدودة.

القاعدة الحزبية مصدرا للسلطات

كما ينادي اليسار بأن الشعب مصدر السلطات في المجتمع، ينبغي أن تكون القاعدة الحزبية المصدر الأساسي للسلطات داخل تنظيماته. ومعيار تحقق هذا المبدأ يتجاوز وجود نصوص تثمن المشاركة، وهي حاضرة في معظم الأنظمة الداخلية، إلى وجود آليات محددة تتيح للقاعدة أن تبادر بنفسها. ففي كثير من تنظيمات اليسار، في الجنوب العالمي وفي الغرب معا، يملك الأعضاء والعضوات حق النقاش والاقتراح والاعتراض، في حين تبقى أدوات المبادرة الأساسية، من الاستفتاء إلى المؤتمر الاستثنائي إلى قرارات التحالف وغيرها، بيد الهيئات القيادية.

ولذلك أرى أن من حق نسبة محددة من الأعضاء والعضوات، عشرة بالمائة مثلا، أو ثلث المنظمات المحلية، الدعوة إلى مؤتمر استثنائي أو استفتاء داخلي ملزم، على غرار ما يطالب به اليسار في المجتمع من مبادرات شعبية واستفتاءات عامة. وتكون نتيجة الاستفتاء العام في هذه الحالة في مرتبة قرار المؤتمر. ويكتمل هذا الحق بآلية لسحب الثقة من أي موقع قيادي بين مؤتمرين، وبانتخاب القيادات بالاقتراع المباشر والسري من عموم الأعضاء والعضوات، وهو ما صار ممكنا وقليل الكلفة بالتقنيات المتاحة اليوم. وبهذا تملك القاعدة مفتاحا للمبادرة إلى جانب القيادة، من دون أن يضعف ذلك موقع الهيئات المنتخبة، ويتحول التنظيم تدريجيا من بناء هرمي إلى بناء أفقي تكون القيادة فيه منسقة لعمل القاعدة وداعمة لها.

عضوية مرنة وتعدد المنابر وحرية التعبير

غيرت الثورة الرقمية طريقة تواصل الناس وتعبيرهم عن آرائهم وتنظيمهم لأنفسهم، فصار الفرد يصل إلى المعلومة مباشرة، ويعبر عن رأيه خلال دقائق، ويشارك في شبكات وحملات أفقية من دون وسيط. وفي ظل هذا الواقع يتغير معنى العضوية نفسه، من الانتماء إلى تنظيم هرمي ذي قواعد صارمة إلى تحالف طوعي بين أفراد يشتركون في أهداف محددة أو في جزء منها. ولذلك أرى أن العضوية تكسب كثيرا حين تنفتح على أشكال متدرجة تستوعب تنوع ظروف الناس، منها العضوية الفاعلة والمؤازرة والوقتية والجزئية والإلكترونية، انطلاقا من أن كل عضو وعضوة كنز للتنظيم. وبهذا يصبح التنظيم اليساري إطارا واسعا يجمع أفرادا وكتلا واتجاهات يسارية متعددة تشترك في أهداف محددة، ويفتح أبوابه أمام طاقات كثيرة تقف اليوم قريبة منه من دون أن تجد لنفسها موقعا فيه.

وأعتقد أن الاعتراف المنظم بتعدد المنابر والاتجاهات الفكرية من أقوى ضمانات الوحدة، لأن الرأي الذي يجد قناة شرعية داخل البيت يبقى في البيت، وهو حق يمارس بشكل علني ومنظم، بتمثيل في الهيئات يتناسب مع حجم كل اتجاه، ومن دون هياكل تنظيمية موازية، ومع الالتزام بتنفيذ القرارات بعد إقرارها. كما أن حصر حق التعبير بالمنابر الحزبية كان منطقيا حين كانت الجريدة الحزبية المنبر الوحيد، أما اليوم فلكل عضو وعضوة صفحات عدة في شبكات التواصل الاجتماعي تصل إلى آلاف القراء، والأجدى أن تعترف الأنظمة الداخلية لتنظيمات اليسار بهذا الواقع وتنظمه، شرط تقديم الآراء بوصفها شخصية ومن دون إفشاء ما هو داخلي بطبيعته. فالحوار العلني البناء يترك انطباعا إيجابيا لدى الجماهير، ويشركها في تطوير سياسات اليسار من خلال التفاعل والتغذية الراجعة.

عدالة داخلية وإصلاح بدل العقاب

تكسب العدالة التي ينادي بها اليسار مصداقية مضاعفة حين تجد انعكاسها داخل التنظيم. ولذلك يحتاج التنظيم اليساري في تقديري إلى هيئة قضائية منتخبة ومستقلة عن القيادة، تنشر قراراتها وأسبابها، وتكون قراراتها ملزمة لكافة الهيئات بما فيها القيادية، ولها درجة استئناف مستقلة. ومن شروط استقلالها منع الجمع بين عضويتها وأي موقع قيادي تنفيذي، وأن يحفظ نشر قراراتها خصوصية الأشخاص، فيصبح الاجتهاد الداخلي تراكميا ويقل الشعور بالغبن.

وأرى أن الغاية من أي نظام عقوبات هي إصلاح السلوك والحفاظ على الأعضاء داخل التنظيم، وخاصة في مرحلة يواجه فيها اليسار تراجعا في حضوره، تستدعي أن تكون تنظيماته جاذبة للأعضاء والعضوات وليست نافرة. ولذلك أدعو إلى أدوات وسيطة كالحوار والوساطة والاصلاح والتوجيه، وضمانات إجرائية كحق الدفاع وقرينة البراءة، وإعادة النظر في عقوبة الفصل التي أراها نوعا من الإعدام السياسي والتنظيمي والاستعاضة عنها بالتجميد.

صورة من الخبر

القيادة الجماعية وتداول المواقع

أعتقد أن مبدأ التجديد القيادي يتحقق بسقف لا يتجاوز دورتين انتخابيتين لأي موقع قيادي، وبالاتجاه التدريجي نحو قيادة جماعية موزعة بعيدا عن شخصنة القرار. وفي هذا النموذج يدار التنظيم بهيئة قيادية جماعية من منسقين ومنسقات لكل مجال تخصصي، كالشباب والمرأة والاقتصاد والعمل النقابي والعلاقات الخارجية والعمل الرقمي، من دون رئيس أو أمين عام، ويكون للتنظيم ناطقون وناطقات باسمه في المجالات المختلفة. وتتوزع المهام بين أعضاء الهيئة توزيعا واضحا، يمنع تركز أي ملف في يد واحدة، ويحول دون أن تصبح مواقع التنسيق مراكز سلطة فعلية فوق القاعدة.

والقيادة الجماعية بهذا المعنى توزيع شفاف للمسؤولية، وهي بعيدة عن غيابها. فكل منسق أو منسقة مسؤول أمام الهيئة الجماعية وأمام القاعدة عن ملفه، ويخضع للتقييم الدوري، ويمكن سحب الثقة منه فرديا من دون انتظار المؤتمر. وتتخذ القرارات المصيرية جماعيا، بالتوافق كلما أمكن، وبالتصويت عند الاختلاف، مع نشر القرارات وأسبابها. ويطبق مبدأ التناوب في المواقع تطبيقا متدرجا، بحيث يتجدد جزء من القيادة في كل دورة بدلا من استبدالها كلها دفعة واحدة، حفاظا على الذاكرة المؤسسية والخبرة المتراكمة، مع نقل تدريجي للمهام وبرامج تأهيل للوجوه الجديدة، ومسار استشاري لذوي الخبرة الطويلة.

وبهذا يصبح التداول أداة لتجديد الوجوه وتوسيع دائرة الكفاءات من دون إضعاف الأداء. فهو يمنع تحول المواقع إلى ملكية شخصية أو دائمة، ويفتح الطريق أمام النساء والشباب والكفاءات الجديدة، ويجعل القيادة منسقة لعمل القاعدة وداعمة لها، بعيدا عن أي وصاية عليها أو حلول محلها.

العمال والكادحون واستقلالية النقابات

أرى أن العمال والكادحين وشغيلة اليد والفكر هم العمود الفقري لأي تنظيم يساري، وأن تمثيلهم في مواقع القرار يحتاج إلى آليات تدعمه وتتجاوز التأكيد النظري وحده. ومن هذه الآليات تعزيز حضورهم في الهيئات القيادية، وتخصيص منسقين ومنسقات من العمال أنفسهم للملفات العمالية والنقابية، وبرامج تأهيل قيادي لهم تشمل استخدام التكنولوجيا الرقمية ومهارات الخطابة وتنظيم الحملات والتفاوض، وتيسير مشاركتهم عبر أدوات رقمية تعمل على الهواتف الذكية تمكنهم من الحضور والتصويت من دون تعطيل عملهم أو تحميلهم أعباء إضافية.

أما العلاقة بالنقابات العمالية والاتحادات المهنية والحقوقية، فأساسها في تقديري الدعم والتنسيق بعيدا عن الإشراف والوصاية. فاستقلالية هذه المنظمات عن الأحزاب كافة، بما فيها أحزاب اليسار نفسها، هي في مصلحة اليسار قبل غيره، لأنها تمنح الحركة النقابية مصداقية أوسع وقدرة جماهيرية واجتماعية أقوى، وتنعكس قوتها واستقلالها إيجابا على اليسار وعلى دوره في المجتمع. ومن الضروري أن يعمل أعضاء التنظيم اليساري وعضواته داخلها باحترام كامل لقراراتها الديمقراطية وطابعها الجماهيري.

المرأة، من المبدأ إلى المناصفة

تتطلب المساواة داخل التنظيم اليساري في رأيي المناصفة بين الجنسين في الهيئات القيادية كافة، بما فيها الهيئات التنفيذية العليا حيث يصنع القرار اليومي، لأن سريانها هناك هو ما يمنحها أثرها العملي. وحيث تبدأ التنظيمات من نسب متدنية، كما هو حال كثير منها في الجنوب العالمي، يمكن الانطلاق من حد أدنى لا يقل عن أربعين بالمائة لكل من الجنسين، يتصاعد نحو المناصفة خلال دورتين. ومن المفيد أن تكون المناصفة شرطا في قوائم الترشيح نفسها بدلا من أن تبقى نتيجة يرجى تحققها، وأن تكون لكل هيئة قيادة مشتركة من منسق ومنسقة، يتقاسمان المسؤولية أو يتناوبان عليها، بما يجسد المساواة في موقع القرار نفسه. وضمانا لأن يتحول الحضور العددي إلى دور حقيقي في صنع القرار، ينبغي أن ترافق الكوتا خطة تمكين وبناء قدرات واضحة ومستمرة، تشمل برامج التأهيل القيادي والمرافقة الميدانية وإسناد المهام بصورة متدرجة، مع تقييم دوري لأثرها.

الشباب، من المشاركة إلى القيادة

من الضروري تخصيص كوتا عمرية للشباب في الهيئات القيادية، بما فيها الهيئات العليا، ولتكن للنقاش ربع المقاعد أو نصفها على الأقل لمن هم دون الخامسة والثلاثين. فالجيل الجديد نشأ مع الأدوات الحديثة والتطبيقات الرقمية، ويستخدمها في التواصل والتنظيم والحملات بسهولة، وهو أكثر انفتاحا على التغيير وأكثر مرونة في التعامل مع التطورات المتسارعة. وحضوره في القيادة يمنح التنظيم قدرة أكبر على التجدد وعلى مخاطبة المجتمع بلغة العصر. وهو جيل قريب من قيم اليسار، يبحث عن أشكال تنظيم جماعية افقية تقدر دوره وتمنحه مسؤولية فعلية ومساحة للتعبير، وحين تتأخر التنظيمات في ذلك يغادرها بهدوء بعد فترة قصيرة من انضمامه. ولذلك يحتاج الأمر إلى تخفيف شروط الأقدمية التي تؤخر وصول الأعضاء الجدد إلى المؤتمرات والمواقع القيادية، وإلى برامج تأهيل ومرافقة خاصة بهم. ويمكن لكبار العمر وذوي الخبرة الطويلة أن يسهموا بصفة مستشارين لهذا الجيل، بما يحقق التواصل بين الأجيال ويحفظ الخبرة المتراكمة.

التحالفات والمشاركة في الحكومات

قرارات التحالف والمشاركة في الحكومات من أشد القرارات حساسية داخل أحزاب اليسار وأكثرها أثرا في علاقتها بجمهورها، وكثيرا ما كانت مصدر تراجع وانقسامات عميقة دفع اليسار ثمنها من رصيده الجماهيري، وتجارب اليسار في بلدان كثيرة غنية بالأمثلة على ذلك. ولذلك فالأسلم أن تطرح هذه القرارات للحوار التنظيمي والعلني، ثم لاستفتاء داخلي عام، بما يمنحها شرعية أوسع، ويحمي الحزب من الاستقطاب حولها، ويخفف العبء عن القيادة نفسها. ومن الضروري أن ينص النظام الداخلي على عدم التحالف مع قوى استبدادية أو فاسدة أو لها دور مباشر في انتهاكات حقوق الإنسان، حرصا على استقلالية الحزب ونزاهته وثقة الجماهير الكادحة به، وعلى أولوية التحالف والعمل المشترك مع القوى اليسارية والتقدمية.

الرقمنة والمؤتمر الدائم

يستحق نظام داخلي يكتب في عصر الثورة الرقمية بابا مستقلا للعمل الرقمي، ينظم الاجتماعات عن بعد والتصويت الإلكتروني بضمانات السرية والنزاهة، ويحمي بيانات الأعضاء والعضوات في بيئة تنشط فيها أجهزة استخبارات وشركات مراقبة، ويعتمد البرمجيات الحرة قدر الإمكان تجنبا للارتهان للشركات الرأسمالية الاحتكارية. ويتولى هذا العمل لجنة منتخبة للعمل الرقمي، تضم مختصين ومختصات وممثلين عن الشباب والاتجاهات الفكرية المختلفة، وتضمن أن تبقى منصات التنظيم وحساباته ملكا مؤسسيا له بعيدا عن الأفراد الذين يديرونها، وتحفظ أرشيفه الرقمي وتتيح وثائقه وقراراته للأعضاء والعضوات. وتبقى المشاركة الحضورية والتصويت الورقي متاحين دائما، مع تدريب فاعل على كافة المستويات الحزبية.

وتتيح الرقمنة ومجموعات التواصل الاجتماعي كذلك أن تتحول المسافة بين مؤتمرين من فراغ إلى حالة أشبه بمؤتمر دائم، تطرح فيه السياسات والوثائق للحوار الجماعي في كافة المستويات والهيئات الحزبية قبل إقرارها، فيبقى العقل الجماعي للتنظيم نشطا ومشاركا في صنع القرار على مدار العام بدلا من أن يحصر في هيئات محددة أو أشخاص محددين، أو في مؤتمر يعقد كل بضع سنوات.

خلاصة

لا يخفى أن اليسار في بلدان كثيرة من العالم شهد تراجعا في السنوات الأخيرة، ولهذا التراجع أسباب كثيرة موضوعية وذاتية، غير أن للبناء التنظيمي وأشكال العمل والقيادة أثرا كبيرا فيه. ومن هنا أرى أن المرحلة تتطلب تحولا تدريجيا من البناء الهرمي إلى بناء أفقي، يكون فيه للقاعدة والأجيال الجديدة والنساء الدور الأكبر في رسم السياسات واختيار القيادات، وتكون القيادة فيه مؤازرة للقاعدة وداعمة لها ومنسقة لعملها.

وتستند هذه المفاهيم إلى تجارب يسارية متعددة في بلدان مختلفة، وهي مفيدة ومضيئة، غير أن تطبيقها يحتاج إلى تكييف مدروس يراعي خصوصية كل مجتمع وظروفه المعقدة، بعيدا عن النقل المباشر. ومع ذلك تبقى قوى اليسار في أي مجتمع انعكاسا لمستوى تطوره المعرفي والحقوقي والديمقراطي، ويفترض بها أن تكون في طليعة هذا التطور ومحركا له، وهو ما يجعل تجديد آلياتها التنظيمية ضرورة ملحة في الجنوب العالمي كما في الغرب. والتعلم هنا يسير في الاتجاهين، فتجارب اليسار في الجنوب العالمي، بما فيها من عمل وتنظيم في ظروف القمع، تحمل بدورها ما يفيد اليسار في الدول المتقدمة.

وأختم بما بدأت به: الحزب الذي يمارس الديمقراطية والعدالة والشفافية داخل بنيته يقدم لشغيلة وشغيلات اليد والفكر دليلا عمليا على قدرته على ممارستها في إدارة الدولة والمجتمع.


صورة من الخبر